الذكاء الاصطناعي مرآةً لأخطائنا وحماقاتنا… مقاربة ميتابايولوجية

لعل السؤال الأكثر إثارة في علاقتنا الناشئة بالذكاء الاصطناعي ليس: ما الذي يستطيع أن يعلّمنا إياه عن العالم؟ وإنما: ما الذي يستطيع أن يكشفه لنا عن أنفسنا؟ فقد اعتدنا أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره امتدادًا جديدًا لقدراتنا المعرفية: أداة تستطيع أن تجمع المعلومات، وتقارن بينها، وتستخرج الأنماط، وتختصر النصوص، وتحلل البيانات، وتقترح الفرضيات. غير أن هذه النظرة، على قيمتها البالغة، قد تحجب وظيفة أشد عمقًا: أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً لاستقصاء الأخطاء والحماقات الإنسانية fallacies and follies لا بوصفها حوادث عرضية يرتكبها الإنسان بين حين وآخر، وإنما بوصفها ظواهر متكررة قد تكشف شيئًا عن البنية التي أنتجت الإنسان نفسه.
وهنا تحديدًا تفتح المقاربة الميتابايولوجية مساحة معرفية مختلفة. فإذا كانت المقاربة التقليدية تميل إلى دراسة الخطأ الإنساني داخل الحقول التي يظهر فيها، الخطأ المنطقي في المنطق، والانحياز في علم النفس، والعنف في علم الاجتماع والسياسة، والسلوك الجنسي في البيولوجيا وعلم النفس، والتعصب في دراسة الجماعات والأيديولوجيات، فإن المقاربة الميتابايولوجية تقترح علينا أن نتراجع خطوة إلى الوراء، وأن نسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم تكن هذه الظواهر المتفرقة مستقلة بعضها عن بعض كما تبدو لنا، وإنما كانت تجليات مختلفة لبنية إنسانية أعمق؟ ومن هنا تصبح دراسة الأخطاء والحماقات البشرية fallacies والـ follies أكثر من مجرد إعداد قائمة بالأخطاء التي يقع فيها العقل البشري. إنها تتحول إلى محاولة للبحث عن القواعد المنتجة للخطأ والحماقة.
فالإنسان لا يخطئ لأنه يفتقر إلى المعلومات فحسب، بل قد يمتلك المعلومات ويخطئ. ولا يصدق الوهم دائمًا لأنه عاجز عن التحقق منه، بل قد يستمر في تصديقه بعدما تتوافر له وسائل التحقق. ولا يتمسك برأيه دائمًا لأنه يملك الحجة الأقوى، وإنما قد يبحث عن الحجة التي تسمح له بالإبقاء على الرأي الذي يريد الاحتفاظ به أصلًا. ولا يصنع عدوه بالضرورة لأن هذا الآخر يشكل خطرًا حقيقيًا عليه، وإنما قد يعيد تمثل الآخر ذهنيًا حتى يصبح عدوًا صالحًا لأن يمارس تجاهه ما يريد ممارسته من عدوان. وهنا يصبح الخطأ شيئًا أكبر من خلل في الاستدلال. إنه قد يصبح منتجًا للبنية الإنسانية ذاتها.
تمنحنا المقاربة الميتابايولوجية هنا مفهومًا مهمًا هو فائض التمثّل. فالقدرة على التمثّل كانت بلا شك واحدة من أعظم القفزات التي أتاحت للإنسان أن يتجاوز الحضور المباشر للأشياء. فالإنسان يستطيع أن يستحضر ما ليس حاضرًا، ويتصور ما لم يقع، ويتنبأ بما يمكن أن يقع، ويبني عالمًا رمزيًا كاملًا داخل ذهنه. ولكن المشكلة تبدأ عندما لا تبقى هذه القدرة ضمن حدود وظيفتها.
فالإنسان لا يمثل الواقع فحسب وإنما يعيد تمثله، ثم يتمثل تمثله، ثم يبني أحكامًا على هذه التمثلات، حتى يصبح قادرًا على التعامل مع صورة صنعها ذهنه كما لو كانت هي الواقع نفسه. ومن هذه المسافة بين الشيء وتمثّله يمكن أن تولد مساحة هائلة من الأخطاء الإنسانية.
فنحن لا نتعامل دائمًا مع الإنسان الذي أمامنا، بل مع الصورة التي كوّناها عنه. ولا نتعامل دائمًا مع الحدث، بل مع القصة التي صغناها لتفسير الحدث. ولا نتعامل دائمًا مع أنفسنا كما نحن، وإنما مع السردية التي أنشأناها عن أنفسنا. بل إننا قد نقضي حياتنا ندافع عن تمثلاتنا ضد الواقع الذي يناقضها!
