أما آن الأوان لأمريكا أن تكفّ عن مطالبة أوروبا بدفع ثمن تحريرها لها من النازية؟

ثمة عبارات تاريخية تتكرر طويلًا حتى تكاد تتحول، بفعل التكرار، من توصيف لأحداث وقعت فعلًا إلى تفسير وحيد لها. ولعل عبارة «أمريكا حررت أوروبا من النازية» واحدة من أبرز هذه العبارات. فهي صحيحة من وجه، لكنها تصبح بحاجة إلى قدر كبير من التدقيق حين تنتقل من وصف النتيجة إلى تفسير الدافع، ومن تسجيل واقعة تاريخية إلى إنشاء “دَين سياسي” يُفترض أن يبقى مستحقًا بعد أكثر من ثمانية عقود!
فلا خلاف في أن الولايات المتحدة أدت دورًا عسكريًا واقتصاديًا لا يُنكر في هزيمة ألمانيا النازية، ولا في أن مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين قاتلوا في المسرح الأوروبي، وأن عشرات الآلاف منهم دفعوا حياتهم ثمنًا لذلك. كما لا خلاف في أن إنزال نورماندي والحملة التي أعقبته أسهما إسهامًا حاسمًا، إلى جانب المجهود البريطاني والسوفييتي وغيره من مجهودات الحلفاء، في إنهاء الاحتلال الألماني لأجزاء واسعة من أوروبا الغربية.
لكن السؤال المختلف تمامًا هو: هل دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ابتداءً من أجل تحرير أوروبا؟
هنا ينبغي أن نعود من الذاكرة السياسية إلى التسلسل التاريخي نفسه. فالولايات المتحدة دخلت الحرب رسميًا بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941، وأعلن الكونغرس الحرب على إمبراطورية اليابان في اليوم التالي. ولم تكن الولايات المتحدة يومها في حالة حرب رسمية مع ألمانيا وإيطاليا؛ ففي الحادي عشر من ديسمبر أعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب عليها، فردت الولايات المتحدة بإعلان الحرب عليهما.
غير أن هذه الحقيقة لا تعني أن الحرب الأمريكية تحولت بعد ذلك إلى حرب ثانوية ضد ألمانيا. فالعكس هو الأقرب إلى الوثائق الاستراتيجية للحلفاء. إذ سرعان ما استقرت القيادة الأمريكية والبريطانية على مبدأ استراتيجي بالغ الوضوح: ألمانيا أولًا. فقد اعتُبرت ألمانيا القوة المهيمنة داخل المحور، والمسرح الأوروبي-الأطلسي هو المسرح الحاسم، وأصبحت هزيمتها مفتاح الانتصار النهائي على منظومة المحور كلها.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق الذي كثيرًا ما تضيّعه اللغة السياسية بين الهدف العسكري والنتيجة السياسية والأخلاقية.
فحين يكلَّف جيش باختراق أوروبا الغربية والوصول إلى قلب ألمانيا وتدمير قواتها المسلحة، يصبح إخراج القوات الألمانية من فرنسا وبلجيكا وهولندا وغيرها ضرورة عملياتية في الطريق إلى ذلك الهدف. ولا يستطيع جيش أن يهزم الرايخ الثالث في برلين بينما يترك البنية العسكرية الألمانية المنتشرة في أوروبا الغربية سليمة خلف خطوطه!
وهذا ما تكشفه اللغة العسكرية للحملة الأوروبية بوضوح لافت. فالمهمة التي حُددت للقوات المتحالفة بقيادة دوايت أيزنهاور كانت الدخول إلى القارة الأوروبية وتنفيذ عمليات موجهة إلى قلب ألمانيا وتدمير قواتها المسلحة. بل إن التأريخ العسكري الرسمي الأمريكي نفسه يوضح أن الغاية الأساسية كانت تدمير الجيش النظامي الألماني الـ (Wehrmacht)، في حين كانت الأهداف الجغرافية المحددة أهدافًا ثانوية بالنسبة إلى هذه الغاية.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة «تحرير أوروبا» من زاويتين مختلفتين لا تتعارضان بالضرورة. فمن زاوية الشعوب الفرنسية والبلجيكية والهولندية وغيرها التي خرجت من الاحتلال النازي، كان ما حدث تحريرًا حقيقيًا بكل معنى الكلمة. فالاحتلال انتهى، والجيوش الألمانية انسحبت أو هُزمت، وعادت الحكومات الوطنية، واستعادت المجتمعات قدرًا كبيرًا من سيادتها.
أما من زاوية التخطيط العسكري الاستراتيجي، فلم يكن تحرير كل قرية فرنسية أو بلجيكية غاية مستقلة عن الحرب على ألمانيا، وإنما كان جزءًا من عملية أوسع غايتها هزيمة القوة العسكرية والسياسية التي كانت تسيطر على تلك الأراضي.
