حين يستقبل أبناء فرنسا بابا الفاتيكان… هل بدأت أوروبا رحلة البحث عن جذورها؟

ثمة مشاهد لا تكمن دلالتها فيما يحدث فيها فحسب، وإنما في هوية الذين يحضرونها. ومن هذه المشاهد ذلك الاستقبال الجماهيري اللافت الذي حظي به البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته إلى فرنسا بين الخامس والعشرين والثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول 2026. فالجموع التي احتشدت لاستقباله، والحماسة التي رافقت ظهوره، ولا سيما ذلك المشهد الاستثنائي لعشرات الآلاف من الشباب الذين ملأوا استاد فرنسا، تدفع إلى سؤال يتجاوز الزيارة البابوية نفسها: ما الذي يدفع أبناء واحدة من أكثر المجتمعات الأوروبية علمانيةً إلى الاحتشاد بهذه الكثافة حول رأس الكنيسة الكاثوليكية؟
والسؤال يصبح أكثر إثارة حين ننظر إلى أعمار كثير من هؤلاء. ففي استاد فرنسا وحده اجتمع نحو ثمانين ألف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والخامسة والثلاثين. ولم يكن الأمر مجرد تجمع صامت أو بروتوكولي، بل بدا أقرب إلى احتفال جماهيري ضخم؛ هتافات وفرح وانتظار طويل واندفاع لرؤية البابا والاستماع إليه.
وهنا تحديدًا تبدأ المفارقة.
فهؤلاء ليسوا بقايا جيل فرنسي قديم نشأ في مجتمع كانت فيه الكنيسة المؤسسة المركزية التي تنظم إيقاع الحياة. بل أن نسبة كبيرة منهم تنتمي إلى أجيال ولدت وترعرعت داخل فرنسا العلمانية الحديثة؛ فرنسا التي فصلت الدولة عن الكنيسة منذ أكثر من قرن، والتي شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعًا متواصلًا في الممارسة الدينية التقليدية.
ولهذا ربما يكون الخطأ الأول الذي ينبغي تجنبه هو تفسير المشهد بوصفه مجرد حنين إلى الماضي! فالذين صنعوا جانبًا كبيرًا من هذا المشهد لم يعيشوا ذلك الماضي أصلًا.
وهذه نقطة بالغة الدلالة. فالحنين، بالمعنى الدقيق للكلمة، يفترض ذاكرة. أما حين ينجذب جيل شاب إلى عالم لم يعشه، فإننا نكون أمام ظاهرة أخرى مختلفة: ليست استعادة لما فُقد بالضرورة، وإنما ربما بحثًا عما يشعر المرء بأنه يفتقده من دون أن يكون قد امتلكه يومًا! وهنا يمكن أن نقرأ ما حدث في فرنسا ضمن سياق أوسع بكثير. ففرنسا المعاصرة، مثل أجزاء واسعة من أوروبا الغربية، تعيش مفارقة تاريخية عميقة. فلقد نجحت الحداثة الأوروبية في تحرير الفرد من كثير من السلطات القديمة، وفي مقدمتها السلطة الدينية، لكنها لم تجب بالضرورة عن السؤال الذي ظهر بعد ذلك: ماذا يفعل الإنسان بحريته بعد أن يتحرر؟
فلقد أصبح الفرد أكثر قدرة على اختيار هويته، وعمله، وشريك حياته، وأفكاره، وأنماط عيشه، بل وحتى تعريفه لذاته. غير أن اتساع فضاء الاختيار لم يؤدِّ بالضرورة إلى اتساع مماثل في الشعور بالمعنى والانتماء. بل قد يحدث العكس. فكلما كثرت الخيارات، أصبح سؤال «من أنا؟» أكثر إلحاحًا.
ومن هنا ربما ينبغي النظر إلى الحضور الشبابي الكثيف في استقبال البابا، لا باعتباره برهانًا قاطعًا على عودة دينية شاملة، وإنما بوصفه إشارة إلى عودة السؤال الديني نفسه.
والفرق بين الأمرين كبير. فقد لا يعود الإنسان إلى المؤسسة الدينية بالصيغة التي عرفها أجداده، لكنه قد يعود إلى الأسئلة التي كانت تلك المؤسسة تقدم لها إجابات: من أنا؟ وإلى ماذا أنتمي؟ وما معنى حياتي؟ وما الذي يربطني بمن سبقني؟ وهل وجودي مجرد تجربة فردية تبدأ بولادتي وتنتهي بموتي، أم أنني حلقة داخل قصة أطول مني؟
ولعل الأرقام الفرنسية الحديثة تمنح هذه الأسئلة قيمة إضافية.
