
ثمة مفارقة تكاد تلازم العقل السياسي كلما حاول الانتقال من تفسير ما يحدث إلى التنبؤ بما سيحدث. فهو يعرف، من حيث المبدأ، أن السياسة واحدة من أكثر ميادين الفعل الإنساني تعرضًا للمفاجآت والانقطاعات والتحولات، ثم يتصرف، حين يرسم صورة المستقبل، كما لو أن المعطيات التي يراها أمامه اليوم ستظل قائمة غدًا وبعد غد، وأن الخط الذي بدأ في الحاضر لا بد أن يستمر في الاتجاه نفسه حتى المستقبل البعيد. فالعقل السياسي، بعبارة أخرى، يقع في أسر استقامة الزمن المتوهمة. فما دام الشيء يتحرك الآن في اتجاه معين، فإنه سيتحرك في الاتجاه ذاته لاحقًا!
ولعل النقاش الدائر حول مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقدم مثالًا لافتًا على هذه المفارقة. فقد دفعت التحولات التي شهدتها العلاقة عبر الأطلسي منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض كثيرًا من المحللين إلى الحديث عن ابتعاد أوروبي متزايد عن الولايات المتحدة، وعن اضطرار أوروبا إلى البحث عن استقلال استراتيجي أكبر، وعن احتمال أن يكون حلف الأطلسي بصورته التي عرفها العالم طوال عقود قد دخل مرحلة تحول تاريخي عميق.
ولا يمكن إنكار أن ثمة معطيات حقيقية تسمح بطرح مثل هذه الأسئلة. فقد ظهرت خلافات في ملفات التجارة والدفاع والأمن وأوكرانيا وغيرها، وأصبح مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» أكثر حضورًا في النقاش السياسي الأوروبي. ولكن المشكلة لا تبدأ من ملاحظة هذه التحولات، وإنما من تحويلها إلى مسار تاريخي مفترض.
فثمة فارق هائل بين أن نقول إن العلاقة الأمريكية الأوروبية تتغير في عهد إدارة أمريكية بعينها، وبين أن نستنتج من ذلك أن العلاقة الأمريكية الأوروبية قد دخلت مسارًا سيستمر لعقود مقبلة. ذلك أن الرئيس، مهما كان تأثيره عميقًا، ليس هو الولايات المتحدة، كما أن إدارته ليست سوى مرحلة من مراحل تاريخ نظام سياسي يسمح، بطبيعته، بتغير الإدارات وتغير الأولويات والسياسات معها.
والسؤال البسيط الذي كثيرًا ما يضيع وسط التحليلات الكبرى هو: ماذا لو تغيرت الإدارة الحالية؟ فليس المقصود أن نفترض أن الإدارة المقبلة ستكون ديمقراطية، ولا أن نجزم بأنها ستعيد السياسة الخارجية الأمريكية إلى ما كانت عليه قبل ترامب؛ فذلك سيكون وقوعًا في الخطأ نفسه الذي نحاول نقده. وإنما المقصود أن مجرد وجود هذا الاحتمال، إلى جانب احتمالات أخرى كثيرة، يكفي لإسقاط اليقين الذي تبنى عليه بعض تصورات المستقبل.
فقد يأتي رئيس ديمقراطي يسعى إلى إعادة بناء جانب كبير من العلاقة التقليدية مع أوروبا. وقد يأتي جمهوري يختلف عن ترامب في بعض الملفات ويستمر معه في ملفات أخرى. وقد تظهر ظروف دولية جديدة تجعل واشنطن وبروكسل تعيدان ترتيب أولوياتهما معًا. وقد يقع حدث جيوسياسي كبير يعيد، في أشهر قليلة، تعريف معنى التحالف عبر الأطلسي برمته.
