ومن تناقضات الإنسان الوجودية… مفارقة فارق العُمُر

ثمة حدود كثيرة يعيش الإنسان داخلها لا لأن الطبيعة رسمتها له بالضرورة، وإنما لأنه رسمها بنفسه، ثم نسي، بمرور الزمن، أنه هو الذي رسمها! وبعد أجيال من تكرارها وترسيخها، تتحول هذه الحدود المصطنعة في وعينا إلى ما يشبه القوانين الطبيعية التي يبدو تجاوزها خروجًا على “منطق الأشياء”.
ومن بين هذه الحدود: العرق، والطبقة، والمستوى الاجتماعي، والعُمُر. فالإنسان لا يكتفي بملاحظة الاختلاف بين شخص وآخر، وإنما يمتلك نزعة عجيبة إلى تحويل الاختلاف إلى فاصل، والفاصل إلى حدّ، والحدّ إلى حكم مسبق على إمكان العلاقة بين الطرفين. وهكذا لا يعود اختلاف اللون مجرد اختلاف في اللون، ولا اختلاف المستوى الاجتماعي مجرد اختلاف في الظروف، ولا اختلاف العمر مجرد فارق في عدد السنوات التي عاشها كل طرف؛ بل تتحول هذه الفوارق في مخيلتنا إلى مؤشرات يُفترض أنها تخبرنا، سلفًا، بمن يستطيع أن يفهم مَن، ومن يستطيع أن يحب مَن، ومن يجوز له أن يشعر بالانسجام مع مَن.
ولعل فارق العمر بين الرجل والمرأة يقدم واحدًا من أكثر الأمثلة إثارة لهذه المفارقة. فحين نسمع عن رجل وامرأة يفصل بينهما فارق كبير في العمر، كثيرًا ما يسارع الذهن، قبل أن يعرف شيئًا عنهما، إلى افتراض وجود فجوة بين عالميهما. وكأن عدد السنوات الفاصلة بين تاريخي ميلادهما يستطيع، من تلقاء نفسه، أن يخبرنا بمقدار المسافة الفاصلة بين عقليهما ووجدانيهما وشخصيتيهما!
وقد يكون اختلاف المرحلة الحياتية أمرًا واقعيًا ينبغي ألا نتجاهله؛ فالعمر قد يرتبط باختلاف الخبرة والأولويات والظروف والطاقة والتطلعات. لكن شيئًا مختلفًا تمامًا يحدث حين نحول هذه الاحتمالات إلى قانون حتمي، فنستنتج من فارق السنوات استحالة التوافق، قبل أن نعرف حتى طبيعة الشخصين اللذين نتحدث عنهما!
وهنا تظهر مفارقة شديدة الغرابة. فقد نجد امرأة في العشرينيات أو الثلاثينيات من عمرها تشعر بتوافق فكري ووجداني عميق مع دوستويفسكي أو ديكنز أو تولستوي، بل قد تجد نفسها مأخوذة بأسئلة سقراط الذي تفصلها عنه قرون وحضارات ولغات وأنماط حياة كاملة. فتقرأ دوستويفسكي فتقول: “هذا الرجل يفهم شيئًا في داخلي لم يستطع كثير ممن حولي فهمه”. وتقرأ تولستوي فتشعر أن أسئلته عن الإنسان والحب والموت والمعنى أقرب إليها من أحاديث أشخاص يشاركونها العمر والمدينة واللغة والحقبة الزمنية. وتقرأ سقراط، فتشعر بأن سؤالًا طُرح في أثينا قبل أكثر من ألفي عام قد أصبح، بصورة عجيبة، سؤالها الشخصي.
ولا نجد في ذلك شيئًا مستغربًا. فلا نقول لها: كيف يمكن لامرأة في الخامسة والعشرين أن تنسجم فكريًا مع رجل عاش قبل قرون؟! ولا نسألها: كيف يمكنك الشعور بأن ديكنز أو دوستويفسكي «يفهمك» وأنت تنتمين إلى عالم لا يكاد يشبه عالمهما في شيء؟ بل إننا نعتبر ذلك دليلًا على قدرة الفكر الإنساني على تجاوز المكان والزمان.
وهنا تحديدًا تبدأ المفارقة!
فإذا كان الوجدان الإنساني يستطيع أن يعبر قرنين كاملين لكي يلتقي وجدان إنسان آخر، وإذا كان العقل يستطيع أن يعبر الحضارات واللغات والبيئات الاجتماعية لكي يجد عقلًا يشعر بالقرب منه، فلماذا نفترض أن عشرين أو ثلاثين عامًا بين إنسانين معاصرين تشكل بالضرورة هاوية يتعذر عبورها؟! بل إن السؤال يصبح أكثر إحراجًا حين نتأمل المسألة جيدًا.
