ومن تناقضات الإنسان الوجودية… قبوله حين يكون واحدًا من القلة بما كان يرفضه حين كان واحدًا من الكثرة!

ثمة تناقضات في السلوك الإنساني لا تبدو غريبة لأنها نادرة، بل لأنها شائعة إلى الحد الذي يجعلنا نتوقف عن ملاحظة غرابتها! فنحن نراها تتكرر أمامنا، ونمارس بعضها بأنفسنا، ثم نمنحها أسماء مختلفة بحسب السياق الذي تظهر فيه، من غير أن نتساءل عما إذا كانت هذه السلوكيات المتباعدة ظاهريًا تصدر، في حقيقتها، عن آلية واحدة أعمق.
ومن بين أكثر هذه التناقضات إثارة للتأمل أن الإنسان قد يقبل، بل ويسعى بحماس شديد، إلى وضع كان سيرفضه رفضًا قاطعًا لو وجد نفسه فيه ضمن سياق آخر.
والمفارقة هنا أن الشيء ذاته قد لا يكون هو الذي تغير، وإنما الموقع التمثّلي للإنسان داخله.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا وشائعًا: فتاة ترتبط بشاب ارتباطًا عاطفيًا، ثم تكتشف أن صديقتها أصبحت شديدة القرب منه، وأن بينهما من الألفة والاهتمام والتواصل ما يجعلها تشعر بأن موقعها المميز في حياته قد أصبح مهددًا. فقد تغضب، وتغار، وتخاصم صديقها أو صديقتها، وربما تنتهي العلاقة كلها لأن الفتاة لا تستطيع تقبل فكرة أن تكون امرأة أخرى قريبة من الرجل الذي تحبه بالقدر الذي تراه متعارضًا مع خصوصية العلاقة التي تجمعهما. ولا يبدو في ذلك، من حيث المبدأ، شيء شديد الغرابة. فالغيرة العاطفية معروفة، كما أن الرغبة في التفرد بمكانة خاصة لدى المحبوب تكاد تكون من أكثر الظواهر شيوعًا في العلاقات البشرية. لكن المشهد يصبح أكثر إثارة حين ننقل الفتاة نفسها إلى سياق مختلف تمامًا. فلنفترض أنها من المعجبات بنجم غنائي شهير، أو بأحد أعضاء فرقة موسيقية واسعة الشعبية. وقد لا تكتفي بالإعجاب بفنه، بل تتمنى أن تلتقيه، وأن يعرف اسمها، وأن تتحدث إليه، وربما أن تصبح واحدة من دائرة المعجبات “القريبات” منه. فإذا تحقق لها شيء من ذلك، فقد تشعر بأنها حققت حلمًا استثنائيًا، حتى وهي تعلم تمام العلم أنها ليست الوحيدة، وأن هناك أخريات يتمتعن بـ “القرب” نفسه، وربما بدرجات متفاوتة من العلاقة والاهتمام.
وهنا تظهر المفارقة. فكيف يمكن للإنسانة نفسها التي لم تحتمل أن تكون صديقتها واحدة من امرأتين مقربتين من رجل عادي تحبه أن تشعر بالسعادة لأنها أصبحت واحدة من عشرات، وربما مئات، المعجبات اللاتي يحظين بدرجة ما من “القرب” من رجل مشهور؟
فإذا حاولنا تفسير الظاهرتين بمنطق حسابي بسيط، ازدادت المفارقة استعصاءً بدل أن تُحل. فمن المفترض، حسابيًا، أن يكون تقاسم اهتمام رجل مع امرأة واحدة أقل إيلامًا من تقاسمه مع عشرات النساء! ومع ذلك قد يحدث العكس تمامًا: ترفض الأولى رفضًا شديدًا، بينما تصبح الثانية موضع فخر وسعادة وربما تباهٍ!