وهنا تظهر واحدة من المشكلات المنهجية الكبرى في التفكير السياسي: أننا كثيرًا ما نستخرج المستقبل من الحاضر بدل أن نتعامل معه بوصفه مجالًا لاحتمالات متعددة. فنحن نرى مجموعة من النقاط ثم نرسم بينها خطًا، وبعد أن نرسم الخط بأنفسنا ننسى أننا نحن الذين رسمناه، ونتعامل معه كما لو أنه كان موجودًا في الواقع منذ البداية ويمتد أمامنا حتى الأفق!
لكن التاريخ لا يتحرك بهذه البساطة.
ولو كان بالإمكان استنتاج المستقبل السياسي بمجرد تمديد اتجاهات الحاضر، لكان التاريخ أكثر العلوم قابلية للتنبؤ. غير أن ما يحدث، مرة بعد أخرى، هو العكس تمامًا: أحداث صغيرة نسبيًا تغير اتجاهات كبرى، وانتخابات تقلب أولويات دول، وحروب تعيد تشكيل تحالفات، وأزمات اقتصادية تبدل المزاج الشعبي، واختراعات تغير موازين القوة، وشخصيات لم يكن أحد يضعها في حساباته تصل فجأة إلى مواقع القرار. بل إن المثال الأمريكي نفسه يكشف مقدار هشاشة هذا النوع من الإسقاط الزمني.
فالسياسات التي تبدو في لحظة معينة وكأنها تمثل «الاتجاه الأمريكي» قد تكون، في جزء منها، اتجاه إدارة بعينها. وما يُبنى بأوامر وقرارات تنفيذية يمكن أن يكون أكثر عرضة للتعديل أو الإلغاء من ترتيبات مؤسسية وتشريعية وتحالفات ومصالح تراكمت عبر عقود. ولذلك لا يصح وضع جميع عناصر السياسة الخارجية في مستوى واحد من الثبات والاستمرارية.
ومن هنا فإن السؤال الأدق بشأن مستقبل العلاقة بين أوروبا وأمريكا ليس: إلى أين تتجه هذه العلاقة؟ بل ربما ينبغي أن يكون: أي أجزاء من هذه العلاقة مرتبطة بترامب، وأيها تعبر عن تحول أعمق داخل الولايات المتحدة نفسها؟
وهذا فارق بالغ الدلالة.
فإذا كانت بعض الاتجاهات الحالية مرتبطة بشخص ترامب وأسلوبه في الحكم ورؤيته للتحالفات، فقد تتراجع أو تتغير بعد خروجه من البيت الأبيض. أما إذا كانت هناك تحولات أعمق داخل المجتمع والسياسة الأمريكيين، مثل ازدياد المطالبة بأن تتحمل أوروبا قدرًا أكبر من أعباء دفاعها، أو انتقال مركز الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي تدريجيًا نحو آسيا والمحيط الهادئ، فإن بعض عناصر التحول قد تستمر حتى مع رئيس مختلف جذريًا عن ترامب.
وبذلك لا يعود ترامب «مستقبل العلاقة الأطلسية»، وإنما يصبح متغيرًا واحدًا داخل منظومة أكبر من المتغيرات. والأمر نفسه ينطبق على أوروبا. فأوروبا التي ستتعامل مع الولايات المتحدة بعد سنوات ليست بالضرورة أوروبا اليوم. فقد تؤدي الضغوط الراهنة إلى بناء قدرات دفاعية أوروبية جديدة يصعب التراجع عنها حتى لو تحسنت العلاقات مع واشنطن لاحقًا. وقد تكتشف الحكومات الأوروبية أن قدرًا أكبر من الاستقلال الاستراتيجي مفيد لها حتى في ظل أفضل العلاقات الممكنة مع الولايات المتحدة. وهكذا تظهر مفارقة أكثر تعقيدًا: قد يختفي السبب وتبقى بعض نتائجه. فحتى لو كانت إدارة ترامب هي التي سرعت اندفاع أوروبا نحو مزيد من الاعتماد على الذات، فإن انتهاء تلك الإدارة لا يعني بالضرورة أن أوروبا ستعود إلى النقطة التي كانت تقف عندها قبلها. فالزمن السياسي ليس شريطًا يمكن إرجاعه إلى الخلف؛ وما يحدث خلال مرحلة معينة قد يغير المؤسسات والمصالح والتصورات بطريقة تجعل العودة الكاملة إلى الوضع السابق مستحيلة.
