
ثمة مفارقات إنسانية تتجاوز العرق والجنس والدين والثقافة والحضارة، لأنها لا تنتمي إلى صورة بعينها من صور الإنسان، وإنما إلى الإنسان من حيث هو إنسان. وهي مفارقات نجدها في الشرق كما نجدها في الغرب، وفي الماضي كما نجدها في الحاضر، وبين المتعلم وغير المتعلم، والمتدين وغير المتدين، والغني والفقير؛ حتى ليبدو اختلاف البشر في طرائق التعبير عنها أقل قيمة دلالية بكثير من اشتراكهم في أصلها.
ولعل واحدة من أعجب هذه المفارقات أن كل إنسان تقريبًا يتوهم، بدرجة أو بأخرى، أنه مختلف عن بقية البشر! ولا نقصد بالاختلاف هنا ذلك الاختلاف الحقيقي والبديهي بين الأفراد في الطباع والقدرات والخبرات والميول، وإنما ذلك الشعور الأعمق والأكثر خفاءً الذي يجعل المرء ينظر إلى نفسه كما لو كان استثناءً من القواعد التي يفسر بها سلوك الآخرين.
فالناس أنانيون… إلا أنا. والناس متحيزون… إلا أنا. والناس يحبون الظهور… إلا أنا. والناس يتسرعون في الحكم… إلا أنا. والناس يغتابون ويتحدثون في عيوب الآخرين… أما أنا، حين أفعل ذلك، فإنني لا أغتاب، وإنما أصف الواقع! وهكذا يتحول الـ «أنا» شيئًا فشيئًا إلى منطقة محصنة من القواعد التي نطبقها بسهولة على الآخرين.
والمثير أن الإنسان لا يكتفي بأن يرى نفسه مختلفًا، وإنما كثيرًا ما يجعل اختلافه متفوقًا. فهو لا يريد فقط أن يكون «غير الآخرين»، بل يريد أن يكون أفضل منهم: أكثر وعيًا، وأعمق تفكيرًا، وأرقى أخلاقًا، وأشد استقلالًا، وأقل خضوعًا للجماعة، وأبعد عن التفاهة، وأقدر على رؤية الأشياء كما هي.
ولو تُرك للإنسان أن يكتب توصيفًا داخليًا لنفسه، بعيدًا عن ضرورات التواضع الاجتماعي، فلعل عددًا غير قليل منا سيكتب سيرة لكائن يكاد يكون «سوبرمانيًا»؛ إن لم يكن كذلك بالفعل فهو كذلك بالقوة! فهو يمتلك، بحسب الصورة التي رسمها لنفسه، إمكانات استثنائية لم تتَح لها الظروف المناسبة بعد. ولو أُتيحت له الفرصة لكان أكثر نجاحًا. ولو وُضع في موقع المسؤولية لكان أكثر عدلًا. ولو امتلك المال لكان أكثر كرمًا. ولو امتلك السلطة لما فعل ما يفعله أصحاب السلطة. ولو عاش ظروف ذلك الإنسان الذي ينتقده لاتخذ قرارًا أكثر حكمة. ولو كتب لكتب أفضل، ولو حكم لحكم أعدل، ولو قاد لقاد أحكم، ولو أحب لأحب أنبل! إنه، باختصار، بطل عظيم تعطلت بطولته لأسباب تقع، في الغالب، خارج ذاته. وهنا تبدأ المفارقة. وذلك لأن هذا الكائن الاستثنائي الذي يسكن صورتنا الخيالية عن أنفسنا لا يظهر دائمًا حين ننزل من فضاء الإمكان إلى أرض الفعل. فما إن نعود إلى الحياة اليومية حتى نجد ذلك «السوبرمان بالقوة» إنسانًا كسائر الناس: يضعف حيث يضعفون، ويخاف حيث يخافون، ويتردد حيث يترددون، ويغضب لأسباب صغيرة، ويحزن لأن أحدًا لم يقدّره كما ينبغي، ويتألم من كلمة، ويغار من نجاح غيره، ويبحث عن الاعتراف، ويشتكي من سوء حظه، ويرثي لحاله، ويعيد سرد مظالمه القديمة، ويحمل في داخله قائمة طويلة من الآمال والأحلام والمشروعات التي ينتظر منذ سنوات اللحظة المناسبة لكي يبدأها؛ فهو، بكلمات أخرى، إنسان شكّاء بكّاء، كثير الأماني، قليل الحيلة أمام نفسه، تمامًا مثل ذلك الإنسان الذي كان قبل قليل ينظر إليه من علٍ!