ففي عام 2026 تجاوز عدد البالغين الذين تلقوا المعمودية الكاثوليكية في فرنسا ثلاثة عشر ألفًا، بزيادة بلغت نحو 28 في المئة خلال عام واحد، وأكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجل قبل عشر سنوات. والأكثر دلالة أن الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين أصبحت الفئة الأكبر بين هؤلاء البالغين الجدد. كما تجاوز عدد المراهقين الذين تلقوا المعمودية ثمانية آلاف. وهذه الأرقام لا تعني أن فرنسا استعادت فجأة هويتها الكاثوليكية القديمة؛ فالاتجاه الطويل الأمد نحو العلمانية وتراجع الاقبال على تعميد الأطفال والممارسة الكنسية المنتظمة ما يزال واضحًا. لكنها تقول شيئًا ربما يكون أكثر إثارة للاهتمام: فثمة شباب لا يرثون الكاثوليكية، بل يختارونها، وهذا فارق تاريخي هائل.
فالكاثوليكية التي كانت في الماضي جزءًا من الهوية التي يتلقاها الفرنسي عند ولادته قد تصبح، عند بعض أبناء الأجيال الجديدة، هوية يبحث عنها الفرد بنفسه بعد أن لم تعد مفروضة عليه اجتماعيًا. أي أننا ربما نشهد انتقالًا من دين الميراث إلى دين الاختيار. وهذا التحول، إن استمر، قد يكون أهم بكثير من مجرد ارتفاع مؤقت في أعداد المعموديات.
فالهوية التي يرثها الإنسان قد يحملها من غير أن يفكر فيها، أما الهوية التي يبحث عنها بعد أن كانت غائبة عنه، فإنه غالبًا ما يسأل عنها ويقرأها ويعيد اكتشاف رموزها ويمنحها معنى شخصيًا جديدًا.
ومن هنا تكتسب زيارة البابا إلى فرنسا دلالة تتجاوز الكنيسة ذاتها. فالزيارة جاءت إلى بلد يوصف تاريخيًا بأنه «الابنة الكبرى للكنيسة»، لكنه البلد نفسه الذي أصبح أحد أهم المختبرات التاريخية للعلمانية الأوروبية. وكأن البابا لم يصل إلى أرض كاثوليكية ببساطة، ولا إلى أرض ما بعد كاثوليكية بصورة نهائية، وإنما إلى مجتمع يقف في منطقة أكثر تعقيدًا بين الاثنين.
فرنسا لا تزال تحمل آثار الكاثوليكية في مدنها وقراها وفنونها وأعيادها وتقويمها وعمارتها وذاكرتها التاريخية، وحتى عندما لا يكون كثير من الفرنسيين مؤمنين أو ممارسين للشعائر.
ولعل كاتدرائية نوتردام نفسها تختصر هذه المفارقة؛ إذ أنها كنيسة، لكنها في الوقت ذاته أكثر من كنيسة، فهي ذاكرة حجرية لفرنسا، ولهذا بدا احتراقها في 15 ابريل/نيسان 2019 وكأنه أصاب شيئًا يتجاوز الجماعة الكاثوليكية نفسها. وحين عادت إلى الحياة بعد ترميمها، عادت معها أسئلة يصعب الفصل فيها بين الديني والتاريخي والحضاري.
ولهذا فإن السؤال عن «الجذور الكاثوليكية لفرنسا» يحتاج هو الآخر إلى شيء من الحذر. فالعودة إلى الجذور لا تعني بالضرورة إعادة فرنسا إلى نموذج سياسي ديني، كما أنها لا تعني إلغاء العلمانية التي أصبحت بدورها جزءًا من التاريخ الفرنسي الحديث. وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الفرنسي يستطيع أن يكون شديد التمسك بالعلمانية، وفي الوقت نفسه مدركًا أن جانبًا هائلًا من اللغة الرمزية والحضارية التي صنعت بلاده تشكل داخل فضاء كاثوليكي. ولكن الاعتراف بالجذور لا يعني بالضرورة العودة إلى العيش فيها. فالشجرة لا تعود إلى جذورها، لكنها لا تستطيع كذلك أن تفهم وجودها من دونها.
وهنا يصبح الاستقبال الشعبي للبابا حدثًا يتصل بسؤال الهوية الأوروبية الأوسع.
