
ثمة خاصية تكاد ترافق الإنسان أينما ذهب، وفي مختلف المراحل التي مرت بها مجتمعاته. فالإنسان لا يكتفي بأن يمتلك، بل يريد لما يمتلكه أن يكون مرئيًا؛ ولا يكتفي بأن يتميز، بل يريد للآخرين أن يعرفوا أنه متميز؛ ولا يكفيه، في كثير من الأحيان، أن يكون فردًا بين أفراد الجماعة، وإنما يسعى إلى أن يرسم حول نفسه حدودًا رمزية تفصله عن الكثرة الساحقة، وتقربه، في الوقت ذاته، من قلة مختارة يريد الانتماء إليها.
ومن هنا لم يعد الثراء، في جانب مهم من تجلياته الاجتماعية، مجرد امتلاك لموارد تفوق الحاجة، وإنما أصبح لغة. فالبيت يمكن أن يتحول من مكان للسكن إلى إعلان عن المكانة، والسيارة من وسيلة للنقل إلى شارة طبقية، والملابس من غطاء للجسد إلى بطاقة تعريف اجتماعية، والسفر من انتقال بين الأمكنة إلى مناسبة لاستعراض القدرة على الوصول إلى ما لا يستطيع الآخرون الوصول إليه! بل إن الإنسان أبدع، عبر التاريخ، في ابتكار أشكال من الاستهلاك تكمن قيمتها تحديدًا في صعوبة تعميمها!
وهنا تكمن المفارقة. فلو أصبح الشيء متاحًا للجميع، فقد يفقد عند بعض الناس جزءًا من جاذبيته؛ ليس لأن خصائصه المادية تغيرت، وإنما لأن وظيفته التمييزية قد ضعفت. ومن ثم لا تعود الندرة عيبًا ينبغي التغلب عليه، وإنما تتحول هي ذاتها إلى مصدر للقيمة.
ولعل الغولف، ولا سيما في بعض صوره المرتبطة بالنوادي الحصرية والمنتجعات الفاخرة، يقدم مثالًا مثيرًا للتأمل في هذه الظاهرة. فما اللعبة، في أبسط تعريفاتها، إلا محاولة لإيصال كرة صغيرة إلى حفرة عبر سلسلة من الضربات. وليس في ذلك، بحد ذاته، ما يستحق الاعتراض أو الاستغراب؛ فهي رياضة كغيرها من الرياضات، لها مهاراتها وقواعدها ولاعبوها ومحبوها.
لكن السؤال يبدأ حين لا ننظر إلى الكرة والعصا، وإنما إلى المشهد الذي بُني حولهما: مساحات واسعة من الأرض، ومروج ينبغي الحفاظ على مواصفات معينة لها، وأنظمة ري وصيانة مستمرة، ونوادٍ قد تكون عضويتها مرتفعة الكلفة أو محدودة الوصول، ومنظومة اجتماعية كاملة نشأت حول اللعبة في بعض البيئات حتى غدا ملعب الغولف مكانًا لممارسة الرياضة، ولكنه قد يكون أيضًا فضاءً للقاءات الأعمال وبناء العلاقات وإظهار الانتماء إلى دائرة اجتماعية بعينها. وهنا تتحول اللعبة إلى ما هو أكبر من اللعبة، وذلك حين تصبح، في بعض تجلياتها، مسرحًا اجتماعيًا مصغرًا يمكن أن نرى عليه واحدة من أقدم نزعات الإنسان وأكثرها رسوخًا والتي تتمثل في الرغبة في مغادرة الأكثرية من دون مغادرة المجتمع، والانضمام إلى الأقلية من دون الانفصال عن نظرات الأكثرية إليها.
فالإنسان الذي يبحث عن المكانة لا يريد دائمًا أن يعيش وحده في القمة؛ إذ لا معنى اجتماعيًا للقمة إذا لم يكن هناك من ينظر إليها من الأسفل! ومن هنا تنشأ واحدة من أغرب مفارقات الثراء الاستعراضي. فالتميز يحتاج إلى الآخرين بقدر ما يحتاج إلى الأشياء التي يصنع بها تميزه. فالساعة النادرة لا تؤدي وظيفتها الرمزية كاملة إذا لم يكن هناك من يعرف ندرتها، والسيارة الباهظة لا تحمل الدلالة الاجتماعية نفسها إذا لم يكن هناك من يدرك ثمنها، والعضوية في النادي المغلق لا تكون علامة على الانتماء إلى القلة إلا بوجود كثرة تقع خارجه.
