شرارة كالينينغراد هي كل ما يحتاجه الأمر لتندلع الحرب العالمية الثالثة والأخيرة!

ثمة أماكن لا تمنحها الجغرافيا قيمتها بقدر ما يمنحها التاريخ خطورتها. وقد تكون كالينينغراد اليوم واحدة من أكثر هذه الأماكن إثارة للقلق في العالم؛ فهذا الجيب الروسي الصغير المنفصل جغرافيًا عن بقية الأراضي الروسية، والمحشور بين بولندا وليتوانيا على بحر البلطيق، لا يحتاج إلى أن يكون كبيرًا كي يصبح نقطة احتكاك بين قوتين نوويتين. فيكفي أن ننظر إلى الخريطة لندرك مقدار الحساسية الكامنة في موقعه: أرض روسية تحيط بها دولتان عضوان في حلف شمال الأطلسي، وتستضيف قوات ومنشآت عسكرية روسية مهمة، في منطقة أصبحت أصلًا من أكثر مناطق أوروبا توترًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
والمشكلة أن التوتر الذي كان يمكن قبل سنوات التعامل معه بوصفه افتراضًا استراتيجيًا صار في أواخر سبتمبر/أيلول 2026 موضوعًا لتبادل علني شديد الخطورة بين روسيا والناتو. فقد أرسلت موسكو إلى الحلف مذكرة دبلوماسية حذرت فيها من أنها مستعدة لاستخدام كامل ترسانتها، بما في ذلك الأسلحة النووية، إذا حاولت دول الناتو عزل كالينينغراد عن بقية روسيا. وذهبت المذكرة أبعد من ذلك حين تحدثت عن إمكان استهداف «مراكز صنع القرار» في دول الحلف عند بداية أي صراع من هذا النوع. أما الناتو، فأكد أن أنشطته ذات طبيعة دفاعية وأنها لا تستهدف الأراضي الروسية، وطالب موسكو بالكف عن التهديدات النووية.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين على قدر كبير من الخطورة؛ لأن الخطر نفسه لا يحتاج إلى المبالغة فيه كي يصبح مخيفًا. فوجود نقاشات وتصريحات وسيناريوهات تتناول إمكان عزل كالينينغراد شيء، ووجود قرار أطلسي مثبت بالشروع في حصارها هو شيء آخر. فروسيا تقول إن لديها معلومات عن إعداد حصار جوي وبحري للإقليم، بينما ينفي الناتو أن تكون مناوراته أو أنشطته موجهة ضد الأراضي الروسية. ومن ثم فإن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس أن الحصار قد بدأ، بل أن فكرة الحصار نفسها دخلت رسميًا إلى قاموس التهديد والرد والرد المقابل بين الطرفين.
وهذا وحده ينبغي أن يكون كافيًا لإثارة القلق. فالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا لأن أحد أطرافها قرر، في صباح يوم ما، إشعال حرب كبرى. بل قد تبدأ لأن سلسلة من القرارات الصغيرة، والتصريحات المتصلبة، والاستعراضات العسكرية، وسوء التقدير، وسوء تفسير نيات الخصم، تدفع الأطراف خطوة بعد أخرى إلى مكان لم يكن أي منها يريد الوصول إليه أصلًا. وما يبدو في لحظة ما «رسالة ردع» قد يقرأه الطرف الآخر بوصفه استعدادًا للهجوم، وما يُقصد به إظهار الحزم قد يُفهم باعتباره تمهيدًا للحرب، ثم يصبح الرد على الرد ضرورة لحفظ المصداقية، قبل أن يجد الجميع أنفسهم أسرى منطق لم يعد أحد منهم قادرًا على إيقافه.
وهذه تحديدًا هي الخطورة التي تجعل كالينينغراد مختلفة عن كثير من بؤر التوتر الأخرى. فنحن لا نتحدث هنا عن مواجهة محتملة بين دولتين محدودتي القدرة العسكرية، وإنما عن تماس مباشر محتمل بين روسيا، وهي إحدى أكبر القوى النووية في العالم، وبين دول أعضاء في الناتو، وهو تحالف يقوم ردعه العسكري بدوره على مزيج من القدرات التقليدية والنووية. والناتو نفسه لا يزال يعرّف الأسلحة النووية بأنها مكوّن أساسي في قدراته الشاملة للردع والدفاع.
وهكذا تصبح المشكلة أشبه بآلة تصعيد يمكن فهم منطقها بسهولة، لكن يصعب ضمان إيقافها بعد تشغيلها!