فأوروبا اليوم تجد نفسها أمام عالم يعاد تشكيله بسرعة: حروب عادت إلى القارة، وهجرات واسعة، وتحولات ديموغرافية، وصعود قوى دولية جديدة، وذكاء اصطناعي يعيد تعريف العمل والمعرفة، وشبكات اجتماعية أعادت تشكيل معنى الجماعة والانتماء، فضلًا عن أجيال شابة نشأت داخل عالم عالمي مفتوح لكنها تجد نفسها، ويا للمفارقة، تسأل بإلحاح متزايد: إلى أين أنتمي؟ وقد يكون من السهل الإجابة: أنتمي إلى الإنسانية. لكن الإنسان، على امتداد تاريخه، نادرًا ما اكتفى بانتماء بهذه الدرجة من التجريد. فهو يريد مكانًا وقصةً ورموزًا وذاكرةً وأسماءً وأعيادًا وموتى وأسلافًا وسردية يستطيع أن يضع نفسه داخلها.
وهنا قد تستعيد الأديان وظيفة ظن كثيرون أن الحداثة قد أنهتها، ليس بالضرورة بوصفها سلطة تفرض على المجتمع قوانينه، وإنما بوصفها مستودعات ضخمة للمعنى والذاكرة والانتماء.
ولهذا فإن الشاب الفرنسي الذي يهتف باسم البابا في استاد فرنسا قد لا يكون مجرد نسخة متأخرة من جده الكاثوليكي، بل ربما يمثل ظاهرة مختلفة تمامًا. فالجد كان كاثوليكيًا لأن العالم المحيط به كان يقول له إنه كذلك. أما الحفيد فقد يعيش في عالم يقول له إنه يستطيع ألا يكون شيئًا على الإطلاق، ثم يقرر أن يبحث بنفسه عن شيء ينتمي إليه.
وهنا تنقلب المفارقة. فما اعتقدت أجيال أوروبية سابقة أنها تحررت منه قد تنظر إليه أجيال لاحقة بوصفه أحد الأماكن التي يمكن البحث فيها عن المعنى. ولا يعني ذلك أن أوروبا مقبلة حتمًا على «صحوة دينية»، ولا أن الحشود التي استقبلت البابا تمثل المجتمع الفرنسي كله. ففرنسا ما تزال مجتمعًا شديد التنوع في معتقداته وهوياته، كما أن المناسبات الكبرى تمتلك قدرة على الحشد لا تعكس دائمًا أنماط الممارسة اليومية. لكن تجاهل الظاهرة سيكون خطأ مماثلًا، لأن التاريخ لا يغير اتجاهه دائمًا عبر الأغلبية أولًا. فأحيانًا تبدأ التحولات على هيئة أسئلة صغيرة تظهر داخل جيل جديد. وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن تتركه زيارة ليو الرابع عشر إلى فرنسا مفتوحًا ليس: هل عادت فرنسا كاثوليكية؟ بل: لماذا بدأ بعض أبناء فرنسا العلمانية يبحثون من جديد في المكان الذي اعتقد آباؤهم أن التاريخ قد غادره؟ وقد يكون هذا السؤال جزءًا من سؤال أوروبي أكبر بكثير. ففي عالم تتصارع فيه القوى على إعادة رسم الخرائط الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والثقافية، قد تكتشف أوروبا أن معركتها القادمة ليست فقط حول موقعها بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ولا حول حدودها أو اقتصادها أو جيوشها. فقد تكون هناك معركة أكثر هدوءًا تجري في الداخل، ألا وهي معركة تعريف الذات.
فلكي تعرف أوروبا الموقع الذي تريد أن تحتله في العالم الجديد، ربما يتعين عليها أولًا أن تجيب عن سؤال ظنت، لبعض الوقت، أنها تجاوزته: من نحن؟
وعندئذ قد تبدو الحشود الشابة التي استقبلت بابا الفاتيكان في شوارع فرنسا وفي استادها الأكبر أقل شبهًا بمشهد ديني عابر، وأكثر شبهًا بإشارة مبكرة إلى “شيء آخر” مفاده أن الإنسان يستطيع أن يهدم الحدود التي تفصله عن ماضيه، وأن يعلن تحرره من موروثه، وأن يعيش أجيالًا وهو يعتقد أنه لم يعد بحاجة إليه، لكنه، وحين تبدأ خرائط العالم من حوله بالاهتزاز، فإنه قد يكتشف فجأة أن السؤال عن المستقبل يعيده، بطريقة غريبة، إلى السؤال عن الجذور.

أضف تعليق