وهذا يعني أن الإنسان لا يقيس مكانته بالعدد وحده، بل يقيسها أيضًا بالمعنى الذي يمنحه لذلك العدد. فالفتاة في الحالة الأولى لا ترى نفسها «واحدة من اثنتين» فحسب؛ وإنما ترى امرأة أخرى اقتحمت مساحة كانت تمثلها في وعيها بوصفها مساحة خاصة بها. فالفتاة كانت تتصور نفسها صاحبة موقع متفرد، ولذلك يصبح ظهور المنافسة انتقاصًا من موقع سبق أن اعتبرته حقًا مكتسبًا. أما في الحالة الثانية فالبنية التمثّلية مختلفة جذريًا. فهي لا تبدأ من موقع «الواحدة» ثم تضطر إلى قبول الأخريات، وإنما تبدأ أصلًا من موقع «واحدة من كثرة هائلة». فهناك آلاف وربما ملايين المعجبات بالنجم نفسه. ومن داخل هذه الكثرة الساحقة تصبح غايتها مختلفة: ليست أن تكون المرأة الوحيدة في حياته، وإنما أن تنتقل من الكثرة البعيدة إلى القلة القريبة!
وهنا يحدث انقلاب بالغ الدلالة المعرفية في معنى العدد. فأن تكون واحدة من اثنتين قد يبدو خسارة إذا كنت تعتقدين أنك كنت الواحدة. أما أن تكوني واحدة من عشرين فقد يبدو انتصارًا هائلًا إذا كنت في الأصل ضمن عشرين من مليون! وهكذا لا تُحدَّد قيمة الموقع بعدد المشاركين فيه، وإنما بالمسافة التمثّلية التي تفصله عن الموقع الذي انطلق منه الإنسان. وهذه، في تقديري، واحدة من النقاط التي ترهق النموذج التفسيري البسيط للسلوك الإنساني؛ لأن الإنسان لا يستجيب للوقائع كما هي فحسب، وإنما يستجيب للكيفية التي أعاد بها تمثل هذه الوقائع داخل وعيه. فالعدد الفيزيائي شيء، والعدد النفسي شيء آخر. والقرب الواقعي شيء، والقرب التمثّلي شيء آخر. والمنافسة في ذاتها شيء، والمعنى الذي يمنحه الإنسان للمنافسة شيء آخر تمامًا.
ومن هنا يمكننا أن نرى في هذه الظاهرة أحد تجليات ما أسميه فائض التمثّل. فالإنسان لا يعيش موقعه داخل الجماعة باعتباره إحداثية اجتماعية محايدة، وإنما يغلفه بشبكة كثيفة من الدلالات: مختار، مستبعد، مفضل، عادي، مميز، قريب، بعيد، واحد من الجميع، واحد من القلة، أو الواحد الذي لا يشاركه أحد. وهذه الكلمات ليست أوصافًا بريئة لما يحدث؛ إذ أنها، في كثير من الأحيان، ما يحدد شعور الإنسان تجاه ما يحدث!
ولهذا فإن «القلة» نفسها تستطيع أن تؤدي وظيفتين متناقضتين تمامًا. فقد تكون القلة إهانة إذا كان الإنسان يتصور أنه يستحق التفرد. وقد تكون القلة امتيازًا هائلًا إذا كان يقارن نفسه بالكثرة. وهنا نصل إلى مفارقة أوسع بكثير من مثال المعجبة والنجم الغنائي؛ إذ يبدو أن الإنسان لا يسعى دائمًا إلى أن يكون الأول بقدر ما يسعى إلى ألا يكون واحدًا من الجميع.
وهذه نقطة فارقة. فثمة حالات كثيرة يقبل فيها الإنسان ألا يحتل القمة المطلقة، وذلك شريطة أن يستطيع رسم خط فاصل بينه وبين الكثرة. فيكفيه أحيانًا أن يكون ضمن الدائرة الداخلية، أو ضمن المدعوين، أو ضمن الأصدقاء المقربين، أو ضمن الأعضاء المميزين، أو ضمن المجموعة الصغيرة التي تستطيع الوصول إلى شخص أو مكان أو تجربة لا تستطيع الأكثرية الوصول إليها.
