ليس للإنسان إلا سعيه… نحو مقاربة لا تبخس قدر الإنسان ولا تعظّمه

بعد مئات المقالات التي حاولنا فيها الاقتراب من الظاهرة التي يمثلها الإنسان، وتتبع مفرداتها في أكثر تجلياتها تنوعًا وتباعدًا، ربما يكون من المشروع أن نتوقف قليلًا لنسأل: إلى أين يقودنا كل هذا الانشغال بالإنسان؟ وما الذي أردنا، في حقيقة الأمر، أن نعرفه حين أخذنا نفكك تناقضاته، ونرصد مفارقاته، ونلاحق أوهامه، ونقارن سلوكه بما نجده لدى غيره من الكائنات؟
لم يكن المقصود أن نجمع قائمة أطول بعيوب الإنسان. ولم يكن الهدف، في المقابل، أن نبحث له عن فضائل جديدة نضيفها إلى السردية القديمة التي جعلته استثناء الوجود ومركزه وغايته! كان السؤال أعمق من ذلك كله: ما الإنسان، حين نحاول أن ننظر إليه كما هو، لا كما يحب أن يرى نفسه؟
ولعل أكثر ما تكشفه هذه الرحلة الطويلة هو أننا قد نكون بحاجة إلى إعادة النظر في واحدة من أكثر المسلمات رسوخًا في تصورنا عن الإنسان، ألا وهي مسلمة التعظيم.
فاللافت أن كثيرًا من السرديات التي اختلفت في كل شيء تقريبًا قد التقت عند هذه النقطة! فبعض القراءات العلمية رأت في الإنسان ذروةً لمسار تطوري طويل بسبب قدراته الرمزية واللغوية والتقنية؛ وبعض القراءات الدينية والثقافية جعلت منه كائنًا ذا منزلة مخصوصة ومسؤولية مخصوصة. ورغم الاختلاف الجذري بين المنطلقات، انتهت قراءات كثيرة، بطرق مختلفة، إلى صورة يتصدر فيها الإنسان المشهد. ولكن ماذا لو كان السؤال نفسه قد صيغ بطريقة مضللة؟ وماذا لو لم تكن مهمتنا أن نثبت عظمة الإنسان أو ضآلته، وإنما أن نفهم حالته؟ فالإنسان، حين ننظر إليه من خلال سلوكه لا من خلال الأوصاف التي منحها لنفسه، يبدو كائنًا أكثر التباسًا بكثير. فهو الكائن الذي يعرف أكثر مما عرف أي حيوان آخر، ولكنه يستطيع أن يوظف معرفته في إنتاج أخطار لم يعرفها أي حيوان آخر! وهو الكائن الذي طور اللغة حتى استطاع أن يعبّر عن أدق مشاعره، ثم استخدم اللغة نفسها للكذب والخداع والتحريض والإقصاء! وهو الكائن الذي ابتكر الأخلاق، ثم احتاج إلى أن يكتب آلاف الكتب لكي يقنع نفسه بألا يفعل بالآخرين ما لا يريدهم أن يفعلوه به! وهو الكائن الذي بنى المدن والدول والمؤسسات والقوانين، ثم ظل يعاني داخلها من الوحدة والاغتراب والخوف والحسد والكراهية والصراع! وهو الكائن الذي يستطيع أن يتأمل الكون، ثم يعجز، في أحيان كثيرة، عن احتمال كلمة تخالف الصورة التي رسمها عن نفسه! وهو الكائن الذي يستطيع أن يدرك موته قبل وقوعه بسنوات وعقود، ولكنه لا يعرف كيف يتقبل هذه المعرفة!
وهنا تبدأ المفارقة. فما نعدّه دليلًا على تفوق الإنسان قد يكون، في بعض الأحيان، جزءًا من أزمته نفسها. فاتساع قدرته على التمثّل أتاح له أن يتصور ما ليس حاضرًا، وأن يعيد بناء الماضي، وأن يتخيل المستقبل، وأن يصنع الفرضيات والأساطير والنظريات والمشروعات؛ لكنه أتاح له أيضًا أن يعيش داخل عوالم من صنع تمثلاته، وأن يخاف مما لم يحدث، ويحزن على ما انتهى، ويتصارع مع صور ذهنية، ويقسم البشر إلى «نحن» و«هم»، ثم يتعامل مع هذه التقسيمات كما لو أنها كانت حدودًا رسمتها الطبيعة نفسها. وقدرته التقنية مكّنته من تعديل بيئته على نطاق لم يسبق له مثيل؛ لكنها جعلته كذلك قادرًا على الإضرار بهذه البيئة على النطاق نفسه! وقدرتُه على الوعي بذاته منحته إمكانية مراجعة نفسه؛ لكنها منحته أيضًا إمكانية تضخيمها.