ولا تكمن المشكلة في الضعف نفسه؛ فالضعف جزء من الحالة الإنسانية. وربما كان اعتراف الإنسان بضعفه واحدًا من أهم شروط تجاوزه. وإنما تكمن المفارقة في أن الإنسان يستطيع أن يجمع، في اللحظة نفسها، بين وعي حاد بضعف الآخرين وعمى مدهش عن ضعفه هو. فيرى تناقضاتهم ولا يرى تناقضاته. ويسخر من أوهامهم ولا ينتبه إلى أوهامه. ويستنكر حبهم للظهور ولا يرى حاجته إلى أن يُرى. ويتعجب من حساسيتهم للنقد ثم يغضب إذا وُجّه إليه النقد. ويستنكر اجتماعهم على ذم الناس، ثم لا يكاد يجلس في مجلس حتى يجد لنفسه مبررًا أخلاقيًا للمشاركة في الحديث عن هذا وذاك!
ولعل هذه الأخيرة من أكثر الصور طرافة وكشفًا. فكم من إنسان يرى نفسه مترفعًا عن «سفاسف الأمور»، ثم تمضي الساعات وهو يخوض فيها! وكم من إنسان يصف الآخرين بأنهم سطحيون، ثم يجد لذة خفية في مجلس يُشرح فيه فلان، وتُحلل فيه نيات فلانة، وتُروى فيه أخبار هذا، ويُسخر فيه من ذاك! ولو سألته عن نفسه لقال إنه يكره الغيبة والنميمة والتدخل في شؤون الآخرين. ولكنه إذا جلس في مجلس يمارس فيه ذلك كله أعاد تعريف ما يفعله بطريقة تحمي صورته عن نفسه: فهو لا يغتاب، وإنما «يناقش شخصية»! ولا يتدخل، وإنما «يحاول أن يفهم»! ولا يشمت، وإنما «يستخلص العبرة»! ولا يصدر الأحكام، وإنما «يقول الحقيقة كما هي»!
وهنا تكمن إحدى أكثر قدرات العقل الإنساني إثارة للدهشة ألا وهي قدرته على تغيير أسماء أفعاله لكي تظل صورته عن نفسه ثابتة! فالفعل نفسه الذي نصفه بالقسوة حين يصدر عن غيرنا قد يصبح «حزمًا» حين يصدر عنا. والبخل الذي نراه في الآخر قد يصبح «حسن تدبير» لدينا. والعناد يتحول إلى «ثبات على المبدأ»، والغرور إلى «ثقة بالنفس»، وحب الظهور إلى «إثبات للذات»، والغيرة إلى «حرص»، والعدوان إلى “دفاع مشروع عن عزة النفس”. وكأن اللغة نفسها تُستدعى لكي تعمل محاميًا عن الـ “أنا”. والأشد إثارة أن هذا الوهم بالاستثناء ليس استثناءً هو الآخر! فالذي يعتقد أنه مختلف عن الناس يشترك معهم، في كثير من الأحيان، في اعتقادهم أنهم مختلفون عن الناس! والذي يرى نفسه أكثر وعيًا من الجماعة قد يكون واحدًا من ملايين الأشخاص الذين يرون أنفسهم أكثر وعيًا من الجماعة. والذي يقول: «أنا لا أفكر مثل الآخرين» قد لا يدرك أن عبارة كهذه ربما تكون واحدة من أكثر العبارات التي يفكر بها الآخرون أيضًا!
ومن هنا تنقلب المفارقة على نفسها. فنحن نتشابه حتى في الطريقة التي نتوهم بها اختلافنا.
