
ثمة وهم إنساني شديد الطرافة، وربما شديد العمق أيضًا، لا يحتاج المرء إلى مختبر كي يرصده، لأنه يتكرر في داخل كل واحد منا تقريبًا مفاده أن تخطر لنا فكرة فنشعر، ولو للحظة، أننا اقتربنا من منطقة لم يسبقنا إليها أحد؛ وأن نسأل سؤالًا فنندهش من جرأته، كأن تاريخ العقل البشري كان ينتظر وصولنا كي يُطرح هذا السؤال أخيرًا؛ وأن نعثر على حل لمشكلة فنكاد نرى فيه إسهامًا عبقريًا كان يمكن، لو أُتيح له أن ينتشر، أن يغير شيئًا من مسار العالم! ثم نكتشف، أحيانًا بالمصادفة، أن أحدهم قال الفكرة نفسها قبل مئة عام، وأن آخر ناقش السؤال قبل ألف عام، وأن الحل الذي حسبناه فتحًا شخصيًا خطر، بصيغ مختلفة، ببال أناس كثيرين قبل أن نولد أصلًا!
وهنا تظهر واحدة من أطرف مفارقات الإنسان الوجودية، والتي فحواها أنه يعرف أنه واحد من مليارات البشر، لكنه يفكر أحيانًا كما لو كان “أول إنسان”! فحين تخطر ببال أحدنا فكرة تبدو له غير مألوفة، لا يكون أول احتمالاته عادةً أن آلافًا أو ملايين من البشر ربما خطرت لهم الفكرة ذاتها. بل قد يشعر بشيء من الزهو الداخلي يجعله يسأل سؤالاً مفاده كيف لم ينتبه الناس إلى هذا من قبل؟ وكيف أغفل المفكرون هذه الزاوية؟ وكيف لم يُطرح هذا السؤال بهذه البساطة؟
وقد لا يحتاج الأمر إلى أكثر من بحث قصير حتى يكتشف أن السؤال الذي ظنه ابن لحظته الخاصة قد شغل فلاسفة ومفكرين وعلماء وأناسًا عاديين عبر أجيال متعاقبة، وأن بعضهم لم يكتفِ بطرحه، بل كتب فيه كتبًا كاملة!
وليس الأمر مقتصرًا على الأفكار الكبرى. فقد نعثر في مكتبة أَثيرة إلى قلوبنا على كتاب قديم مهمل في أحد الأركان، فنشعر بلذة المكتشف الذي عثر على كنز غفل عنه الجميع. نسحب الكتاب، ننفض عنه الغبار، نقلب صفحاته، ونشعر بعلاقة شخصية غريبة تنشأ بيننا وبينه. لكنه كان هناك قبل أن ندخل المكتبة! وقرأه آخرون قبل أن نولد، وربما جلس شخص قبل ثلاثين عامًا في المكان نفسه، وأمسك النسخة نفسها، وقرأ العبارة نفسها، وشعر بالدهشة نفسها التي نشعر بها الآن! ومع ذلك فإن وعينا لا يعيش التجربة بهذه الصورة. فهو يقول لنا، بطريقة ضمنية: أنا وجدته. وكأن العثور الشخصي على الشيء يمنحه، في وعينا، ميلادًا جديدًا.
ولعل الأمر يصبح أكثر طرافة حين يتعلق بالبشر أنفسهم؛ إذ يلتقي رجل بامرأة، فيكتشف فيها شيئًا يراه استثنائيًا: طريقة تفكيرها، أو ضحكتها، أو ذكاءها، أو حضورها، أو غرابة شخصيتها، أو ذلك المزيج الذي يصعب عليه أن يصفه ولكنه يجعله مقتنعًا بأنها «مختلفة عن جميع النساء». وبعد مدة قد يتسلل إليه شعور خفي بأنه أول من اكتشف هذا التميز؛ كأن هذه الصفات ظلت مختبئة تنتظر مجيئه كي يراها. ولكن ما الذي يجعلنا نستبعد أن رجالًا آخرين سبقوه إلى الشعور نفسه؟ وأن أحدهم قال لها قبل سنوات الجملة نفسها تقريبًا: «أنت مختلفة عن كل من عرفت»؟ وأن آخر ربما اعتقد، باليقين ذاته، أنه الوحيد الذي استطاع أن يرى حقيقتها التي لم يرها الآخرون؟
المفارقة ليست في أن المرأة متميزة أو غير متميزة، ولا في أن الرجل صادق أو واهم في إعجابه بها، وإنما في شيء أعمق: في سهولة انتقال الإنسان من “أنا اكتشفت هذا” إلى “أنا أول من اكتشف هذا”!
