حين تفقد الكلمات حدودها… فوضى المصطلح في عصر المعرفة السريعة!

ثمة ظاهرة آخذة في الاستشراء في الأوساط الفكرية والثقافية، بل وحتى في بعض السياقات التي تقدم نفسها بوصفها فلسفية، لا تتمثل في اختراع مصطلحات جديدة بقدر ما تتمثل في العبث المتواصل بالحدود الدلالية للمصطلحات القديمة! فما إن يستقر لمصطلح ما تعريف، أو تتشكل له نواة دلالية يمكن الاحتكام إليها، حتى تبدأ عملية توسيع حدوده: معنى يُضاف هنا، واستعمال مجازي يتحول هناك إلى استعمال أصلي، ودلالة فرعية تتمدد حتى تصبح مساوية للدلالة المركزية، ثم تأتي دلالات أخرى لا يجمع بعضها بالأصل إلا خيط رفيع من التشابه أو التداعي!
ولا تكمن المشكلة في أن المصطلحات ينبغي أن تبقى جامدة لا تتغير؛ فتاريخ الفكر نفسه هو، من بعض وجوهه، هو تاريخ لتحولات المفاهيم والمصطلحات. كما أن من حق الفيلسوف أو الباحث أن يعيد تعريف مفهوم ما إذا وجد أن التعريف السائد عاجز عن استيعاب ظاهرة جديدة. ولكن ثمة فارقًا جوهريًا بين تطوير المفهوم وإلغاء حدوده، وبين توسيع دلالة المصطلح وفق مبررات معرفية معلنة وتحويله إلى وعاء لغوي يمكن أن يُصب فيه كل شيء تقريبًا.
فالمصطلح لا يكتسب قيمته المعرفية من الأشياء التي يستطيع احتواءها فحسب، وإنما من الأشياء التي يستطيع استبعادها أيضًا.
وهذه نقطة لعلها تستحق التوقف عندها طويلًا. فحين نقول عن شيء إنه «مثلث»، فإن قيمة التعريف لا تكمن في أنه يخبرنا بما يدخل في فئة المثلثات فقط، بل في أنه يسمح لنا أيضًا بالقول إن الدائرة ليست مثلثًا. وحين نستخدم مفهومًا نفسيًا أو فلسفيًا أو اجتماعيًا، فإن قيمته المعرفية تعتمد، بالقدر نفسه، على قدرتنا على تحديد الحالات التي لا ينطبق عليها. فإذا وسعنا المفهوم بحيث يصبح كل شيء مثالًا عليه، نكون قد رفعنا قدرته على الاستيعاب ظاهريًا، لكننا نكون، في الوقت نفسه، قد أفقدناه قدرته على التمييز.
وهنا تبدأ المفارقة. فكلما أصبح المصطلح قادرًا على تفسير أشياء أكثر، فإنه قد يصبح، بعد حد معين، أقل قدرة على تفسير أي شيء! فخذ مثلًا مصطلحات من قبيل «النرجسية»، و«الصدمة»، و«الوعي»، و«الطاقة»، و«الذكاء»، و«التلاعب»، و«الإساءة»، و«السمّية»، و«الروحانية»، و«الأنا»، وغيرها من المفردات التي انتقلت من حقول معرفية محددة إلى التداول الثقافي الواسع. إن كثيرًا منها لم يعد يُستخدم دائمًا وفق الحد الأدنى من الضبط الذي يسمح بمعرفة ما الذي يعنيه المتكلم تحديدًا. فالنرجسية قد تصبح مرادفًا للأنانية، والأنانية مرادفًا للاهتمام بالنفس، والصدمة قد تمتد من الخبرة النفسية الشديدة إلى كل تجربة مزعجة، والتلاعب قد يطلق على كل محاولة للإقناع، والسمّية قد تصبح وصفًا لأي إنسان لا نشعر بالارتياح في التعامل معه.
وبعد سلسلة كافية من هذه التوسعات، يقع أمر بالغ الغرابة؛ إذ يفقد المصطلح الأصلي سلطته على استعمالاته الجديدة. فإذا اعترض أحد قائلًا: «لكن هذا ليس ما يعنيه المصطلح»، جاءه الجواب الجاهز: «المفاهيم تتطور»، أو «ليس هناك تعريف واحد»، أو «المعاني متعددة»، أو «لكل شخص تجربته الخاصة مع المفهوم». وهي عبارات قد تكون صحيحة في سياقات معينة، لكنها تتحول، إذا أطلقت بلا ضوابط، إلى حصانة لغوية تجعل من المستحيل تقريبًا الحكم ببطلان أي استعمال! وبذلك تنتقل “التعددية الدلالية” من كونها اعترافًا مشروعًا بتعقيد المفاهيم إلى نوع من “الفوضى التعريفية”.