وهنا يصبح كثير مما يسميه علم النفس والمنطق بـ«الانحيازات المعرفية» قابلًا لإعادة القراءة باعتباره تجليات متعددة لمشكلة أعمق تتمثل في أن قدرة الإنسان على تمثل العالم تجاوزت، في مواضع كثيرة، قدرتها على البقاء خاضعة للعالم الذي تمثله.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي. فالقيمة الاستثنائية للذكاء الاصطناعي تكمن في أنه يمنحنا، للمرة الأولى تقريبًا، إمكانية أن نضع كميات هائلة من منتجات العقل الإنساني أمام أداة تستطيع البحث فيها عن أنماط تتجاوز قدرة الفرد على الملاحظة.
فالباحث البشري يستطيع قراءة عشرات أو مئات الحالات، أما الأنظمة الحاسوبية فتستطيع، حيث تتوافر البيانات والأدوات المناسبة، مقارنة مجموعات ضخمة من النصوص والحجج والسرديات والخطابات.
وهذا الاختلاف الكمي يمكن أن يؤدي إلى اختلاف كيفي. إذ قد لا يعود السؤال: أين أخطأ هذا الإنسان؟ بل يصبح: ما النمط الذي يجعل البشر يكررون هذا النوع من الخطأ؟ ولا نسأل فقط: لماذا اتخذ هذا المجتمع قرارًا كارثيًا؟ بل: ما البنية التمثّلية التي تتكرر قبيل أنواع متشابهة من القرارات الكارثية في مجتمعات مختلفة وأزمنة مختلفة؟
وهكذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد المقاربة الميتابايولوجية على الانتقال من دراسة الحادثة إلى البحث عن النمط، ومن النمط إلى محاولة استكشاف الأصل المنتج للنمط.
يمكننا، من هذا المنظور، أن نتخيل مشروعًا معرفيًا ضخمًا لا يكون موضوعه «الذكاء الاصطناعي» في ذاته، وإنما الإنسان كما يراه الذكاء الاصطناعي عبر الآثار التي تركها وراءه. فالحروب، والدعايات، والأساطير السياسية، وفقاعات الأسواق، والهوس الجماعي، والتعصب، والصراعات الدينية، ونظريات المؤامرة، والقرارات الشخصية المدمرة، والانحيازات المعرفية، والمغالطات المنطقية، والتبريرات التي يخترعها الإنسان بعد اتخاذ قراراته؛ كلها تصبح مادة قابلة للمقارنة.
والسؤال الميتابايولوجي لن يكون: ما الخطأ الموجود في كل واحدة منها؟ بل: ما أقل عدد ممكن من الآليات العميقة القادرة على تفسير أكبر عدد ممكن من هذه الظواهر؟
وهنا تظهر القيمة المعرفية للفوائض التي تقترحها المقاربة الميتابايولوجية: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس.
فبدل أن نتعامل مع آلاف الظواهر الإنسانية باعتبارها آلاف المشكلات المستقلة، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاختبار فرضية أكثر جرأة: هل يمكن رد مجموعات كبيرة من هذه الظواهر إلى تفاعلات مختلفة بين عدد محدود من الفوائض البنيوية؟
قد يكون التعصب، مثلًا، نقطة التقاء بين فائض التمثّل وفائض العدوان: نصنع تمثلًا مبالغًا فيه للآخر، ثم نمارس العدوان تجاه الكائن الذي صنعناه في تمثّلنا. وقد تكون بعض صور الاستعراض الاجتماعي نقطة التقاء بين التمثّل والجنس والتنافس: فالإنسان لا يريد فقط أن يمتلك، وإنما يريد أن يعرف الآخرون أنه يمتلك، لأن القيمة لم تعد في الشيء وإنما في تمثّل الآخرين لصاحبه! وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لاكتشاف العلاقات الخفية بين ظواهر أبعد ما تكون، في ظاهرها، عن بعضها.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن هنا. فالذكاء الاصطناعي الذي نريد استخدامه لتشخيص أخطاء الإنسان قد تعلم، بدرجات مختلفة، من منتجات الإنسان نفسه. فنحن، بمعنى ما، نضع أمام الإنسان مرآة صُنعت من شظايا تاريخه المعرفي. ولذلك لا ينبغي التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها حكمًا صادرًا من عقل محايد يقف خارج الإنسانية. فهو قد يعيد إنتاج بعض أنماط البيانات التي تعلم منها، وقد يخطئ، وقد يولّد معلومات غير صحيحة، وقد يعكس اختلالات موجودة أصلًا في المادة البشرية التي دُرّب عليها أو في تصميم النظام وطريقة استخدامه. لكن هذه المحدودية لا تلغي قيمته؛ بل تجعل العلاقة أكثر إثارة. فنحن لا نحتاج إلى قاضٍ آلي يحاكم الإنسان، وإنما إلى أداة تساعد الإنسان على مساءلة نفسه. ولهذا ينبغي ألا يكون السؤال الموجه إلى الذكاء الاصطناعي: قل لنا أين أخطأنا. بل: ساعدنا على بناء فرضيات عن أنماط أخطائنا، ثم ساعدنا على محاولة تفنيد هذه الفرضيات.