فنحن وبهذا المعنى، لا نشتري الأشياء وحدها؛ بل قد نشتري الفارق الذي تصنعه الأشياء بيننا وبين الآخرين!
ولذلك يمكن النظر إلى بعض أنماط الترف البشري بوصفها صناعة متواصلة للمسافة الاجتماعية. غير أن هذه الظاهرة تكتسب بعدًا أشد إشكالًا عندما تصبح صناعة المسافة الاجتماعية مرتبطة باستهلاك موارد طبيعية محدودة.
وهنا يعود ملعب الغولف إلى الواجهة، لا بوصفه رياضة ينبغي إدانتها، وإنما بوصفه سؤالًا. ففي مناطق تعاني شح المياه أو تتعرض لضغوط مائية متزايدة، يصبح الحفاظ على مساحات كبيرة من العشب لأغراض ترفيهية مسألة تتجاوز الذوق الشخصي. ولا تتساوى ملاعب الغولف جميعها في استهلاك المياه؛ فالمناخ، ونوع العشب، وتقنيات الري، واستخدام المياه المعاد تدويرها، وحجم المساحة المروية كلها عوامل تحدث فروقًا كبيرة. ومع ذلك تبقى المفارقة قائمة حيث تُستخدم كميات كبيرة من المياه العذبة للحفاظ على مشهد ترفيهي كثيف الموارد في بيئة تعاني أصلًا من محدودية المياه.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكبر من الغولف بكثير. فما الذي يحدث داخل الكائن البشري عندما تتعارض المنفعة الفردية أو المكانة الاجتماعية مع المصلحة الأوسع للجماعة والنظام الحيوي الذي يعيش فيه؟
كان المتوقع، إذا أخذنا بمنطق المصلحة البيولوجية المباشرة وحده، أن يكون الكائن شديد الحساسية تجاه استنزاف الموارد التي يتوقف عليها بقاؤه وبقاء جماعته. فالماء ليس سلعة ترفية اخترعها الاقتصاد، وإنما هو واحد من الشروط الأساسية لاستمرار الحياة. ومع ذلك يستطيع الإنسان أن يعرف أن موردًا ما محدود، وأن يعرف أن الملايين يحتاجون إليه، وأن يدرك أن المستقبل نفسه قد يتأثر بطريقة استخدامه، ثم يواصل بناء منظومات اجتماعية واقتصادية تجعل الإفراط في استهلاكه علامة على القدرة والنجاح والمكانة!
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها. فالإنسان لا يستهلك دائمًا لكي يشبع حاجة؛ إنه يستطيع أن يستهلك لكي يُنتج معنى. والمعنى الذي يريد الإنسان إنتاجه قد يصبح، في بعض الحالات، أقوى من المنفعة المادية ذاتها. فهو يريد أن يقول: أنا أستطيع، أستطيع امتلاك ما لا تستطيع امتلاكه، كما وأستطيع الوصول إلى المكان الذي لا تستطيع دخوله، وكذلك أستطيع تخصيص مورد نادر لشيء لا تقدر أنت على تخصيصه له.
وبذلك تحدث عملية غريبة جدًا؛ إذ تتحول الندرة التي كان ينبغي أن تدفع إلى الاقتصاد في المورد إلى عنصر يزيد قيمة استهلاكه استعراضيًا. فكلما أصبح الشيء أصعب منالًا، ازدادت قدرته على أداء وظيفة التمييز. وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة التفسيرات التطورية على الإحاطة بالسلوك الإنساني. فلا شك أن البيولوجيا التطورية تستطيع أن تقدم تفسيرات مهمة للمنافسة على المكانة والموارد والإشارات المكلفة والاصطفاء الجنسي والتحالفات الاجتماعية. بل يمكن من داخلها تفسير جانب من السلوك الاستعراضي نفسه: فإظهار امتلاك الموارد قد يؤدي وظيفة تنافسية داخل الجماعة.
لكن المشكلة لا تنتهي هنا! وذلك لأن السؤال الأكثر إرباكًا هو ليس: لماذا يتنافس الإنسان؟ بل: كيف يستطيع كائن يمتلك معرفة تراكمية بعواقب أفعاله، وقدرة غير مسبوقة على تصور المستقبل، أن يحول الموارد التي يعرف محدوديتها إلى أدوات لمنافسة رمزية قد تسهم في استنزاف شروط بقائه نفسها؟ فنحن أمام كائن لا يتنافس داخل الطبيعة فحسب، وإنما يستطيع أن يصنع منظومات رمزية تجعل انتصاره داخل جماعته متعارضًا مع مصلحة الجماعة، بل وربما مع المصلحة بعيدة المدى للنوع ذاته!
