ليس السؤال لماذا تتشاجر القردة… بل لماذا يستمر الإنسان في الشجار بعد أن ينتهي؟!

كثيرًا ما استُدعيت مشاهد العنف المسجلة لدى بعض فصائل القردة العليا بوصفها شاهدًا تطوريًا على أن العدوان البشري ليس “اختراعًا ثقافيًا” خالصًا، وأن جذوره تمتد عميقًا في تاريخنا الحيواني. فالشمبانزي، على سبيل المثال، يمكن أن يتشاجر بعنف، وأن يدخل في صراعات على المكانة والموارد والإناث، وأن يشكل تحالفات، بل إن بعض الجماعات رُصد لديها عنف جماعي شديد ضد أفراد من جماعات أخرى. ومن هنا بدا مغريًا أن نقول: ها هو الإنسان يرى في أقربائه التطوريين البعيدين شيئًا من ماضيه: “فالحرب والخصومة والعنف ليست سوى صور متضخمة لما كان موجودًا قبل ظهور الإنسان نفسه”.
لكن ثمة تفصيلًا آخر في سلوك الرئيسيات يستحق، في تقديري، أن يحتل مساحة أكبر بكثير في هذه المقارنة. فماذا يحدث بعد الشجار؟ ذلك أن دراسة العدوان لا ينبغي أن تتوقف عند اللحظة التي يضرب فيها فرد فردًا آخر، أو يطارده، أو يصرخ في وجهه، أو ينتزع منه موزة! فالحدث العدواني ليس سوى جزء من سلسلة سلوكية أطول. وإذا أردنا أن نقارن الإنسان بالحيوان مقارنة معرفية متكاملة، فعلينا أن نتابع المشهد حتى نهايته: ماذا يفعل الخصمان بعد توقف الاشتباك؟ وهل تبقى الخصومة قائمة بعد زوال سببها المباشر؟ وهل يستطيع الطرفان العودة إلى العلاقة الاجتماعية التي كانت قائمة قبل النزاع؟
فهنا تبدأ الصورة في اكتساب معنى مختلف. فقد أظهرت دراسات السلوك الاجتماعي لدى الرئيسيات منذ عقود وجود ما يسميه الباحثون المصالحة  post-conflict reconciliation؛ أي التقارب الودي بين خصمين سابقين بعد انتهاء النزاع. وقد يأخذ ذلك صورًا متعددة بحسب النوع والجماعة والعلاقة بين الفردين: الاقتراب، والملامسة، والتنظيف الاجتماعي  grooming، والعناق، واللعب، والبقاء بالقرب من بعضهما. وليس صحيحًا، بالطبع، أن كل شجار بين القردة ينتهي بمصالحة، ولا أن جميع أنواع الرئيسيات متساوية في هذا السلوك؛ فالاختلافات كبيرة بين الأنواع والجماعات والأفراد والسياقات. لكن وجود آليات منتظمة لإصلاح العلاقات بعد النزاع حقيقة مهمة في علم سلوك الرئيسيات.
وهنا ينبغي أن نتوقف، وذلك لأن السؤال الذي يفرض نفسه هو ليس: لماذا تتشاجر القردة كما نتشاجر نحن؟ بل ربما أيضًا: لماذا نستمر نحن أحيانًا في الخصومة على نحو لا تفعله هي؟ فالتركيز على لحظة العنف وحدها قد يجعل الحيوان يبدو مرآة للإنسان؛ لكن متابعة ما يحدث بعد العنف قد تكشف أن المرآة ليست كاملة. فالحيوان يستطيع أن يعتدي، لكن الاعتداء لديه كثيرًا ما يظل مرتبطًا بسياق حاضر ومباشر: مورد، مرتبة اجتماعية، تنافس، توتر، اقتراب غير مرغوب فيه، أو غير ذلك من دوافع النزاع. وما إن ينتهي الموقف حتى يمكن، في ظروف كثيرة، أن تبدأ آليات استعادة العلاقة الاجتماعية. أما الإنسان فلقد أضاف إلى العدوان شيئًا آخر بالغ الدلالة، ألا وهو القدرة الهائلة على تمثل النزاع ذهنيًا بعد انتهائه ماديًا.