ومن هنا ينبغي الحذر أيضًا من الفكرة المقابلة القائلة إن «كل ما فعله ترامب سيسقط بمجرد رحيله». فبعض القرارات قد يُلغى، وبعضها قد يُعدل، وبعضها قد يستمر، بينما قد تكون بعض التحولات التي أحدثتها المرحلة قد تجاوزت القرارات نفسها وأصبحت جزءًا من حسابات الأطراف الأخرى.
وهذه تحديدًا هي المفارقة التي ينبغي أن يتعلم العقل السياسي منها شيئًا عن حدوده. فهو حين يتنبأ بالمستقبل لا يمتلك المستقبل؛ إنه لا يمتلك سوى معطيات الحاضر. ثم يقوم العقل بعملية تمثلية شديدة الإغراء: يمد هذه المعطيات إلى الأمام، ويربط بينها، ويملأ المساحات المجهولة بما يبدو له منطقيًا، ثم ينظر إلى الصورة التي صنعها ويبدأ بالتعامل معها كما لو أنها صورة التقطت للمستقبل نفسه. لكنها ليست كذلك. إنها صورة للحاضر وقد مُدِّد في المخيلة إلى المستقبل.
ولعل هذا هو أحد الأسباب التي تجعل التنبؤ السياسي عرضة دائمة للمفاجأة: ليس لأن المحللين يجهلون الوقائع التي أمامهم بالضرورة، وإنما لأنهم لا يستطيعون معرفة الوقائع التي ليست أمامهم بعد؛ أي تلك الأحداث والأشخاص والتحولات والأزمات والاختراعات والانتخابات التي ستدخل لاحقًا إلى المشهد وتعيد ترتيب العلاقة بين جميع العناصر التي نعرفها اليوم.
ولهذا ربما يكون أكثر المواقف السياسية انضباطًا معرفيًا هو استبدال لغة المستقبل القطعي بلغة السيناريوهات.
فبدلًا من القول إن أوروبا وأمريكا «تتجهان إلى الانفصال»، يمكن القول إن استمرار مجموعة معينة من الشروط قد يدفعهما إلى مزيد من التباعد. وبدلًا من القول إن حلف الأطلسي «انتهى عصره»، يمكن السؤال عن الشروط التي قد تضعفه، وتلك التي قد تعيد تقويته. وبدلًا من تحويل ترامب إلى بداية حقبة تاريخية ممتدة بالضرورة، يمكن التعامل معه بوصفه اختبارًا يكشف اتجاهات بعضها قد يكون عابرًا وبعضها قد يكون أعمق منه وأطول عمرًا.
فالتحليل السياسي الرصين لا ينبغي أن تكون مهمته ادعاء معرفة المستقبل، وإنما تحديد الشروط التي يمكن أن تنتج مستقبلات مختلفة. وهنا يتجلى الفرق بين النبوءة والتحليل. فالنبوءة تقول لنا: هذا ما سيحدث. أما التحليل الأكثر تواضعًا فيقول: إذا استمرت هذه الشروط، فقد يحدث هذا؛ وإذا تغيرت، فقد يحدث شيء آخر.
ولعل أعجب مفارقات العقل السياسي أنه يعرف أن الرئيس سيتغير، والحكومات ستتبدل، والتحالفات ستعاد صياغتها، والأزمات ستظهر، والتكنولوجيا ستتطور، والأجيال ستتعاقب، وموازين القوة ستتحرك، ثم يرسم مستقبل عشرين عامًا انطلاقًا من صورة التقطها للعالم هذا الصباح!
فربما لا تكمن المشكلة الكبرى في عجزنا عن رؤية المستقبل، بل في أننا حين نعجز عن رؤيته نملأه بالحاضر، ثم نسمي ذلك تنبُّؤاً!