وهكذا يصبح من الصعب أن نضع الإنسان ببساطة في خانة «الكائن المتفوق»، مثلما سيكون من الخطأ المقابل أن نضعه في خانة “الكائن الفاشل”! فنحن، في الحالتين، نصدر حكمًا قبل أن نفهم الظاهرة.
ولعل المقارنة بالحيوان تساعدنا هنا، لا لكي نحط من الإنسان بإعادته إلى الحيوان، ولا لكي نرفع الحيوان إلى مرتبة الإنسان، وإنما لكي ندرك أن الاختلاف لا يعني بالضرورة التفاضل! فما يمكن أن نسميه، على سبيل الاختصار، «ظاهرة الحيوان» يبدو في كثير من وجوهه أكثر اندماجًا في منظومات الطبيعة المباشرة. فالحيوان يجوع فيبحث عن الطعام، ويتهدد فيفر أو يقاتل، ويتكاثر، ويتنافس، ويتعاون، ويبني أشكالًا متفاوتة من التنظيم الاجتماعي. وقد تكون حياته قاسية إلى أقصى الحدود، لكن قسوتها تظل، في معظمها، مرتبطة مباشرة بشروط البقاء والتناسل والبيئة. أما الإنسان فلقد أضاف إلى هذه الشروط عالماً آخر كاملًا هو عالم المعنى والرمز والهوية والمكانة والتاريخ والتوقع والخيال. ولذلك لا يتألم الإنسان مما يحدث له فحسب، بل مما يعتقد أن ما حدث له يعنيه. ولا ينافس على المورد وحده، بل على المكانة. ولا يدافع عن جسده وحده، بل عن اسمه وسمعته ورموزه وعقيدته وصورته عن ذاته. ولا يخشى الموت وحده، بل يخشى أن يُنسى بعد الموت. ولا يريد أن يكون موجودًا فحسب، بل يريد لوجوده أن يكون ذا معنى. وهنا تحديدًا تبدأ الظاهرة الإنسانية في التمايز. لكن هذا التمايز لا يمنحنا، في ذاته، الحق في وصفها بأنها أرقى. فالزيادة في التعقيد ليست مرادفًا للزيادة في الكمال. وقد تكون الخاصية التي تمنح الكائن إمكانات استثنائية هي نفسها التي تمنحه إمكانات استثنائية للشقاء.
ومن هنا تصبح الحاجة ملحة إلى مقاربة ثالثة للإنسان؛ مقاربة لا تقوم على تمجيده، ولا على تحقيره. فبخس الإنسان لا يقل خطأً عن تفخيمه، لأن كليهما ينطلق من الرغبة في إصدار حكم كلي عليه بدل محاولة فهمه. فهو، في نهاية المطاف، ليس ملاكًا سقط، ولا حيوانًا فشل في أن يبقى حيوانًا، ولا بطلًا تطوريًا وصل إلى قمة سلم الوجود، وإنما هو ظاهرة مخصوصة، شديدة التعقيد، تحمل داخلها إمكانات متعارضة بصورة لافتة: القدرة على الرحمة والقسوة، والبناء والهدم، والمعرفة والوهم، والتعاون والعدوان، والتواضع والتعالي، والحب والكراهية.