وبهذا المعنى يمكن وصف تحرير أوروبا بأنه مكسب ملازم للانتصار الاستراتيجي، أو ما يمكن تسميته collateral strategic benefit، مع الانتباه إلى أن كلمة collateral هنا لا تعني أن التحرير كان تافهًا أو غير مهم، بل تعني فقط التمييز بين الغاية المباشرة للعملية العسكرية والنتائج التاريخية الكبرى المترتبة عليها. وهذا التمييز مهم؛ لأن المشكلة تبدأ عندما تنتقل عبارة «حررنا أوروبا» من التاريخ إلى السياسة، ومن الذاكرة إلى دفتر الحسابات. فالتضحية العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى “سند دَيْن” أبدي! والجندي الذي سقط على “شاطئ أوماها” لم يكتب شيكًا سياسيًا مفتوحًا على بياض تستطيع الأجيال اللاحقة من السياسيين الأمريكيين تقديمه إلى الأجيال اللاحقة من الأوروبيين كلما نشأ خلاف حول الإنفاق الدفاعي أو التجارة أو السياسة الخارجية! وتكريم ذلك الجندي لا يكون بتحويل تضحيته إلى رأسمال سياسي قابل للاستثمار إلى ما لا نهاية، بل بفهم الظروف التي قاتل فيها، والغاية العسكرية التي كُلّف بها، والعالم الذي ساهم مع ملايين غيره من جنود الحلفاء في إنقاذه من النازية. بل إن اختزال هزيمة النازية نفسها في سردية «أمريكا أنقذت أوروبا» يظلم التاريخ من جهة أخرى؛ لأنه يحجب الطبيعة الجماعية للنصر. فقد قاتلت بريطانيا منذ عام 1939، وتحملت شعوب أوروبية الاحتلال والمقاومة، ودفع الاتحاد السوفييتي ثمنًا بشريًا هائلًا على الجبهة الشرقية، وأسهمت قوات من كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبولندا وفرنسا ودول أخرى في الحرب. والنصر الذي تحقق سنة 1945 لم يكن ملكية حصرية لدولة واحدة حتى تتحول ذاكرته إلى رصيد سياسي حصري لها!
ثم إن الولايات المتحدة نفسها لم تخفِ، في وثائقها الاستراتيجية، الطبيعة الصارمة للحساب العسكري. فالوثائق الأمريكية-البريطانية في نهاية 1941 تحدثت عن ألمانيا بوصفها «العدو الرئيسي»، وعن هزيمتها بوصفها مفتاح النصر. وهذه ليست لغة حملة خيرية عابرة للأطلسي، وإنما لغة دولة كبرى وجدت نفسها في حرب عالمية وأعادت ترتيب مواردها وقواتها وفق تقديرها لما يمثله أخطر خصومها.
وهذا لا ينتقص شيئًا من القيمة الأخلاقية لما ترتب على ذلك. فقد يحدث في التاريخ أن تتطابق المصلحة الاستراتيجية مع نتيجة أخلاقية عظيمة. وليس علينا أن نختار بين القول إن الولايات المتحدة قاتلت لتحقيق أهدافها الاستراتيجية وبين القول إن ملايين الأوروبيين تحرروا بفضل انتصار الحلفاء. فكلا الأمرين يمكن أن يكون صحيحًا في الوقت نفسه. ولكن المشكلة تبدأ فقط عندما نخلط بينهما فنستنتج من النتيجة دافعًا وحيدًا، ثم نستخرج من ذلك الدافع المفترض التزامًا سياسيًا دائمًا!
ولعل هذا هو ما ينبغي أن تعيه النخب السياسية على ضفتي الأطلسي اليوم. فالعلاقة الأمريكية-الأوروبية لا تحتاج إلى محو ذاكرة الحرب العالمية الثانية، ولا إلى التقليل من الامتنان المستحق لمن قاتلوا النازية، وإنما تحتاج إلى تحرير هذه الذاكرة نفسها من الاستخدام السياسي. فأوروبا القرن الحادي والعشرين ليست أوروبا المحتلة سنة 1944، والولايات المتحدة المعاصرة ليست جيش أيزنهاور المتقدم نحو عاصمة الرايخ. والتحالفات بين الدول لا ينبغي أن تقوم على وراثة الديون الأخلاقية عبر الأجيال، وإنما على المصالح والقيم والتهديدات والمسؤوليات المشتركة في اللحظة التاريخية التي تعيشها هذه الدول!
ولذلك ربما آن الأوان لأن نتوقف عن طرح السؤال بهذه الصيغة: كم لا تزال أوروبا مدينة لأمريكا لأنها حررتها؟ ولنطرح بدلًا منه سؤالًا أكثر دقة مفاده: ما الذي تدين به أوروبا وأمريكا معًا لأولئك الذين قاتلوا النازية؟
عندئذ قد تتغير الإجابة جذريًا. فالدين الحقيقي ليس دينًا أمريكيًا على أوروبا، ولا أوروبيًا لأمريكا، وإنما هو دين الأجيال التي ورثت عالم ما بعد الحرب تجاه أولئك الذين دفعوا ثمن إنهاء أكثر حروب التاريخ تدميرًا.
أما تحويل دمائهم إلى رصيد سياسي يُسحب منه كلما اختلفت واشنطن وبروكسل حول فاتورة الدفاع أو مستقبل التحالف الأطلسي، فربما يكون أقل الطرق وفاءً لتضحياتهم. لأن الجندي الذي مات في نورماندي يستحق أن نتذكر لماذا قاتل وكيف مات، لكنه لا ينبغي أن يتحول، بعد ثمانين عامًا، إلى فاتورة تُرسل إلى أحفاد الذين حررهم!

أضف تعليق