
ثمة سؤال غريب تطرحه علينا هوليوود منذ ما يقرب من قرن: لماذا ينتهي بعض الذين حصلوا على أشياء يقضي ملايين البشر حياتهم في الحلم بها إلى إيذاء أنفسهم بالوسائل نفسها التي كان يُفترض أن سعادتهم ونجاحهم قد أغناهم عنها؟ فالشهرة تحققت، والثروة تراكمت، والوجوه أصبحت معروفة في أنحاء العالم، والجوائز حُصدت، والبيوت الفارهة اقتُنيت، ولم يعد النجاح وعدًا مؤجلًا، بل صار واقعًا يوميًا. ومع ذلك، نجد بين المشاهير حالات اتخذ أصحابها أنماط حياة شديدة التدمير للذات كالإفراط في الشراب، والمخدرات، والسهر، والمجازفات، والعلاقات المضطربة، والإهمال الجسدي والنفسي، وأشكال مختلفة من السلوك الذي يبدو، لمن يراقبه من الخارج، مناقضًا تمامًا لغريزة المحافظة على الذات.
وقد يكون من المغري تفسير ذلك كله بالقول إن الشهرة مرهقة، أو إن الثروة لا تصنع السعادة، أو إن المخدرات والإدمان أمراض قائمة بذاتها. وكل ذلك صحيح في مواضعه، لكنه قد لا يستنفد الظاهرة. فماذا لو كانت هناك مشكلة أعمق؟ وماذا لو كان الإنسان قادرًا على احتمال الحرمان من الشيء الذي يتمناه أكثر من قدرته على احتمال الوصول إلى النقطة التي لا يعرف بعدها ماذا يتمنى؟
هنا أقترح تسمية هذه الظاهرة، تسميةً مفهومية وليست “سريرية”، بـ “متلازمة ناتالي وود”؛ مستعيرًا الاسم من النهاية المأساوية للممثلة الأمريكية ناتالي وود (1938–1981)، لا للقول إننا نعرف على وجه اليقين ما حدث لها أو ما كان يدور في داخلها في ساعات حياتها الأخيرة، وإنما لأن صورتها تَصلح رمزًا لتلك المفارقة الهوليوودية المذهلة: الجمال والشهرة والنجاح والثراء من جهة، والهشاشة الإنسانية التي لا تلغيها هذه الأشياء كلها جميعاً من جهة أخرى.
لعل الخطأ يكمن في افتراضنا أن الإنسان يتحرك في الحياة طلبًا للموضوعات التالية: المال، والمنصب، والحب، والشهرة، والنجاح، والبيت، والسفر، والاعتراف الاجتماعي. ولكن ماذا لو كان الشيء الأهم ليس الموضوع الذي نسعى إليه، وإنما “المسافة التي تفصلنا عنه”؟ ففي هذه المسافة يقطن الأمل. والإنسان، بهذا المعنى، لا يعيش فقط بما حصل عليه، وإنما بما لم يحصل عليه بعد! فالمستقبل ليس مجرد زمن سيأتي؛ إنه مستودع الاحتمالات الذي يتيح للإنسان أن يقول لنفسه: غدًا قد يحدث شيء آخر. ولهذا يستطيع الفقير أن يتحمل فقره وهو يحلم بالغنى، والمغمور أن يتحمل تجاهل العالم له وهو يتخيل الشهرة، والطالب أن يحتمل سنوات الدراسة لأنه يرى الوظيفة في نهايتها، والمهاجر أن يحتمل الغربة لأنه يتصور حياة أفضل تنتظره.
وليس الأمل هنا شعورًا لطيفًا يضاف إلى الحياة؛ بل إنه أحد المحركات التي تجعل استمرار الحياة نفسه قابلًا للتحمل.
ومن هنا تبدأ المفارقة. فماذا يحدث إذا حصل الإنسان على الشيء الذي كان الأمل متعلقًا به؟ فتحقق الأمل لا يعني دائمًا انتصار الأمل؛ فقد يعني، في بعض الحالات، نهايته.