وإذا كانت لمئات المفارقات التي رصدناها أن تقول شيئًا مشتركًا، فلعلها تقول إن مشكلة الإنسان ليست أنه يخلو من الإمكانات، وإنما أن هذه الإمكانات لا تحمل معها ضمانة لكيفية استخدامها. فالعقل لا يضمن الحكمة. والمعرفة لا تضمن الرشد. والذكاء لا يضمن الأخلاق. والتقدم التقني لا يضمن التقدم الإنساني. والوعي بالذات لا يضمن معرفتها. وهنا ربما يكمن واحد من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الإنسان والذي يتمثل في تحويله القدرة إلى فضيلة. فنحن نمتلك اللغة، ولكن امتلاك اللغة ليس فضيلة، فما نفعله بها هو الذي يمكن أن يكون كذلك. ونمتلك العقل، ولكن العقل في ذاته ليس شهادة صلاح، فقد يستخدمه صاحبه لإنقاذ إنسان أو لإتقان وسيلة إيذائه. ونمتلك الخيال، ولكنه يستطيع أن ينتج قصيدة مثلما يستطيع أن ينتج كراهية متخيلة ضد جماعة لم نلتق أحدًا من أفرادها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على الإنسان هو ليس: ماذا تملك؟ بل: ماذا تفعل بما تملك؟
ولعل هذا يقودنا إلى تصور مختلف جذريًا للإنسان فحواه ألا نتعامل معه باعتباره نتيجة مكتملة ينبغي الاحتفاء بها، وإنما باعتباره مشروعًا مفتوحًا على كافة الاحتمالات؛ فهو ليس عظيمًا لمجرد أنه إنسان، وليس وضيعًا لمجرد أن تاريخه ممتلئ بالفظائع؛ فهو كائن يستطيع أن يرى شيئًا من حاله، وأن يدرك بعض مواطن ضعفه، وأن يحاول العمل عليها. وهذه الـ «يحاول» ربما تكون أهم كلمة في القضية كلها، وذلك لأن الإنسان لا يختار البنية البيولوجية، ولا الحقبة، التي يولد فيها، ولا معظم الشروط الأولى التي تشكل وعيه، وهو لا يستطيع أن يمحو ملايين السنين من ميراثه التطوري، ولا أن يتخلص بإرادة لحظية من دوافعه ومخاوفه وانحيازاته، ولكنه يستطيع، بدرجات متفاوتة، أن يعمل على نفسه. ويستطيع أن يعرف أن انحيازًا ما يسكنه، فيحاول مقاومته. ويستطيع أن يدرك أن غضبه يدفعه إلى الظلم، فيتعلم كبحه. ويستطيع أن يلاحظ أن حاجته إلى الانتماء تدفعه إلى بخس قدر الآخر المختلف، فيراجع حدود “نحن” و “هم”. ويستطيع أن يرى أن تمثلاته ليست الواقع ذاته، فيصبح أقل يقينًا وأكثر استعدادًا للمراجعة. ويستطيع أن يدرك أن ذكاءه لا يجعله حكيمًا، وأن معرفته لا تجعله عليمًا، وأن قدرته لا تمنحه الحق. وهكذا لا تعود قيمة الإنسان كامنة في افتراض كماله، وإنما في إمكان مجاهدته لنقصه.
ولعل أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الإنسان لنفسه هي الكف عن إخبارها بأنه عظيم، ليس لكي يستبدل بها عبارة «أنت حقير»، فهذه ليست إلا الصورة المقلوبة للوهم نفسه، وإنما أن ينظر إليها دون حكم مسبق، وذلك بأن يقول: أنا كائن له تاريخ طبيعي، وله جسم له حاجاته، وله دماغ له حدوده وانحيازاته، وله وعي يستطيع أن يضل مثلما يستطيع أن يهتدي، وله خيال يمكن أن يحرره ويمكن أن يقيده، وله قدرة على المعرفة، لكنها محدودة، وله قدرة على الفعل، ولذلك تترتب على أفعاله مسؤولية. عندئذ قد يبدأ للمرة الأولى في التعامل مع نفسه لا باعتباره تاجًا على رأس الطبيعة، ولا خطأً ينبغي للطبيعة أن تعتذر عنه، وإنما باعتباره مسألةً ينبغي العمل عليها.