فامرأة في الخامسة والعشرين قد تشعر بالقرب الفكري من تولستوي في شيخوخته، ولا يرى أحد في ذلك تناقضًا! وقد تعجب بفكر فيلسوف مات قبل ميلادها بألفي عام، فنصفها بأنها قارئة مثقفة واسعة الأفق. ولكن إذا وجدت توافقًا وجدانيًا وفكريًا مع إنسان حي يكبرها بعشرين أو ثلاثين عامًا، سرعان ما يستدعي المجتمع فارق العمر بوصفه تفسيرًا جاهزًا للمشكلة!
فما الذي حدث هنا؟
إن السنوات في الحالتين هي السنوات نفسها، بل إن الفارق في الحالة الأولى أعظم بما لا يقاس. لكننا في الحالة الأولى تعاملنا مع الإنسان بوصفه وعيًا، وفي الثانية عدنا فجأة إلى التعامل معه بوصفه رقمًا زمنيًا.
ولعل المشكلة الأعمق تكمن هنا. فنحن نخلط كثيرًا بين التوافق الزمني والتوافق الإنساني. فنفترض أن الذين وُلدوا في سنوات متقاربة ينبغي أن يكونوا أكثر قدرة على فهم بعضهم بعضًا، مع أن التجربة اليومية تكذب هذا الافتراض باستمرار. فقد يجلس شخصان وُلدا في اليوم نفسه ولا يجد أحدهما لدى الآخر فكرة واحدة يستطيع أن يقيم معها حوارًا حقيقيًا، بينما قد يلتقي شخصان يفصل بينهما ثلاثون عامًا فيكتشفان خلال ساعة واحدة من الحديث أن بينهما من التقارب الفكري والوجداني ما لم يجده أي منهما لدى عشرات الأشخاص من أبناء جيله. فالزمن يقيس مدة وجود الإنسان، لكنه لا يقيس بالضرورة طبيعة هذا الوجود! فهو يستطيع أن يخبرنا كم سنة عاش شخص ما، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا ماذا فعلت به تلك السنوات، ولا كيف تشكل وعيه خلالها، ولا مقدار حساسيته، ولا نوع الأسئلة التي تشغله، ولا الكتب التي غيرته، ولا التجارب التي صاغته، ولا العالم الداخلي الذي بناه لنفسه.
ومن هنا يبدو العمر، حين يُستخدم وحده للحكم على إمكان التوافق بين إنسانين، أداة قياس وُضعت في غير موضعها.
ولعل الأمر نفسه ينطبق، بدرجات وصور مختلفة، على كثير من الفوارق التي ضخّمها الإنسان: العرق، والطبقة، والمستوى الاجتماعي، والثقافة، والجنسية. فهذه كلها قد تؤثر في التجربة الإنسانية، ولا معنى لإنكار آثارها الواقعية؛ لكن الخطأ يبدأ عندما ننتقل من القول بأنها عوامل مؤثرة إلى الزعم بأنها حدود وجودية فاصلة تقرر سلفًا من يمكنه أن يفهم من! وذلك لأن الإنسان، فيما يبدو، مولع بتحويل الفروق إلى هويات، والهويات إلى حدود، والحدود إلى أضداد!
وهنا يمكن أن نلمح مرة أخرى أثر ما يمكن تسميته بفائض التمثّل: فنحن لا نكتفي بإدراك الفرق الواقعي بين شيئين، وإنما نبني حول هذا الفرق منظومة من المعاني والتوقعات والأحكام، حتى يصبح التمثّل الذي صنعناه أقوى من الواقع الذي بدأ منه.
فالعمر حقيقة بيولوجية وزمنية. أما القول إن فارقًا محددًا في العمر يعني بالضرورة غياب التوافق، فذلك تمثّل أضفناه نحن إلى هذه الحقيقة. والعرق هو اختلاف بشري واقعي في بعض السمات والأصول، أما افتراض أنه يحدد مسبقًا مقدار التقارب الوجداني بين شخصين، فذلك تمثّل آخر. والمستوى الاجتماعي حقيقة لها آثارها في الفرص والخبرات وأنماط الحياة، أما تحويله إلى مقياس لقدرة شخصين على الحب أو الحوار أو الفهم، فذلك شيء صنعه وعينا فوق الحقيقة الأصلية.