ومن هنا نفهم لماذا تمتلك عبارة بسيطة من قبيل «عدد محدود»، أو «لأعضاء مختارين فقط»، أو «دعوة خاصة»، أو «لقاء حصري» كل هذه القوة النفسية؛ فهي لا تقدم للإنسان شيئًا ماديًا بالضرورة، بل إنها تعيد تحديد موقعه. فتقول له بصورة ضمنية: أنت لم تعد واحدًا من الكثرة. وقد يكون هذا وحده كافيًا لتغيير تقييمه للموقف كله. ولذلك فإن الفتاة التي كانت ترفض أن تشارك امرأة أخرى قرب حبيبها قد تقبل، في سياق آخر، مشاركة عشرات النساء قرب نجم تعشقه، لأن عقلها لا يجري العملية الحسابية التي قد نتوقعها: “امرأة واحدة منافسة أفضل من عشرين”. فهو يجري عملية أخرى تمامًا: ففي الحالة الأولى: كنتُ الواحدة وأصبحت واحدة من اثنتين. وفي الثانية: كنتُ واحدة من مليون وأصبحت واحدة من عشرين.
فالأرقام هنا تقول شيئًا، لكن التمثّل يقول شيئًا آخر!
بل لعل هذا المثال يساعدنا على فهم ظواهر اجتماعية أوسع بكثير: النوادي المغلقة، والدوائر النخبوية، والمقاعد الخاصة، ولقاءات كبار الشخصيات، والمجتمعات الحصرية، وحتى بعض أشكال الولاء للمشاهير والجماعات. ففي جميع هذه الحالات لا تأتي القيمة مما يحصل عليه الإنسان فحسب، وإنما من عدد الذين لا يستطيعون الحصول عليه. وهنا يتحول الامتياز من خاصية في الشيء إلى علاقة بين الإنسان والآخرين. فالشيء قد لا تكون له قيمة استثنائية في ذاته، لكن معرفتي بأن الملايين محرومون منه بينما أنا ضمن عشرات يمتلكونه تضيف إليه قيمة تمثّلية هائلة.
ولعل المفارقة الأعمق أن الإنسان قد لا يلاحظ أنه قد غيّر معياره أصلًا. فهو في الحالة الأولى قد يتحدث عن الوفاء والخصوصية ورفض المشاركة والحق في العلاقة الحصرية، ثم يجد نفسه في الحالة الثانية سعيدًا بعلاقة لا تمتلك شيئًا تقريبًا من تلك الحصرية. ومع ذلك لا يشعر بالضرورة بأنه يناقض نفسه، لأن فائض التمثّل أعاد تصنيف الحالتين في ذهنه بحيث لم تعودا تنتميان إلى الفئة نفسها. فالأولى أصبحت فقدانًا للامتياز، أما الثانية فقد أصبحت اكتسابًا للامتياز. مع أن كلاً منهما، إذا جردناهما من تمثلاتهما النفسية، يقوم على مشاركة آخرين في القرب من شخص مرغوب فيه.
ومن هنا ربما ينبغي لنا، حين نحاول فهم السلوك البشري، ألا نسأل فقط: ماذا يملك الإنسان؟ بل نسأل أيضًا: مقارنةً بمن يعتقد أنه يملكه؟ وألا نسأل فقط: كم شخصًا يشاركه هذا الموقع؟ بل: من أي جماعة خرج لكي يصل إليه؟
فالإنسان كائن لا يعيش داخل الواقع وحده، وإنما يعيش كذلك داخل خرائط ذهنية يصنعها لذلك الواقع؛ خرائط تحدد المركز والهامش، الداخل والخارج، القريب والبعيد، العامة والخاصة، “نحن” و”هم”.
وقد يكون الشيء نفسه خسارة في خريطة، وانتصارًا في خريطة أخرى. وقد تكون المنافسة نفسها إهانة حين تنقلنا من الواحد إلى القلة، وامتيازًا حين تنقلنا من الكثرة إلى القلة.
وهكذا نعود إلى واحد من أغرب تناقضات الإنسان الوجودية: إنه قد يقبل حين يصبح واحدًا من القلة ما كان يرفضه بشدة حين كان واحدًا من الكثرة؛ لأن الإنسان لا يزن الأشياء بما هي عليه فحسب، وإنما بالموقع الذي تمنحه إياه بين الآخرين. ولعل السؤال الأهم، بعد ذلك، ليس لماذا تتناقض أحكام الإنسان إلى هذا الحد، وإنما لماذا نستغرب تناقضها أصلًا، إذا كان الكائن الذي يصدر هذه الأحكام لا يعيش العالم كما هو، بل كما يعيد تمثله لنفسه في كل مرة؟!

أضف تعليق