وهنا يصبح الأمر أقرب إلى خلل بنيوي في العلاقة بين القدرة على التمثّل والقدرة على ضبط السلوك. فالإنسان يستطيع أن يتمثل نفسه غنيًا وفقيرًا، رفيع المكانة ومنخفضها، داخل النخبة وخارجها، ثم يبني عالمًا كاملًا من العلامات التي تثبت له وللآخرين موضعه داخل هذا السلم المتخيل. وبعد ذلك لا يعود المال وسيلة لتوفير الاحتياجات، وإنما يصبح مادة أولية لصناعة الهوية. ولا يعود الاستهلاك استهلاكًا للأشياء فقط، وإنما استهلاكًا للفروق. ولا يعود الترف مجرد استمتاع بالفائض، وإنما يصبح أحيانًا استعراضًا للقدرة على تبديد الفائض.
ولعل هذا ما يجعل بعض أشكال الثراء الفاحش مثيرة للتأمل أكثر من كونها مجرد قضية اقتصادية. فالمليونير الذي يشتري شيئًا باهظ الثمن لا يستهلك المال وحده؛ إذ أنه يشارك في منظومة رمزية يتحدد داخلها معنى النجاح بما يستطيع الفرد أن يحوزه مما يعجز معظم الناس عن حيازته!
ولهذا تتجدد الأشكال باستمرار. فإذا أصبح نمط من أنماط الرفاه متاحًا للطبقة الوسطى، ظهر نمط آخر أكثر حصرية. وإذا أصبح السفر بالطائرة مألوفًا، ظهرت الطائرة الخاصة. وإذا أصبحت السيارة الفاخرة شائعة نسبيًا، ظهرت السيارة النادرة المصنوعة بعدد محدود. وإذا أمكن للجميع ممارسة نشاط ما، اكتُشفت طرق لجعله أكثر حصرية: نادي مغلق، منتجع خاص، عضوية محدودة، أو مكان لا يستطيع الوصول إليه إلا القليلون. إنها مطاردة لا تنتهي، لأن الغاية ليست الشيء في ذاته، وإنما المسافة الفاصلة بين “أنا” و”هم”.
وبهذا المعنى، قد لا يكون هوس إظهار الثراء سوى تجلٍّ آخر من تجليات حاجة الإنسان المستمرة إلى إعادة تعريف «نحن» و«هم»: نحن الذين نستطيع، وهم الذين لا يستطيعون؛ نحن الذين ندخل، وهم الذين يبقون خارج الباب؛ نحن القلة، وهم الكثرة!
ومن هنا ربما يكون ملعب الغولف أكثر من مساحة خضراء تتناثر فيها الحفر. فقد يكون، في ظروف معينة، نموذجًا مصغرًا لمفارقة أكبر بكثير: كائن يستطيع أن يعرف أن موارده محدودة، وأن مستقبله مشترك، وأن مصيره البيولوجي مرتبط بمصير الآخرين، ثم يبني، مع ذلك، جزءًا من إحساسه بقيمته على قدرته على امتلاك واستهلاك ما لا يستطيع الآخرون امتلاكه واستهلاكه. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: لماذا يلعب بعض الأثرياء الغولف؟ فهذا سؤال أصغر كثيرًا من القضية، لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا يحتاج الإنسان، بعد كل هذا التاريخ التطوري والحضاري والمعرفي، إلى أن يثبت لنفسه أنه متميز عن الآخرين عن طريق إظهار قدرته على الحصول على ما حُرموا منه؟ وربما كان السؤال الأشد إحراجًا: ماذا يحدث عندما يصبح إثبات أنني أستطيع أهم عندي من السؤال عمّا إذا كان ينبغي لي أن أفعل؟ عندها لا يعود ملعب الغولف هو موضوع البحث. فملعب الغولف لا يعدو أن يكون مرآة خضراء واسعة، نرى منعكسًا عليها ذلك الكائن الغريب الذي يستطيع أن يقلق على مستقبل كوكبه في الصباح، ثم يقضي بقية يومه في ابتكار طرق جديدة ليبرهن بها أنه ليس واحدًا من الكثرة.
