بين المفهوم والواقع الميداني… إعادة تشكيل “الحرب الهجينة” في ضوء الصراع الروسي – الأوكراني

لم يعد الصراع المسلح المعاصر مجرد صدام مباشر بين التشكيلات المدرعة والقطاعات العسكرية على جبهات القتال القارية؛ بل تحول إلى شبكة معقدة تتداخل فيها التكتيكات التقليدية بالضغط الاقتصادي، والمواجهات السيبرانية، وحرب المعرفة والإدراك. وفي قلب هذا التحول المفاهيمي، يبرز مصطلح “الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare) كأحد أكثر المفاهيم الاستراتيجية إثارة للجدل في الأدبيات العسكرية الحديثة. تستعرض هذه المقالة الجذور النظرية لهذا المصطلح، والحدود التعريفية التي تحكمه، ودوافع صياغته، لتُسقط تلك الأطر النظريّة على الواقع العملي الذي فرضه الصراع الروسي – الأوكراني الممتد.
عند تتبع الجذور التاريخية لمصطلح “الحرب الهجينة”، نجد أنه لا يوجد إجماع مطلق بين المفكرين العسكريين على أن الباحث الأمريكي فرانك هوفمان (Frank Hoffman) هو أول من قام بصياغة هذا المصطلح؛ إذ سبقته في التسعينيات استخدامات تكتيكية محددة، أبرزها ورقة العقيد روبرت ووكر (Robert Walker) عام 1998 التي ركزت على دمج القوات النظامية والخاصة.
إلا أن الإجماع ينعقد حول دور هوفمان كالمصمم والمنظر الأساسي لهذا المفهوم في دراسته التأسيسية عام 2007:
(Conflict in the 21st Century: The Rise of Hybrid Wars).
” الصراع في القرن الحادي والعشرين: صعود الحروب الهجينة”
لم يقدم هوفمان مجرد توصيف عابر، بل نقل مصطلح “الهجينة” من خانة التكتيك الميداني إلى نطاق العقيدة الاستراتيجية الشاملة، مبيناً كيف تمحى الحدود الفاصلة بين الجيوش النظامية والجماعات غير الحكومية، وبين الجريمة المنظمة والتكتيكات العسكرية.
تسعى الأطر التعريفية للحرب الهجينة إلى العمل في المنطقة المعتمة الممتدة بين “السلم التام” و”الحرب الشاملة”. وتتحدد أقصى أبعاد هذا التعريف في أربعة محاور تشكيلية:
1. الدمج الزمني والمكاني للأنماط: إعمال التكتيكات التقليدية، وحرب العصابات، والإرهاب، والتخريب الاقتصادي في وقت واحد وعلى مسرح عمليات واحد.
2. تداخل الفاعلين: التنسيق المتكامل بين القوات النظامية التابعة للدول والوكلاء غير النظاميين (Proxies)، أو تحول الفاعلين من غير الدول إلى امتلاك قدرات تسليح وتكنولوجيا تضاهي قدرات الجيوش النظامية.
3. توسع الميادين (Multi-Domain Ops): خوض المعركة في أبعاد مادية (أرض وبحر وجو) وأبعاد غير مادية (المجال السيبراني وحرب المعلومات والسيطرة على الإدراك العام والضغط القانوني والاقتصادي).
4. الإنكار المقبول والعمل أسفل عتبة الرد العسكري (Gray Zone): استخدام أساليب تموه مصدر الهجوم لمنع الخصم من اتخاذ قرار بالرد العسكري المباشر أو تفعيل اتفاقيات الدفاع الجماعي.
تأثر هوفمان بشكل مباشر ببيئة ما بعد الحرب الباردة، وبشكل أخص بتداعيات حرب لبنان عام 2006؛ حيث لاحظ كيف استطاع تنظيم غير حكومي الدمج بين انضباط وسلاح الجيوش النظامية (صواريخ موجهة واتصالات حديثة ودفاعات مضادة للدروع) وتكتيكات حرب العصابات والأنفاق. أراد هوفمان تحذير المؤسسة العسكرية الغربية من القصور الناجم عن الثنائية الصلبة (حرب نظامية مقابل حرب عصابات).