والآن، لنتخيل ممثلًا شابًا يدخل هوليوود ولا يعرفه أحد. أمامه آلاف الاحتمالات. يحلم بدور صغير، ثم بدور رئيسي، ثم بفيلم ناجح، ثم بجائزة، ثم بالشهرة العالمية، ثم بالثروة! فكل مرحلة تلد المرحلة التي تليها، فهو يتحرك دائمًا نحو شيء. لكن ماذا يحدث حين يصل؟ ماذا يحدث عندما يصبح مشهورًا إلى الحد الذي لا يستطيع معه أن يصبح «أكثر شهرة» إلا بدرجات لا تغير شيئًا جوهريًا في تجربته؟ وحين يمتلك من المال ما يجعل زيادة رصيده مجرد رقم؟ وحين يحصل على القصر الفاخر في بيفيرلي هيلز والسيارة والسفر والاعتراف والجوائز؟
هنا تظهر مفارقة قلما ننتبه إليها. فالإنسان الذي لم يصل بعد يعرف إلى أين يذهب، أما الذي وصل فقد يجد نفسه مطالبًا باصطناع وجهة جديدة. وقد يكون اختراع الأمل أصعب من مطاردته.
فالمشكلة ليست أن الإنسان حصل على كل شيء؛ فلا أحد يحصل على كل شيء حرفيًا. وإنما أن منظومة الرغبات التي كانت تمنح حياته اتجاهًا قد استنفدت قدرتها على إنتاج ذلك الإحساس القديم بالترقب. وما كان في الأمس حلمًا أصبح اليوم أثاثًا. وما كان حدثًا استثنائيًا أصبح روتينًا. وما كان يولِّد النشوة لم يعد يفعل ذلك بالقدر نفسه. فيحتاج المرء إلى شيء آخر، ثم إلى شيء أقوى، ثم إلى تجربة أشد إثارة.
وهنا يمكن أن تصبح بعض أنماط الإفراط في المتعة مفهومة، لا بوصفها بحثًا عن المتعة وحدها، وإنما بوصفها محاولة يائسة لاستعادة إحساس الترقب.
وهذه النقطة بالذات قد تساعدنا على فهم جانب من النزعات التدميرية للذات التي تظهر أحيانًا في البيئات التي تتوافر فيها إمكانات غير عادية للمتعة. فالإنسان الذي اعتاد جرعة عالية من الإثارة قد يجد حياته الطبيعية باهتة. فالحفلة تحتاج إلى حفلة أكبر. و”التجربة” تحتاج إلى تجربة أغرب. واللذة تحتاج إلى لذة أشد.
وهكذا قد يحدث انتقال خفي من “اقتصاد الأمل” إلى “اقتصاد الإثارة”. فوفقاً لاقتصاد الأمل فإنني أتحمل الحاضر لأن المستقبل يعدني بشيء. أما في اقتصاد الإثارة فإنني أحاول أن أجعل اللحظة الحاضرة قوية بما يكفي لكيلا أشعر بفراغ المستقبل! وهذا فارق جوهري. فالإنسان الأول يتحرك نحو الحياة، بينما قد يبدأ الثاني، من غير أن يقصد، باستهلاك الحياة نفسها لكي يشعر بأنه ما يزال حيًا!
ولكن هل هناك مقاربة معرفية أخرى بإمكانها ان تعيننا على فهم متلازمة “ناتالي وود” بشكل أفضل؟
فوفقاً للمقاربة الميتابايولوجية التي ننطلق منها، يمكن دفع السؤال خطوة أبعد. فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أحدثت اختلالًا في علاقة الإنسان بالنظام الطبيعي الذي ينتمي إليه، فإن واحدًا من تجليات ذلك الاختلال قد يكون “تضخم قدرة الدماغ البشري على تمثل المستقبل”. فالحيوان يستجيب، في المقام الأول، لما هو حاضر أو قريب كالجوع والخطر والتزاوج والمأوى والمنافسة. أما الإنسان فلا يعيش في الحاضر وحده، لكنه يعيش في الغد أيضًا. بل يستطيع أن يعاني اليوم بسبب شيء يتخيل أنه سيحدث بعد عشرين عامًا، وأن يفرح اليوم بسبب شيء يأمل أن يحدث بعد عشرة أعوام، وأن يقضي عمره كله في خدمة مستقبل لم يأت بعد. فلقد أصبح المستقبل حاضرًا داخل الدماغ.