ولعل الإنسان لو استطاع يومًا أن يدخل إلى الرؤوس التي تمر بجواره في الشارع لذهل من عدد «الاستثناءات» التي تسير حوله! هذا يرى نفسه أذكى من محيطه، وذاك أعمق منهم، وثالث أكثر أخلاقًا، ورابع أكثر صدقًا، وخامس أقل قابلية للخداع، وسادس أكثر استقلالًا عن رأي الجماعة. وكل واحد منهم يحمل رواية داخلية تجعل حياته ذات خصوصية لا يمكن للآخرين فهمها تمامًا، وتجعل أخطاءه قابلة للتفسير، ونقاط ضعفه مفهومة، وإخفاقاته مرتبطة بالظروف، بينما تبدو أخطاء الآخرين أكثر بساطة: لقد أخطأوا لأن فيهم خللًا ما.
فالإنسان يعرف عن نفسه القصة، بينما يعرف عن الآخر الفعل. فيعرف لماذا غضب هو، ولكنه لا يرى إلا غضب الآخر. ويعرف الظروف التي دفعته إلى الفشل، ولكنه لا يرى إلا فشل الآخر. ويعرف الجروح التي جعلته قاسيًا، ولكنه لا يرى إلا قسوة الآخر. ويعرف حسن نيته خلف كلماته السيئة، ولكنه لا يسمع من الآخر إلا كلماته السيئة.
وهكذا تصبح المقارنة منذ البداية غير عادلة: نحن نقارن باطننا بظاهر الآخرين، ثم نستغرب أن نخرج من المقارنة منتصرين!
وربما كان المعيار الحقيقي للتمايز الإنساني يبدأ تحديدًا من هنا.
فليس السؤال: ما مقدار ما أعتقد أنني أختلف به عن الآخرين؟ بل: ما الذي فعلته فعلًا لكي أختلف؟ ليس ما المبادئ التي أؤمن بها، وإنما كم دفعت من ثمن في سبيلها؟ وليس كم أتكلم عن الأخلاق، وإنما كيف أتصرف عندما يصبح الالتزام بها مكلفًا؟ وليس كم أحتقر مجالس النميمة، وإنما هل أصمت حين يبدأ الناس بذم غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟ وليس كم أحلم بمشروع عظيم، وإنما ماذا أنجزت منه؟ وليس ما الصورة التي أحملها عن نفسي، وإنما ما الأثر الذي تركته أفعالي حين اصطدمت هذه الصورة بمقاومة الواقع؟
فهنا فقط ينتقل الإنسان من التميز المتخيَّل إلى التميز المتحقق.
والمفارقة أن الاعتراف بالتشابه مع الآخرين قد يكون الخطوة الأولى نحو الاختلاف الحقيقي عنهم! فأن أقول لنفسي: أنا لست استثناءً من الضعف الإنساني؛ يمكنني أن أحسد، وأغار، وأخاف، وأتملق، وأتكبر، وأظلم، وأخدع نفسي، وأشارك في سفاسف الأمور التي أزعم احتقارها؛ ليس إهانة للذات، بل ربما يكون بداية تحريرها من أجمل أوهامها وأخطرها: وهم الإنسان عن الإنسان الذي يظن أنه هو. فالإنسان الذي يتوهم أنه بلغ الفضيلة لا يجد سببًا لكي يسعى إليها. والذي يعتقد أنه متواضع لا يراقب غروره. والذي يعتقد أنه مستقل عن الجماعة لا ينتبه إلى اللحظة التي تسوقه فيها الجماعة معها. والذي يرى نفسه مختلفًا بطبيعته لا يشعر بحاجة إلى أن يصنع اختلافه بفعله.
أما من أدرك أنه يحمل في داخله المادة الإنسانية نفسها التي يحملها الآخرون، بكل ضعفها وتناقضها وقابليتها للسقوط، فقد يكون أقدر على أن يبدأ العمل الشاق الذي لا تقوم به المخيلة نيابة عنه: أن يصنع من نفسه، بالفعل، الإنسان الذي ظل طويلًا يتخيل أنه هو.
ولعل هذه هي الخلاصة الأكثر إيلامًا في المفارقة كلها: إن معظمنا يريد أن يكون استثناءً، ومعظمنا يعتقد، سرًا أو علنًا، أنه استثناء، ولكن الاستثناء الحقيقي لا يصنعه اعتقاد الإنسان بأنه مختلف عن الآخرين! بل يصنعه ما يفعله حين تتاح له فرصة أن يكون مثلهم… فيختار ألا يكون.
