
ما الذي يحدث في فرنسا هذه الأيام، وخصوصًا في مدارسها الثانوية التي ضربت فيها الفوضى أطنابها؟ وكيف انتهى الأمر بالحكومة الفرنسية الحالية إلى مواجهة جانب من احتجاجات الطلاب بأدوات أمنية، في وقت ينتفض فيه هؤلاء احتجاجًا على أوضاع يرون أنها لم تعد تليق بقطاع التعليم في دولة بحجم فرنسا؛ من نقص في المدرسين، وتردّي بعض الأبنية والتجهيزات، واكتظاظ الفصول، إلى تفاوت صارخ في الإمكانات بين المدارس والمناطق؟ وكيف فات الحكومة الفرنسية أن تتبين أن الإجراءات التقشفية التي شرعت في طرحها بغية تمرير ميزانية عام 2027 قد لا ينجم عنها، إن أصابت القطاعات الاجتماعية الأكثر حساسية، إلا مزيد من الاحتقان والاضطرابات التي لا يعلم أحد على وجه اليقين إلى أين يمكن أن تنتهي؟
ففي التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول وحده امتدت الاضطرابات إلى مئات المدارس الثانوية الفرنسية، وتحدث الطلاب المحتجون عن نقص المدرسين، واكتظاظ الصفوف، وتدهور المنشآت والتجهيزات، بينما اقترنت الاحتجاجات باعتقالات واسعة ووقائع عنف خطيرة صدرت من أطراف مختلفة. ولذلك فإن اختزال ما يحدث في مجرد «فوضى طلابية» لا يقل تبسيطًا عن اختزاله، في المقابل، في «قمع حكومي» أحادي الجانب! فالواقع هو أكثر تعقيدًا من كلاهما.
غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بالاحتجاجات نفسها بقدر ما يتعلق بفن وضع الأشياء في مواضعها.
ذلك أن واحدة من أهم علامات النضج المعرفي للعقل السياسي هي قدرته على ترتيب المخاطر والحاجات وفق أوزانها الحقيقية، لا وفق قدرتها على إثارة الخوف أو استقطاب الخطاب العام. فليست مهمة الدولة أن تنفق على كل ما هو مهم بالمقدار نفسه؛ لأن السياسة، في جوهرها، هي فن المفاضلة بين مهمّ ومهمّ، وبين خطر حاضر وخطر محتمل، وبين حاجة ملحّة وحاجة يمكن تأجيلها.
ومن هنا تبرز المفارقة الفرنسية الراهنة. ففرنسا التي تستعد لميزانية تقشفية لعام 2027 تسعى إلى تحقيق عشرات المليارات من اليوروهات من الوفورات لخفض عجزها المالي، في ظل دين عام بلغ نحو 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أي نقد منصف للسياسة الحكومية. فالتقشف الحكومي الفرنسي ليس مجرد وسيلة لتحويل الأموال من المدارس إلى المدافع، وإنما يأتي أيضًا في مواجهة أزمة مالية حقيقية تتصل بالعجز والدين وكلفة الاقتراض.
لكن ثمة حقيقة أخرى لا تقل دلالة. ففي الوقت نفسه الذي يُطلب فيه من قطاعات الدولة والمجتمع قبول إجراءات تقشفية قاسية، تواصل فرنسا تسريع زيادة إنفاقها العسكري. وقد حددت الدولة هدفًا يبلغ 64 مليار يورو لميزانية القوات المسلحة عام 2027، أي ما يقارب ضعف مستواها قبل عشر سنوات، كما أضيف إلى قانون البرمجة العسكرية مبلغ 36 مليار يورو إضافي للفترة 2026–2030، تحت عنوان تسريع إعادة التسلح.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا، لا عن ضرورة الدفاع في ذاته، وإنما عن موضعه في سلّم الأولويات. فهل تستطيع الدولة أن تطلب من المواطن قبول تقليص الإنفاق أو تجميده في مجالات تمس حياته ومستقبل أبنائه مباشرة، بينما تجعل الزيادة في الإنفاق العسكري من الأولويات التي يصعب المساس بها؟ وهل الأمن القومي هو أمن الحدود وحدها؟ أم أن المدرسة التي تخرّج الطبيب والمهندس والعالم والجندي وصانع القرار هي جزء من الأمن القومي نفسه؟
إن الدولة التي تحمي حدودها ولا تحمي جودة تعليم أبنائها قد تنجح في حماية حاضرها، لكنها تخاطر بإضعاف مستقبلها.