والمسافة بين العبارتين هائلة. فالتجربة الجديدة بالنسبة إليّ ليست بالضرورة جديدة بالنسبة إلى العالم. وهذه قاعدة تبدو بديهية حين نصوغها بالكلمات، لكنها تصبح أقل بداهة بكثير حين نعيشها!
فالإنسان محكوم، بحكم بنيته الإدراكية، بأن يرى الوجود من نافذة واحدة هي ذاته. فكل شيء يبدأ بالنسبة إليه عندما يدخل مجال وعيه. فالكتاب يبدأ حين يقرأه، والمكان يبدأ حين يزوره، والسؤال يبدأ حين يخطر له، والفكرة تبدأ حين تتشكل في ذهنه، والإنسان الآخر يبدأ، بمعنى ما، حين يلتقيه. إنه يعرف عقلانيًا أن الأشياء كانت موجودة قبله، لكنه يعيشها وجدانيًا كما لو أنها تبدأ معه.
ولعل هذا يفسر جانبًا من ذلك الشعور المتكرر بأن أفكارنا أكثر جدة مما هي عليه في الواقع. فنحن لا نستطيع أن نعيش وعي الآخرين من الداخل. فنحن نستطيع قراءة ما كتبوه وسماع ما قالوه، لكننا لا نشهد لحظة ولادة أفكارهم كما نشهد ولادة أفكارنا. ولذلك تبدو فكرتنا، حين تولد داخلنا، أكثر أصالة وحيوية وفرادة من ملايين الأفكار التي ولدت في رؤوس الآخرين، لا لأنها بالضرورة أكثر أصالة، بل لأنها الوحيدة التي حضرنا لحظة ولادتها!
وهنا يمكن أن نميز بين جِدّة الفكرة وجِدّة التجربة. فقد لا تكون الفكرة جديدة في التاريخ، لكنها جديدة وفقاً لي. وقد لا يكون السؤال جديدًا على البشرية، لكنه المرة الأولى التي يتحول فيها من وجهة نظري إلى سؤال حقيقي. وقد لا يكون الكتاب مجهولًا، لكنه كان مجهولًا من وجهة نظري حتى فتحته. وقد لا أكون أول من رأى تميز شخص ما، لكنني أراه الآن من زاوية تخصني. والمشكلة لا تبدأ حين نشعر بهذه “الجدة الذاتية”؛ فهذا جزء طبيعي وربما جميل من التجربة الإنسانية، لكن المشكلة تبدأ حين نخلط بينها وبين “الجدة الموضوعية”، فنحوّل عبارة “لم أعرف هذا من قبل” إلى “لم يعرف أحد هذا من قبل”، وعبارة “خطرت لي فكرة” إلى “اكتشفت فكرة”، وعبارة “رأيت فيه شيئًا مميزًا” إلى “أنا الوحيد الذي رأى هذا الشيء فيه”.
ولو امتلك الإنسان قدرة دائمة على رؤية أفكاره ضمن التاريخ الكامل لأفكار البشر، لربما أصيب بشيء من الصدمة. فكم فكرة حسبناها خاصة بنا وفكر فيها آخرون! وكم سؤالًا اعتقدنا أننا ابتكرناه ومات أناس قبل قرون وهم يبحثون عن إجابته! وكم عبارة قلناها ونحن مأخوذون بفرادتها، بينما قيل معناها آلاف المرات بلغات لم نسمع بها! وكم من حلٍّ لمشكلة ظهر لنا في لحظة «يوريكا» شخصية، بينما ظهر الحل نفسه، أو ما يشبهه، في أذهان مجهولة لم يصلنا عنها شيء!