ورغم تبني حلف شمال الأطلسي (الناتو) لهذا التشخيص رسمياً في قمة ويلز 2014، إلا أن المصطلح يواجه نقداً أكاديمياً مستمراً؛ إذ يرى مؤرخون عسكريون مثل سير لورانس فريدمان (Lawrence Freedman) أن الظاهرة ليست جديدة تاريخياً، بل إن الإفراط في استخدام المصطلح حوّله إلى “سلة مهملات مفاهيمية” تضم كل أشكال التهديدات دون تمييز تحليلي دقيق.
تُعد الحرب الروسية – الأوكرانية النموذج الأكثر ثراءً لتجلي واستكشاف الحدود القصوى للحرب الهجينة؛ حيث التحمت الأبعاد النظرية بالواقع الميداني على نحو غير مسبوق:
1. من “المنطقة الرمادية” إلى “الصدام التقليدي العنيف”
بدأ الصراع بطابع هجين كلاسيكي عام 2014 عبر عمليات ضم كريميا (شبه جزيرة القرم) باستخدام “الرجال الخضر الصامتين” (الإنكار المقبول والاعتماد على الوكلاء)، لكنه تطور مع الشروع في العمليات الميدانية الواسعة عام 2022 إلى دمج ممتد. أثبتت هذه الحرب أن الأدوات الهجينة لا تلغي الحرب التقليدية ذات الكثافة العالية (استخدام المدفعية والسيطرة على الأرض والتحصينات الممتدة)، بل تعمل كعنصر مضاعف للقوة (Force Multiplier) إلى جانبها.
2. مسرح العمليات السيبراني والإدراكي
بالتوازي مع المعارك البرية في دونباس وخاركيف، شهد الصراع أكبر حرب سيبرانية ومعلوماتية متزامنة:
• الهجمات الرقمية: شنت موسكو هجمات سيبرانية استهدفت البنى التحتية للطاقة والاتصالات الأوكرانية، بينما ردت كييف بتجنيد “جيش سيبراني متطوع” عابر للحدود.
• حرب السرديات الإدراكية: استُخدمت منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وصنع المحتوى لتشكيل الرأي العام العالمي، وجلب الدعم التسليحي، أو إضعاف الروح المعنوية للخصم.
3. السلاح الاقتصادي وحرب الطاقة
توسعت الحدود التعريفية للنزاع لتشمل “سلاح سلاسل الإمداد” و”سلاح الطاقة”؛ حيث تم استخدام صادرات الغاز والنفط وحبوب القمح كأدوات ضغط جيوسياسي مباشرة، مقابل فرض حزم عقوبات اقتصادية وتجميد للأصول المالية تعد الأكبر في التاريخ المعاصر.
4. التكنولوجيا المزدوجة وتداخل الفاعلين
ظهر في هذه الحرب مفهوم “الابتكار الهجين السريع”؛ حيث تم دمج تقنيات مدنية وتجارية (مثل شبكات Starlink الفضائية والطائرات المسيرة التجارية المنسقة عبر تطبيقات الهواتف) داخل هيكل قيادة وسيطرة نظامي، مما سمح لفاعلين محليين بإحداث تأثيرات استراتيجية تتجاوز حجمهم الميداني.
لقد أثبت الصراع الروسي – الأوكراني أن أطروحة فرانك هوفمان حول “الحرب الهجينة”، على الرغم من السجالات الأكاديمية حول حدودها المفاهيمية، كانت استشرافاً دقيقاً لبيئة الحروب المعاصرة. فلم تعد الحرب الهجينة مجرد بديل للحرب التقليدية، بل أصبحت الإطار الشامل الذي يستوعب الحرب التقليدية العنيفة ويغلفها بأدوات غير عسكرية وسيبرانية وإدراكية. إنها حرب تُخاض في ثكنات الجيوش وشاشات الحواسيب وأروقة الاقتصاد وعقول الجماهير في آن واحد.

أضف تعليق