فلنفترض جدلاً أن حادثًا وقع في بحر البلطيق. سفينة تغير مسارها على نحو يُساء تفسيره، أو طائرة عسكرية تقترب أكثر مما ينبغي، أو مناورة بحرية تُفهم في موسكو على أنها بداية تنفيذ لحصار، أو إجراء روسي مضاد تراه إحدى دول الناتو عملًا عدائيًا. فماذا يحدث بعد ذلك؟ قد يأتي التحذير الأول. ثم التحذير المضاد. ثم تحريك القوات. ثم وضع منظومات معينة في درجات أعلى من التأهب. ثم يقع حادث آخر، ربما لم يخطط له أحد أصلًا. وعند هذه النقطة لن يعود السؤال: «من يريد الحرب؟»، وإنما: من يستطيع أن يتراجع أولًا من دون أن يعتقد أن تراجعه سيشجع الطرف الآخر على الذهاب أبعد؟ وهنا تكمن واحدة من أقدم مآسي الردع العسكري والتي تتمثل في أن الطرفين قد يكونان راغبين في تجنب الحرب، ومع ذلك يتصرف كل منهما بكيفية تزيد احتمال وقوعها، وذلك لأن كل واحد منهما يحاول إقناع الآخر بأنه مستعد لخوضها.
ولذلك فإن الحديث عن السلاح النووي في سياق كالينينغراد ينبغي ألا يُعامل بوصفه مجرد فصل آخر من فصول الحرب الكلامية بين موسكو والغرب. ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026 كرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التحذير من التصعيد بشأن الإقليم، وأكد استعداد روسيا لاستخدام الوسائل المتاحة للدفاع عنه، في وقت أصبحت فيه منطقة البلطيق أصلًا مسرحًا متزايد الحساسية للمناورات العسكرية والاتهامات المتبادلة والحرب الهجينة.
وليس المطلوب هنا تبرئة روسيا من مسؤولياتها، ولا تحميل أوروبا والناتو وحدهما مسؤولية الوضع الذي وصلت إليه القارة. فالحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022 غيّرت البيئة الأمنية الأوروبية جذريًا، ودول أوروبا الشرقية والبلطيق تنظر إلى التحركات الروسية من خلال تجربة أمنية جعلتها أكثر حساسية تجاه أي تهديد يأتي من الشرق. وفي المقابل، تنظر موسكو إلى توسع البنية العسكرية للناتو ونشاطه المتزايد في منطقة البلطيق بوصفهما مصدر تهديد لها. وبين هاتين القراءتين المتعارضتين تتكون البيئة المثالية لسوء الحساب. فكل طرف يصف تحركاته بأنها دفاعية، بينما يراها الطرف الآخر هجومية أو تمهيدًا للهجوم.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي: ما الذي يمكن أن تجنيه أوروبا، أو الناتو، أو روسيا، أو العالم كله، من تحويل كالينينغراد إلى اختبار جديد للإرادات؟
فليس كل ما تستطيع الدول فعله ينبغي لها أن تفعله، وليس كل إجراء يمكن تبريره عسكريًا يكون عقلانيًا سياسيًا. ومن علامات النضج الاستراتيجي أن تعرف الدولة متى تكون القوة التي تمتلكها سببًا إضافيًا لضبط النفس، لا ذريعة إضافية لاستخدامها. وكلما ازدادت قدرة الخصمين على تدمير بعضهما بعضًا، ازدادت قيمة المسافة الصغيرة التي يتركانها بين التهديد والتنفيذ.
لقد عاش العالم الحرب الباردة لعقود لأنه تعلم، وأحيانًا بالطريقة الأصعب، أن إدارة العلاقة بين القوى النووية لا تحتمل ألعاب الإذلال والاستفزاز واختبار الأعصاب إلى ما لا نهاية! ولم تكن أزمة الصواريخ الكوبية 1962 درسًا في كيفية الانتصار في مواجهة نووية بقدر ما كانت درسًا في كيفية العثور على باب للخروج منها قبل أن يُغلق الباب الأخير. واليوم قد تكون كالينينغراد واحدة من تلك الأبواب.