ولعل هذه الظاهرة تجد بيئتها المثالية في ما يمكن تسميته بـ “منصات العلم السريع”. فلقد أصبح عصرنا مولعًا بالسرعة على نحو يكاد يجعلها قيمة مستقلة عن الشيء الذي نريد الوصول إليه. فلدينا الطعام السريع، والتوصيل السريع، والربح السريع، والتواصل السريع، والأخبار السريعة، بل وحتى العلاقات السريعة! فلم يكن غريبًا إذاً أن تظهر إلى جانب ذلك كله “المعرفة السريعة”! فبدل قراءة كتاب، نشاهد ملخصًا له. وبدل دراسة نظرية، نشاهد مقطعًا يشرحها في دقائق. وبدل تتبع تاريخ مفهوم، نكتفي بمنشور يقدم «خمسة أشياء ينبغي أن تعرفها عنه»! وبدل قراءة فرويد أو يونغ أو نيتشه أو كانط، نتلقى أفكارهم في جمل قصيرة، أو بطاقات مصورة، أو مقاطع لا يتجاوز الواحد منها دقيقة واحدة! ولا يعني هذا أن الاختصار هو شر في ذاته. فالاختصار قد يكون مدخلًا ممتازًا إلى المعرفة. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المدخل إلى بديل عن الدخول، وعندما يعتقد المتلقي أنه امتلك المفهوم لأنه تعرّف إلى اسمه! فالمعرفة السريعة تمنحنا الكلمات أسرع بكثير مما تمنحنا القدرة على استخدامها.
ومن هنا يظهر جيل كامل من المتداولين للمصطلحات الذين يمتلكون قاموسًا بالغ الاتساع، لكن الحدود الفاصلة بين مفرداته شديدة الضبابية. فقد يعرف أحدهم عشرات المصطلحات النفسية والفلسفية والاجتماعية، لكنه ربما لا يستطيع أن يحدد بدقة أين ينتهي أحدها ويبدأ الآخر! وهنا تكمن واحدة من أخطر نتائج الظاهرة: “التضخم الاصطلاحي” المصحوب بـ “الانكماش المفاهيمي”. فنحن نمتلك كلمات أكثر، لكن ليس بالضرورة مفاهيم أكثر وضوحًا!
ولعل الأمر مرتبط كذلك بطبيعة العصر نفسه. فالإنسان المعاصر يعيش داخل اقتصاد لا يتنافس فيه المنتجون على المال وحده، وإنما على الانتباه. وكل ثانية يقضيها المتلقي أمام محتوى ما هي ثانية انتزعها ذلك المحتوى من آلاف البدائل التي تنافسه. وفي مثل هذا الاقتصاد يصبح التعريف الدقيق عبئًا. فالتعريف يحتاج إلى استثناءات، والاستثناءات تحتاج إلى شرح، والشرح يحتاج إلى أمثلة، والأمثلة تحتاج إلى سياق، والسياق يحتاج إلى تاريخ، والتاريخ يحتاج إلى وقت؛ بينما المنصة تطالب صاحب المحتوى بأن يقول كل شيء في دقيقة، وربما في ثلاثين ثانية!
وهكذا تجري التضحية شيئًا فشيئًا بما يمكن تسميته “كلفة الدقة”.
فالدقة بطيئة، بينما التداول سريع. والتعريف متطلِّب، بينما الشعار سهل. والتمييز بين المفاهيم مرهق، بينما جمعها تحت كلمة واحدة أكثر قابلية للنشر. ومن ثم لا يعود السؤال: «هل هذا هو الاستخدام الصحيح للمصطلح؟»، وإنما: «هل يفهم الجمهور تقريبًا ما أقصده؟». ثم ينخفض معيار «تقريبًا» نفسه مع كثرة التداول، حتى يصبح “التشابه الانطباعي” كافيًا لإلحاق ظاهرة كاملة بمفهوم لم يوضع أصلًا لوصفها!
لكن القضية ليست لغوية فحسب. فاللغة هي الأداة التي نُقطع بها الواقع معرفيًا إلى فئات يمكن التفكير فيها. وإذا فسدت الحدود بين الفئات، لم يعد الخلل مقتصرًا على الكلمات التي نستخدمها، وإنما انتقل إلى الأشياء التي نعتقد أننا نعرفها بواسطة هذه الكلمات!
وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها أن المصطلحات أشبه بأدوات القياس. فإذا كانت المسطرة تتمدد وتنكمش بحسب الشيء الذي نقيسه بها، فلن تعود مسطرة مهما بدت عليها علامات القياس واضحة. وبالمثل، إذا كان المفهوم يتغير في كل مرة لكي يستوعب الحالة التي نريد إدخالها فيه، فإنه يفقد بالتدريج وظيفته بوصفه معيارًا معرفيًا.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة بسيطة مفادها أن المفهوم الذي لا توجد حالة يمكن أن نقول عنها بثقة إنها تقع خارجه، يقترب من أن يصبح مفهومًا لا يقول شيئًا محددًا! ولهذا فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه حين نواجه أي مصطلح هو ليس: «ماذا يعني؟» فحسب، وإنما أيضًا: ما الذي لا يعنيه؟ وما الحد الذي إذا تجاوزناه لم نعد نتحدث عن الظاهرة نفسها؟ وما الشروط التي ينبغي أن تتحقق حتى يصح استعمال هذا المصطلح؟ وما الشروط التي إذا غابت أصبح استعماله خطأ، لا «قراءة أخرى» ولا «توسيعًا للمفهوم»؟ فالقدرة على القول إن استعمالًا ما خاطئ ليست تعصبًا للتعريفات، وإنما شرط من شروط إمكان المعرفة نفسها. فإذا كان كل استعمال مشروعًا، وكل تعريف ممكنًا، وكل إضافة مقبولة، فلن يكون لدينا تعدد في المعاني بقدر ما سيكون لدينا انهيار لفكرة المعنى!
وقد تكون المشكلة أشد إثارة حين تتسلل إلى الخطاب الفلسفي؛ لأن الفلسفة، التي يفترض فيها أن تكون واحدة من أكثر الممارسات الفكرية حساسية تجاه المفاهيم، يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى بيئة خصبة للـ “تضخم الاصطلاحي”. فتصبح الكلمات الكبيرة بديلًا عن الأفكار الدقيقة، والغموض دليلًا موهومًا على العمق، وتعدد التأويلات حجة لإعفاء المفهوم من الحدود، حتى ليصبح السؤال عن تعريف المصطلح أحيانًا وكأنه سؤال ساذج صادر عن شخص لم يفهم «تعقيد» المسألة! مع أن العكس قد يكون أقرب إلى الصواب. فكلما كان الموضوع معقدًا ازدادت حاجتنا إلى التمييز، لا إلى إلغائه؛ وكلما تعددت أوجه الظاهرة ازدادت حاجتنا إلى بيان الحد الفاصل بينها وبين الظواهر المجاورة لها. فالتعقيد لا يلغي الحدود، بل يجعل ضبطها أكثر ضرورة.
ربما نحتاج، في مواجهة ثقافة العلم السريع، إلى استعادة فضيلة معرفية قديمة تبدو اليوم شديدة البطء، ألا وهي التثبت قبل الاستعمال، وذلك بأن نتوقف، قبل أن نستعمل مصطلحًا، لنسأل: من أين جاء؟ وفي أي حقل نشأ؟ وما تعريفه القياسي أو “نواته الدلالية”؟ وكيف تغير عبر الزمن؟ وما الخلافات الحقيقية حوله؟ وأين تنتهي مرونته المشروعة ويبدأ تشويهه؟ ولا يعني ذلك إقامة شرطة لغوية تحرس الكلمات من التغيير. فاللغة ملك لمستخدميها، والمفاهيم تتغير، والعلوم نفسها تعيد تعريف مصطلحاتها. وإنما المقصود الحفاظ على فارق بالغ الدلالة المعرفية بين أن نقول: “أقترح توسيع هذا المفهوم ليشمل كذا للأسباب التالية” وبين أن نستخدمه بالمعنى الذي نشاء، ثم نتصرف كما لو أن هذا المعنى كان جزءًا منه منذ البداية. فالأول اجتهاد معرفي يمكن مناقشته، أما الثاني فهو فوضى دلالية متنكرة في هيئة تعددية معرفية.
ولعل أخطر ما في عصر المعرفة السريعة هذا أنه لا يجعلنا بالضرورة أقل اطلاعًا؛ بل قد يجعلنا أكثر اطلاعًا من أي جيل سبقنا، وأكثر امتلاكًا للمصطلحات، وأكثر تعرضًا للأفكار، ولكن أقل صبرًا على الحدود الدقيقة التي تجعل من هذه الأفكار معرفة فعلًا.
لقد نجحت الحضارة المعاصرة في تسريع انتقال المعرفة على نحو لم يعرفه التاريخ من قبل. ولكن السرعة التي تُنقَّل بها المعرفة قد تكون هي نفسها السرعة التي تفقد بها بعض هذه المعرفة دقتها. فكما أن الوجبة السريعة تستطيع أن تشبه الطعام من حيث قدرتها على إشباع الجوع، تستطيع «المعرفة السريعة» أن تشبه المعرفة من حيث قدرتها على إشباع الفضول. ولكن إشباع الفضول شيء، وبناء المعرفة شيء آخر. وربما يكون أحد التحديات المعرفية الكبرى في عصرنا هذا ألا نتعلم المزيد من الكلمات فحسب، وإنما أن نستعيد احترام الحدود التي تجعل لكل كلمة معنى، ولكل مفهوم وظيفة، ولكل تعريف القدرة على أن يقول: هذا يدخل في المصطلح، وهذا لا يدخل فيه.

أضف تعليق