ومن هنا يمكن النظر إلى الأمل باعتباره أحد تجليات فائض التمثّل، والذي يتجلى في قدرة الإنسان على إنتاج واقع ذهني لم يقع بعد، ثم الاستجابة له نفسيًا وفسيولوجيًا كما لو كان جزءًا من واقعه الحالي. وهذه القدرة هائلة القيمة؛ فمن دونها ربما ما كانت الحضارة نفسها ممكنة. لكنها تحمل معها هشاشتها الخاصة. فالكائن الذي يستطيع العيش من أجل المستقبل يستطيع أيضًا أن ينهار حين يعجز عن تخيل مستقبل يستحق أن يعيش من أجله!
ومن هنا يمكن صياغة فرضية «متلازمة ناتالي وود» بصورة أكثر تحديدًا. فالإنسان ليس مدمنًا على تحقيق الأمل بقدر ما هو مدمن على استمرار إنتاج الأمل. فالغاية التي يصل إليها ليست نهاية الرحلة الطبيعية لجهاز الرغبة، وإنما ينبغي أن تتحول فورًا إلى نقطة انطلاق نحو غاية أخرى. ولهذا فقد لا يكون أخطر سؤال يواجه الإنسان هو: “هل سأحقق حلمي؟” بل: “وماذا سأفعل إذا حققته؟”.
ولا تقتصر الظاهرة، بهذا المعنى الواسع، على نجوم هوليوود. فيمكن أن نرى صورة مختلفة تمامًا منها لدى بعض المتقاعدين. فقد يقضي الإنسان أربعين عامًا وهو يستيقظ في ساعة محددة، ويرتدي ملابسه، ويذهب إلى مكان معلوم، ويلتقي أناسًا يعرفونه ويعرفهم، ويؤدي دورًا اجتماعيًا واضحًا، وينتظر نهاية الأسبوع، ثم الإجازة، ثم الترقية، ثم إنجاز مشروع، ثم سنة جديدة.
وفجأة يأتي اليوم الذي كان ينتظره طويلًا: التقاعد.
ففي البداية قد يبدو الأمر تحررًا كاملًا. ثم يستيقظ صباحًا. ولا شيء ينتظره. ثم صباح يوم آخر. ولا شيء ينتظره أيضًا. وهنا لا تكون المشكلة بالضرورة فقدان العمل نفسه، بل انهيار البنية الزمنية للأمل التي كان يوفرها العمل. لقد فقد الإنسان الإجابة اليومية عن سؤال بسيط وخطير: ما التالي؟
ولهذا لا يصح القول إن التقاعد في ذاته مأساة؛ فكثيرون يجدون فيه راحة وتجددًا ووقتًا للحياة، كما أن الدراسات العلمية نفسها تعطي نتائج متباينة بشأن علاقته بالصحة النفسية. لكن بعض صور التقاعد، ولا سيما حين تكون غير طوعية أو تقترن بفقدان الدور والغاية والسيطرة على مسار الحياة، تكشف بصورة واضحة مقدار حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأن شيئًا ما لا يزال أمامه.