ولعل هذه هي النقطة التي ينبغي عندها إعادة النظر في مفهوم «الخطر الروسي» ذاته، لا بإنكاره، وإنما بوضعه في حجمه وموقعه الصحيحين. فالوثائق الاستراتيجية الفرنسية الرسمية تعتبر روسيا التهديد الأكثر مباشرة للمصالح الفرنسية والأوروبية في السنوات المقبلة، وتتحدث كذلك عن أخطار الحرب الهجينة والهجمات السيبرانية والتخريب وإمكان اتساع المواجهة في أوروبا. ومن ثم فإن المخطط الاستراتيجي الفرنسي لا يبني سياسته الدفاعية، رسميًا، على خيال محض. ولكن الاعتراف بوجود خطر شيء، وتقدير احتماله وحجمه وتحديد مقدار الموارد التي ينبغي تخصيصها لمواجهته هو شيء آخر تمامًا.
فهل السيناريو الذي ينبغي أن يحكم ترتيب أولويات فرنسا هو أن الجيش الروسي سيهاجم يومًا الأراضي الفرنسية نفسها؟ إن مجرد طرح هذا السيناريو يستوجب استحضار حقيقة استراتيجية بالغة الدلالة. ففرنسا ليست دولة معزولة في القارة الأوروبية، وإنما هي دولة نووية وعضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي. وأي هجوم مسلح عليها يقع ضمن نطاق معاهدة الحلف يمكن أن يدخل في إطار المادة الخامسة التي تعتبر الهجوم على أحد الحلفاء هجومًا على الجميع وتُلزم بقية الأعضاء بتقديم المساعدة التي يرونها ضرورية. وهذا لا يجعل الحرب مستحيلة، لكنه يرفع تكلفتها الاستراتيجية على أي معتدٍ محتمل إلى مستوى بالغ الخطورة.
وفوق ذلك تمتلك فرنسا قوة ردع نووي مستقلة، تعدّها استراتيجيتها الوطنية نفسها حجر الزاوية في حماية مصالحها الحيوية. ومن هنا فإن السؤال الأكثر نضجًا هو ليس: هل روسيا خطر أم ليست خطرًا؟
ذلك سؤال ثنائي شديد التبسيط. فالسؤال الأجدر بالعقل السياسي هو: ما حجم هذا الخطر مقارنة بالأخطار الأخرى التي تواجه فرنسا؟ وما احتمال تحققه؟ وما مقدار الموارد الذي ينبغي تخصيصه له من دون أن تتحول الاستعدادات لمواجهة خطر محتمل إلى سبب في تفاقم أخطار حاضرة ومتحققة بالفعل؟ فالطالب الذي يدخل كل صباح مدرسة تعاني نقص المدرسين أو رداءة التجهيزات ليس خطرًا افتراضيًا! والمدرس الذي يجد نفسه عاجزًا عن أداء مهمته كما ينبغي ليس خطرًا افتراضيًا! وتآكل الثقة بين جيل كامل ومؤسسات دولته ليس خطرًا افتراضيًا! والشعور المتزايد لدى بعض شباب الضواحي بأن مدارسهم لا تمنحهم الفرص نفسها التي تمنحها مدارس المناطق الأكثر ثراءً ليس مسألة يمكن إرجاؤها إلى أن تنتهي الحسابات الجيوسياسية الكبرى! فهذه كلها جميعاً مشكلات تقع الآن، داخل فرنسا نفسها.