وربما لهذا السبب لا تكمن المشكلة في وجود الفروق نفسها، وإنما في المعاني التي نُلزم الفروق بحملها. فالإنسان لا يرى عشرة أعوام أو عشرين أو ثلاثين عامًا فحسب، ولكنه ايضاً يرى معها الصور التي راكمتها الثقافة حول هذه الأرقام. فيرى «جيلين مختلفين»، و«مرحلتين مختلفتين»، و«عالمين لا يلتقيان»، ثم يتعامل مع هذه الاستعارات كما لو أنها أوصاف موضوعية لعلاقة لم تبدأ بعد. ومع ذلك، ينبغي ألا يقودنا نقد هذا الوهم إلى وهم معاكس مفاده أن فارق العمر لا يعني شيئًا أبدًا!
فالعلاقات الإنسانية لا تقوم في الفراغ. وقد يترتب على الفارق الكبير في العمر اختلاف حقيقي في المرحلة الحياتية أو المصالح أو التوقعات المستقبلية، كما قد تنشأ في بعض الحالات تفاوتات في الخبرة أو القوة أو الاستقلال ينبغي الانتباه إليها. لكن كل ذلك لا يجعل العمر نفسه حكمًا نهائيًا على العلاقة، وإنما يجعله واحدًا من عناصر كثيرة ينبغي فهمها داخل العلاقة ذاتها.
وهنا يصبح السؤال الصحيح مختلفًا. فليس السؤال هو: كم سنة تفصل بينهما؟ وإنما: ما الذي يجمع بينهما؟ وهل يستطيع أحدهما أن يفهم الآخر؟ وهل يجد كل منهما في الآخر مساحة يستطيع أن يكون فيها نفسه؟ وهل بينهما توافق في القيم والأسئلة ونمط النظر إلى العالم؟ وهل العلاقة حرة ومتوازنة وقائمة على الاحترام؟ هل يستطيعان الحوار والاختلاف والنمو معًا؟
تلك أسئلة لا تستطيع شهادة الميلاد أن تجيب عنها.
ولعل أجمل ما تكشفه لنا علاقتنا بالأدب والفلسفة والفن أن الإنسان أوسع كثيرًا من زمنه! فنحن نحب موتى لم نلتقهم، ونحاور في أذهاننا أشخاصًا عاشوا قبل قرون، ونجد أنفسنا في رواية كتبها إنسان ينتمي إلى مجتمع لم نره، ونبكي لعبارة كتبها شخص لم يكن يستطيع حتى تخيل العالم الذي نعيش فيه اليوم.
فثمة شيء في الإنسان يستطيع أن يعبر الزمن.
وإذا كان هذا الشيء قادرًا على أن يصل بين امرأة تعيش في القرن الحادي والعشرين ووجدان دوستويفسكي أو ديكنز أو تولستوي، فإن من الغريب أن نصر بعد ذلك على أن التقارب بين شخصين يعيشان في اللحظة التاريخية نفسها يجب أن تحدده المسافة بين تاريخي ميلادهما.
وربما كان علينا، بدلًا من البحث المستمر عن الفروق التي تمنع إنسانًا من الاقتراب من إنسان، أن نبدأ بالبحث عن ذلك الشيء الآخر الذي يجعل إنسانين يلتقيان رغم الفروق. ذلك الشيء الذي لا يقيسه العمر، ولا يحدده العرق، ولا تمنحه الطبقة الاجتماعية، ولا تكشفه بطاقات الهوية؛ وهو شيء يجعل إنسانًا يجد نفسه، على نحو لا يستطيع تفسيره تمامًا، في إنسان آخر.
ولعل واحدة من أكبر مشكلاتنا أننا أتقنّا، عبر تاريخنا الطويل، تسمية ما يفصلنا بعضنا عن بعض: عرق، وطبقة، وجنس، وقومية، ودين، وعُمُر، ولغة، وثقافة. لكننا، على الرغم من كل تقدمنا في معرفة الإنسان، لم نتقن بالدرجة نفسها تسمية ذلك الشيء الغامض الذي يجمعنا.
ولعلنا لهذا السبب ما زلنا نقيس المسافة بين إنسانين بعدد السنوات التي تفصل بين ميلاديهما، بينما قد تكون المسافة الحقيقية بين وعيين وُلدا في اليوم نفسه أبعد من قرون، وقد يكون إنسان وُلد قبلنا بعقود، أو حتى بقرون، أقرب إلينا من شخص يقف إلى جوارنا.
وهنا تكمن مفارقة فارق العمر. فلقد تعلمنا كيف نحسب السنوات التي تفصل بين إنسانين، قبل أن نتعلم كيف نقيس المسافة التي تفصل بين وجدانيهما.

أضف تعليق