بل إن الأمر قد يكون أكثر إثارة مما نتصور؛ لأننا لا نقارن أنفسنا فقط بما وصل إلينا من أفكار البشر، وإنما ينبغي أن نقارنها أيضًا بما لم يصل إلينا. فالغالبية الساحقة ممن عاشوا على الأرض لم يتركوا كتبًا ولا رسائل ولا سجلات تخبرنا بما خطر في أذهانهم. وما نعرفه من تاريخ الأفكار ليس تاريخ كل ما فكر فيه البشر، وإنما تاريخ ذلك الجزء الضئيل من أفكارهم الذي كُتب وحُفظ ووصل إلينا. ولهذا فإن قول الإنسان: «لم يفكر أحد في هذا من قبل» أكبر بكثير من قدرته على الإثبات. فمن أين له أن يعرف؟
ولعل الأجمل أن إدراك ذلك لا ينبغي أن يسلبنا “فرحة الاكتشاف”. فالطفل الذي يكتشف بنفسه أن جسمًا يطفو وآخر يغرق لا تصبح دهشته أقل قيمة لأن أرخميدس عاش قبله! والإنسان الذي يصل بتأمله الشخصي إلى فكرة قالها فيلسوف قبل ألفي سنة لا تصبح تجربته الفكرية بلا قيمة لمجرد أن الفيلسوف سبقه إليها. بل ربما كان الوصول المستقل إلى فكرة قديمة شهادة على شيء آخر ذي دلالة معرفية بالغة ألا وهو تشابه الأسئلة التي يولدها الحال الانساني The Human Condition نفسه.
فنحن، على اختلاف الأزمنة والثقافات واللغات، نحمل أدمغة تنتمي إلى النوع نفسه، ونواجه الموت نفسه، والحب نفسه، والخوف نفسه، والغيرة نفسها، والوحدة نفسها، والحاجة إلى المعنى ذاتها، وننظر إلى السماء ذاتها، وإن اختلفت الأسماء التي نطلقها على ما نراه فيها. فلماذا نستغرب أن تتكرر الأسئلة؟ ولماذا نستغرب أن تتكرر الإجابات أيضًا؟
فلعل ما نسميه أحيانًا «فكرتي» ليس ملكية فكرية بالمعنى الوجودي بقدر ما هو نقطة التقاء مؤقتة بين عقل فردي وتجربة إنسانية أوسع منه بكثير. وحين نفهم ذلك، فإن علاقتنا بأفكارنا تتغير. فبدل أن يكون السؤال الأول: هل أنا أول من فكر فيها؟ يصبح السؤال الأجدى: ماذا أستطيع أن أضيف إليها؟ وبدل أن نشعر بالإحباط حين نكتشف أن شخصًا سبقنا إلى فكرتنا، يمكن أن نشعر بالفضول: كيف وصل إليها؟ وماذا فعل بها؟ أين انتهى؟ وأين يمكنني أن أبدأ من النقطة التي انتهى إليها؟
فالعظمة الفكرية لا تشترط دائمًا أن تكون أول إنسان يطرح السؤال، بل قد تكمن في أن تطرح سؤالًا قديمًا بطريقة جديدة، أو أن ترى علاقة لم ينتبه إليها من سبقوك، أو أن تمنح فكرة معروفة تفسيرًا أكثر قدرة على جمع أجزائها المتناثرة.
وربما كان من علامات النضج المعرفي أن ينتقل الإنسان من لذة أن يقول: “لم يفكر أحد في هذا قبلي” الى لذة أكثر تواضعًا وعمقًا: “كم هو مدهش أنني وصلت، من طريقي الخاص، إلى سؤال وصل إليه بشر آخرون من طرقهم الخاصة”!
عندئذ لا يعود الآخر الذي سبقنا إلى الفكرة سارقًا لفرادتنا، وإنما يصبح شاهدًا على وحدة التجربة الإنسانية.
وهكذا نصل إلى المفارقة الأخيرة. فنحن نعرف أننا جئنا متأخرين جدًا في تاريخ الإنسان، بعد مليارات الحيوات وملايين العقول وآلاف السنين من التساؤل والتجربة والخطأ والتأمل والحب والكراهية والدهشة؛ ومع ذلك، ما إن تخطر لأحدنا فكرة جميلة حتى يهمس شيء في داخله: يا للعجب، كيف لم يفكر أحد في هذا من قبل؟!