وهنا تحديدًا يظهر معنى “وضع الشيء في محلّه”. فليس النضج السياسي أن يهمل المرء الدفاع لينفق على التعليم، كما أنه ليس أن يهمل التعليم لينفق على الدفاع. وليس هذا النضج أن ينكر المخاطر الخارجية، كما أنه ليس أن يجعل كل خطر خارجي حجة مفتوحة لإنفاق لا يخضع للموازنة مع الحاجات الداخلية. فالنضج المعرفي هو القدرة على الموازنة بين الأشياء، وذلك بأن يوضع الخطر الروسي في موضعه، والدفاع في موضعه، والتعليم في موضعه، والدَيْن العام في موضعه، والاحتجاج الاجتماعي في موضعه؛ ثم يُسأل بعد ذلك: أي هذه الأشياء أكثر إلحاحًا؟ وأيها أكثر احتمالًا؟ وأيها إذا أهملناه اليوم سيدفع المجتمع ثمنه غدًا أضعافًا مضاعفة؟
فالسياسة التي تضع الشيء في غير محله لا تخطئ في الشيء بالضرورة، وإنما تخطئ في موضعه. فقد يكون الإنفاق العسكري ضروريًا، ولكن الخطأ أن يصبح ضروريًا إلى درجة تجعل المدرسة أقل ضرورة. وقد يكون ضبط العجز المالي واجبًا، ولكن الخطأ أن يتحول الرقم المحاسبي إلى غاية تنسى الدولة من أجلها أن الاقتصاد نفسه إنما يقوم في النهاية على مجتمع متعلم ومنتج ومستقر. وقد يكون التعامل الأمني مطلوبًا حين يتحول الاحتجاج إلى إحراق واعتداء وعنف، لكن الخطأ أن يتوهم العقل السياسي أن الأداة الأمنية تستطيع معالجة الأسباب التي دفعت آلاف الطلاب أصلًا إلى الشارع!
فالشرطة تستطيع أن تفتح بوابة مدرسة مغلقة، لكنها لا تستطيع أن تعوّض مدرسًا غائبًا! وتستطيع أن تفض تجمعًا، لكنها لا تستطيع إصلاح مبنى متهالك. وتستطيع أن تعتقل طالبًا، لكنها لا تستطيع أن تقنع جيلًا كاملًا بأن مستقبله يحظى بالأولوية إذا كان هذا الجيل يرى في واقعه اليومي ما يناقض ذلك! وهذا هو الفارق بين إدارة أعراض الأزمة وفهم الأزمة.
ولعل التاريخ السياسي لا يعاني أصلًا من ندرة القرارات العقلانية في ذاتها بقدر ما يعاني من قرارات عقلانية وُضعت في غير مواضعها، وذلك بأن يؤتى بحل صحيح لمشكلة ثانوية بينما تُترك المشكلة الأساسية، وأن يجرى استعداد متقن لخطر بعيد بينما يتفاقم خطر قريب، وان تُنفق مليارات لمنع مستقبل محتمل بينما تُهمل الشروط التي يُصنع بها المستقبل الحقيقي!
ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه مدارس فرنسا الثانوية اليوم يتجاوز فرنسا وطلابها وميزانيتها لعام 2027؛ إذ أنه سؤال يمكن توجيهه إلى كل عقل سياسي، ومفاده: هل تعرف حقًا كيف تضع الأشياء في مواضعها؟ فقد لا يكون أعظم إخفاق للدولة أن تنفق المال على الشيء الخطأ، وإنما أن تنفقه على شيء صحيح في ذاته، بعد أن تمنحه موقعًا في سلّم الأولويات لا يستحقه، وذلك على حساب شيء آخر كان ينبغي أن يسبقه!
وحين يصبح مستقبل جيل كامل هو الثمن الذي يُدفع نتيجة هذا الاختلال في ترتيب الأولويات، فإن المسألة لا تعود خلافًا حسابيًا حول بنود الموازنة؛ إذ أنها تصبح اختبارًا للنضج المعرفي للعقل السياسي نفسه.