وهنا ربما ينبغي إعادة تعريف إحدى أشد الأزمات الوجودية الإنسانية قسوة. فالمشكلة ليست دائمًا أن الحياة أصبحت مؤلمة. فقد تكون المشكلة أنها أصبحت مكتملة أكثر مما ينبغي في وعي صاحبها! فلم يعد هناك “بعد أن”: بعد أن أتخرج. بعد أن أتزوج. بعد أن أنجح. بعد أن أصبح مشهورًا. بعد أن أصبح ثريًا. بعد أن أتقاعد. فالإنسان يبني حياته على سلسلة لا تنتهي من “بعد أن”. وكل واحدة منها تفتح التي تليها. ولكن ماذا لو وصل في لحظة ما إلى نقطة لا يستطيع بعدها صياغة «بعد أن» جديدة؟ وهنا قد يبدأ الفراغ! ليس لأن الحياة خالية بالفعل، وإنما لأن آلة تمثل المستقبل لم تعد قادرة على إنتاج صورة قادرة على جذب صاحبها إليها.
وبهذا المعنى يصبح اليأس شيئًا أكثر تعقيدًا من الحزن. فالحزين يستطيع أن يأمل. والمتألم يستطيع أن يأمل. والفقير يستطيع أن يأمل. والمريض يستطيع أن يأمل. بل قد تكون المعاناة نفسها قابلة للاحتمال ما دام هناك مستقبل متخيل يمكن أن تنتهي عنده.
أما الحالة الأخطر فهي أن يفقد الإنسان القدرة على إنتاج المستقبل النفسي ذاته. فعندئذ لا يعود السؤال: “لماذا أتألم؟” بل يصبح: “لماذا أستمر؟”.
وهذه النقطة ينبغي التعامل معها بحذر شديد؛ إذ لا يجوز اختزال السلوك الانتحاري أو الإدمان أو التدمير الذاتي في سبب واحد، فهذه ظواهر معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية ومرضية وبيئية كثيرة. ولكن الفرضية الميتابايولوجية لا تزعم تقديم تشخيص طبي؛ فهي تسأل عن طبقة أعمق محتملة من الظاهرة مفادها: لماذا يحتاج هذا الكائن تحديدًا إلى المستقبل بهذه الشدة؟
ربما تكشف «متلازمة ناتالي وود»، بهذا المعنى المقترح، شيئًا أوسع بكثير من حياة المشاهير؛ إذ أنها تكشف مأزق كائن لم يعد يستطيع الاكتفاء بأن يكون موجودًا. فعليه أن يكون متجهًا إلى مكان ما. ولا تكفيه الحياة، فهو يحتاج إلى مشروع للحياة. كما أنه لا يكفيه اليوم، فهو يحتاج إلى غد. ولا يكفيه أن يمتلك؛ إذ أنه يحتاج إلى شيء لم يمتلكه بعد!
ومن هنا ربما يكون الخطأ الذي نرتكبه حين نتصور السعادة بوصفها لحظة وصول نهائية. فنحن نربي أبناءنا، ونبني مشاريعنا، ونفسر نجاحاتنا، كما لو أن هناك نقطة ما سنصل إليها فنقول: انتهى الأمر، لقد حصلت على ما أريد!
ولكن البنية الإنسانية قد لا تسمح بهذه النهاية السعيدة الساكنة. فالإنسان، ما دام حيًا، يحتاج إلى شيء يحدث لاحقاً! ليس بالضرورة ثروة أخرى، أو شهرة أكبر، أو انتصارًا جديدًا، بل قد يكون كتابًا يريد أن يقرأه أو مكانًا يريد أن يراه أو إنسانًا يريد أن يلتقيه أو معرفة يريد أن يبلغها أو شجرة يريد أن يراها تكبر أو صباحًا آخر لديه سبب صغير يجعله راغبًا في الوصول إليه.
ولعل واحدة من أكثر المهارات الوجودية دلالة ليست أن نتعلم كيف نحقق آمالنا، ولكن أن نتعلم كيف نجدد قدرتنا على الأمل بعد أن نحققه. فربما لم تكن مأساة الإنسان الكبرى أنه قد يموت قبل أن يصل إلى ما يريد، بل ربما تكون هناك مأساة أكثر خفاءً مفادها أن يصل ثم لا يجد شيئًا بعد الوصول يدعوه إلى مواصلة الطريق.