والمفارقة التاريخية تكاد تكون من النوع الذي لو ورد في رواية لاتُّهم مؤلفها بالمبالغة. فكالينينغراد الروسية اليوم هي نفسها، في أصلها التاريخي والجغرافي، كونيغسبيرغ الألمانية القديمة، وهي المدينة التي وُلد فيها إيمانويل كانط سنة 1724 وعاش فيها معظم حياته. وفي كونيغسبيرغ نفسها نُشر عام 1795 أحد أشهر نصوص الفلسفة السياسية الحديثة: “نحو السلام الدائم” (Zum ewigen Frieden)، الذي حاول فيه كانط التفكير في الشروط القانونية والسياسية التي يمكن أن تجعل السلام بين الدول أكثر من مجرد هدنة مؤقتة بين حربين. فيا لها من سخرية تاريخية بالغة الدلالة! فالمدينة التي خرجت منها قبل أكثر من قرنين واحدة من أشهر الدعوات الفلسفية إلى سلام دائم بين البشر أصبحت اليوم مكانًا يمكن أن تخرج منه الشرارة التي تهدد بتحويل ذلك الحلم إلى نقيضه المطلق. فكأن التاريخ يضع كتاب كانط القديم إلى جوار الخرائط العسكرية الحديثة، ثم يترك لنا نحن المقارنة.
كان الفيلسوف يحاول أن يسأل: كيف يستطيع البشر إنشاء نظام يجعل الحرب أقل احتمالًا؟ أما عالمنا فيبدو أحيانًا وكأنه يسأل السؤال المعاكس: كم نستطيع الاقتراب من الحرب قبل أن نفقد القدرة على التراجع عنها؟
ولعل أكثر ما ينبغي أن يقلقنا هو ليس وجود قادة يريدون حربًا عالمية ثالثة؛ فالأرجح أن أحدًا من الأطراف الرئيسية لا يريدها، بل الأكثر إثارة للرعب هو إمكان اندلاعها مع أن أحدًا لا يريدها. فهذه هي طبيعة الكوارث الناتجة من سوء الحساب فهي لا تحتاج إلى إرادة واعية بإشعال العالم، بل تحتاج إلى سلسلة قصيرة من البشر الواثقين أكثر مما ينبغي من قدرتهم على السيطرة على الأحداث! فتصريح هنا. وتهديد هناك. مناورة عسكرية. إجراء مضاد. حادث صغير. قرار يُتخذ تحت ضغط الوقت.
ثم يأتي ذلك السؤال الذي لا نريد أن يأتي يوم يُطرح فيه على قادة الدول النووية: هل نتراجع الآن، أم نرد؟ وحين يصل العالم إلى تلك اللحظة فقد تصبح كل النظريات التي كُتبت عن الردع النووي، وكل الحسابات الاستراتيجية، وكل الثقة بعقلانية البشر، رهينة دقائق معدودة.
ولهذا لا تحتاج أوروبا اليوم إلى مزيد من البلاغة العسكرية بقدر حاجتها إلى بلاغة من نوع آخر، ألا وهي بلاغة ضبط النفس. ولا تحتاج روسيا إلى إثبات خطورة ترسانتها النووية؛ فالعالم يعرفها. كما لا يحتاج الناتو إلى إثبات قدرته العسكرية؛ فهي معلومة بدورها. فما يحتاج الطرفان إلى إثباته حقًا هو شيء أصعب بكثير مفاده أنهما يمتلكان من العقلانية السياسية ما يكفي لعدم الوصول إلى اللحظة التي يضطران فيها إلى إثبات كل شيء آخر. فالانتصار الحقيقي في كالينينغراد لن يتحقق بأن ينجح طرف في حصارها، أو أن ينجح الطرف الآخر في كسر حصارها، بل ألا يقع الحصار أصلًا، وألا تصبح الحاجة إلى كسره موضوعًا على مائدة التاريخ، وذلك لأن الحرب العالمية الثالثة، إن اندلعت بين القوى النووية الكبرى، فإنها قد لا تكون حربًا يعقبها مؤتمر سلام جديد، ولا “خطة مارشال” جديدة تعيد بناء المدن، ولا مؤرخون يجلسون بعد عقود ليتجادلوا بهدوء حول الطرف الذي ارتكب الخطأ الأول!
وقد يكون وصفها بـ “الحرب العالمية الثالثة والأخيرة” أقل مبالغة مما نحب أن نعتقد. وما أشد المفارقة لو أن الشرارة التي أشعلتها انطلقت من المكان نفسه الذي جلس فيه إيمانويل كانط قبل أكثر من قرنين يحلم بـ “السلام الدائم”. عندئذ فقط ستكون البشرية قد أجابت عن سؤال كانط. ولكن بأفظع إجابة ممكنة: لقد عثرت أخيرًا على سلامها الدائم، حين لم يعد هناك من يستطيع أن يحارب!

أضف تعليق