والفرق بين السؤالين جوهري. فالأول يحوّل الذكاء الاصطناعي إلى سلطة معرفية، أما الثاني فيحوله إلى شريك في النقد المعرفي.
ولعل أعظم ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدمه لنا ليس أن يؤكد أفكارنا، وإنما أن يعارضها بطريقة منهجية. فنحن نملك قدرة مذهلة على العثور على الأدلة التي تؤيد ما نعتقده، وعلى تجاهل ما يناقضه، وعلى إعادة تفسير الوقائع بحيث تنجو تصوراتنا المسبقة من التفنيد.
أما الآلة فيمكن أن نطلب منها عمدًا أن تفعل العكس: ابحث عن الحالات التي تناقض فرضيتي، أو قدّم تفسيرًا بديلًا، أو ما المتغير الذي أهملته؟ أوهل أخلط بين الارتباط والسببية؟ أو هل اخترت الأمثلة التي تؤيد فكرتي وتركت الأمثلة التي تناقضها؟ أو هل المفهوم الذي أستخدمه يفسر الظاهرة فعلًا، أم أنني أعدت تسمية الظاهرة ثم توهمت أنني فسرتها؟ أو هل يمكن تفسير ما أنسبه إلى «فائض التمثّل» بآلية أبسط معروفة في علم النفس أو علم الأعصاب أو علم الاجتماع؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يحمي الذكاء الاصطناعي الميتابايولوجيا نفسها من أن تتحول إلى واحدة من الحماقات التي تريد دراستها!
فالنظرية التي تزعم تفسير أخطاء الإنسان ينبغي أن تكون أول نظرية تعرض نفسها لاحتمال الخطأ.
ولعل المشروع الأكثر طموحًا الذي يمكن أن ينشأ عن هذا اللقاء بين الذكاء الاصطناعي والميتابايولوجيا هو بناء ما يمكن تسميته: خريطة الحماقات الإنسانية An Atlas of Human Follies – ، بحيث لا تكون مجرد موسوعة تسرد ما فعله البشر من أخطاء، وإنما خريطة تحاول اكتشاف البنية المشتركة بينها. فنبدأ بآلاف الحالات المختلفة. ثم نبحث عن الأنماط المتكررة. ثم نبحث عن العلاقات بين الأنماط. ثم نحاول ردها إلى آليات أعمق. ثم نختبر ما إذا كانت هذه الآليات تتقاطع مع الفوائض الميتابايولوجية المقترحة.
وعندئذ قد نكتشف أن ما اعتدنا تسميته «أخطاءً بشرية» هي ليست مجموعة من الحوادث المتفرقة، وإنما عائلة من الظواهر لها أنساب مشتركة. وهذا هو التحول الحقيقي الذي يمكن أن يتيحه الذكاء الاصطناعي. فبدل أن نستخدم أكثر أدواتنا المعرفية تقدمًا لكي نعرف المزيد عن النجوم والمجرات والجينات والأسواق والآلات، يمكن أن نوجهها إلى ذلك الكائن الذي صنعها جميعًا: الإنسان نفسه.
وربما تكون المفارقة الأجمل أن الذكاء الاصطناعي، الذي وُلد نتيجة واحدة من أعظم لحظات الذكاء الإنساني، قد تصبح إحدى أهم وظائفه أن يساعد الإنسان على اكتشاف حماقاته! ليس لكي يقول لنا إننا حمقى، بل لكي يرينا، بدقة لم تكن متاحة لنا من قبل، كيف نصنع حماقاتنا، ولماذا نكررها، وكيف نحولها بعد ذلك إلى أفكار ومعتقدات ومؤسسات وتواريخ كاملة. وعندها لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد آلة تجيب عن أسئلتنا، بل قد يصبح الأداة التي تساعدنا أخيرًا على طرح السؤال الذي طالما تهرب الإنسان منه، والذي مفاده: ماذا لو لم تكن المشكلة في أننا لا نعرف ما يكفي، بل في أننا لم نفهم بعد ذلك الكائن الذي يقوم بفعل المعرفة؟

أضف تعليق