وهنا نصل إلى أخطر ما في المسألة. فالعمل على الارتقاء بالحالة الإنسانية ليس ترفًا أخلاقيًا، وإنما هو ضرورة وجودية، وذلك لأن الإنسان المعاصر يمتلك من القدرة على تغيير العالم، وفي الوقت ذاته لا توجد أية ضمانة موازية بأن نضجه النفسي والأخلاقي قد ازداد بالمقدار نفسه. وهذا الاختلال بين اتساع القدرة ومحدودية الرشد قد يكون واحدًا من أخطر معالم عصرنا. فلقد أصبح الإنسان قادرًا على فعل أشياء لم يكن أسلافه قادرين حتى على تخيلها، ولكن الأسئلة القديمة ما تزال تسكنه: الخوف، والعدوان، والحسد، والتعصب، والرغبة في السيطرة، والبحث عن التفوق، وتقسيم العالم إلى “نحن” و “هم”. وكلما ازدادت الأدوات قوة، أصبحت عيوب مستخدمها أكثر خطورة. فالعدوان الذي كان يستطيع يومًا أن يؤذي فردًا أصبح قادرًا على تدمير مدينة. والوهم الذي كان يبقى حبيس عقل صاحبه يستطيع اليوم أن ينتشر إلى ملايين البشر. والكراهية التي كانت تحتاج سنوات لكي تعبر القارات تستطيع أن تفعل ذلك في ثوانٍ. ولهذا فإن دعوتنا إلى إعادة النظر في الإنسان ليست دعوة فلسفية مجردة، وإنما هي محاولة لفهم شرط من شروط بقائه.
وبعد هذه الرحلة الطويلة في مفارقات الإنسان، قد نكتشف أن السؤال لم يكن يومًا: هل الإنسان عظيم أم بائس؟ فهذا سؤال يبحث عن حكم، بينما نحن بحاجة إلى فهم. والأقرب إلى الحقيقة أن الإنسان يحمل أسباب بؤسه، وإمكانات تجاوز هذا البؤس، في البنية نفسها. فهو يتألم لأنه يعي، ولكنه يستطيع بالوعي نفسه أن يفهم ألمه. ويضل لأنه يتمثل، ولكنه يستطيع بالقدرة نفسها أن يراجع تمثلاته. ويتعصب لأنه يصنع الهويات، ولكنه يستطيع أن يدرك أنه هو الذي صنع كثيرًا من حدودها. ويؤذي لأنه يمتلك القدرة، ولكنه يستطيع أن يجعل من قدرته مسؤولية. ولذلك فإن ما يبقى للإنسان في النهاية ليس شهادة تفوق يمنحها لنفسه، ولا وعدًا بأن التاريخ سيتكفل تلقائيًا بتحسينه. فليس للإنسان ضمان بأن الغد سيكون أفضل. وليس له ما يثبت أن ازدياد معرفته سيجعله أكثر حكمة، أو أن ازدياد قوته سيجعله أكثر رحمة. وليس له، في حقيقة الأمر، إلا سعيه؛ سعيه لأن يعرف نفسه قبل أن يعظمها، ولأن يرى ضعفه من غير أن يحتقر نفسه، ولأن يستخدم ما لديه من معرفة في تقليل مقدار الشقاء الذي ينتجه لنفسه ولغيره، ولأن يجعل من وعيه أداة للمراجعة بدل أن يجعله آلة لتبرير الذات، ولأن يكون غده أقل سوءًا من يومه، إن لم يستطع أن يجعله أفضل بكثير.
ولعل هذا هو الموقف الأكثر إنصافًا للإنسان: ألا نبخسه، وألا نفخمه، ولا أن نطالبه بأن يكون ملاكًا، ولا نعفيه بحجة أنه حيوان.
وألا نقيس قيمته بما يزعمه عن نفسه، وإنما بما يبذله في مواجهة ما يكتشفه فيها.
فالإنسان الذي تكشف مفارقاته عن عظيم بؤسه وواسع شقائه لا يحتاج إلى مزيد من المديح بقدر حاجته إلى مزيد من الفهم، وهو لا يحتاج أن نقنعه بأنه بلغ القمة، بل يحتاج إلى أن يدرك أن حاله الراهنة ليست قَدَرًا ينبغي الاستسلام له. وأنه إذا كان لا يملك ضمانةً للنجاة من نفسه، فإنه يملك شيئًا واحدًا يستطيع أن يبدأ منه وهو أن يسعى، وأن يظل يسعى. لأن الإنسان، في نهاية المطاف، قد لا يكون ما أنجزه التطور، ولا ما تزعم الفلسفات أنه قد أنجزه، ولا الصورة التي رسمها هو لنفسه عبر آلاف السنين؛ فقد يكون، ببساطة، ما يحاول ألّا يبقى عليه.

أضف تعليق