وهنا قد تكمن المسافة الحقيقية بين العنف الحيواني والعنف الإنساني. فاللكمة البشرية لا تنتهي دائمًا حين تنتهي حركة اليد. فقد تستمر سنوات في الذاكرة. والإهانة لا تنتهي بانتهاء الكلمات؛ فقد يعيد الإنسان تشغيلها في ذهنه مئات المرات. والمشاجرة التي استغرقت عشر دقائق تستطيع أن تتحول إلى خصومة تمتد عشرين عامًا. بل إن الإنسان يستطيع أن يورّث أبناءه خصومة لم يشهدوا بدايتها أصلًا، وأن تتحول ذاكرة الاعتداء من تجربة فردية إلى رواية عائلية، ومن الرواية العائلية إلى ذاكرة جماعية، ومن الذاكرة الجماعية إلى هوية سياسية أو قومية أو دينية تستبقي العدو بعد موت الأفراد الذين بدأ بينهم النزاع.
وهذا ما يجعل العدوان الإنساني ظاهرة لا يمكن تفسيرها بمجرد العثور على سلوك عدواني مشابه لدى أسلافنا التطوريين أو أقربائنا من الرئيسيات. فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش النزاع، بل أنه يستطيع أن يتمثله. ولا يكتفي بأن يتذكره، بل يستطيع أن يعيد تفسيره. ولا يكتفي بأن يعيد تفسيره، بل يستطيع أن يبني منه قصة. ولا يكتفي بالقصة، بل يستطيع أن يجعلها جزءًا من تعريفه لنفسه وللآخر. وهكذا يتحول الخصم من فرد فعل شيئًا في لحظة محددة إلى «عدو» يحمل صفة أكثر دوامًا من الفعل الذي ارتكبه.
ومن هنا يمكن اقتراح تمييز معرفي بين “العدوان الأولي” و”العدوان التمثلي”. فالعدوان الأولي هو الحدث السلوكي المباشر، والذي يتمثل في المطاردة، والضرب، والتهديد، والصراع على مورد أو مكانة. وهذا النوع ليس حكرًا على الإنسان، وتقدم الرئيسيات وغيرها من الحيوانات شواهد كثيرة عليه. أما العدوان التمثلي فهو استمرار الصراع بعد انتهاء الواقعة التي ولدته، بواسطة الذاكرة واللغة والتخيل وإعادة السرد والتصنيف والتوقع. فالخصم لم يعد موجودًا أمامي، لكنني أستحضره. والاعتداء انتهى، لكنني أعيد عيشه. والخطر زال، لكنني أتخيله عائدًا. وربما يبدأ الإنسان بعد ذلك بالبحث عن إشارات تؤكد الصورة التي كونها عن خصمه، فيصبح كل فعل جديد دليلًا إضافيًا على صحة الكراهية القديمة. وعندئذ يصبح الماضي قادرًا على إنتاج عدوان جديد في الحاضر.
ومن منظور المقاربة الميتابايولوجية، يمكن النظر إلى هذه النقطة بوصفها إحدى النتائج المحتملة لما أسميه فائض التمثّل. فالقدرة التمثلية التي منحت الإنسان ميزات معرفية استثنائية، كاستحضار الغائب، وتصور المستقبل، وإعادة بناء الماضي، وصياغة الروايات، وتبادل الخبرات بواسطة اللغة، يمكن أن تحمل في داخلها أثرًا جانبيًا بالغ الخطورة، حيث أنها تمنع بعض النزاعات من الموت حين تموت أسبابها المباشرة!
فالحيوان المتخاصم يحتاج، في الغالب، إلى وجود موقف يستثير النزاع. أما الإنسان فيستطيع أن يحمل الموقف معه، حيث يحمله في ذاكرته، وفي اللغة التي يصف بها خصمه، وفي الرواية التي يرويها لنفسه، وفي القصص التي ينقلها إلى الآخرين. ولذلك يستطيع أن ينتقل من عدوان الجسد على الجسد إلى عدوان التمثّل على التمثّل، ومن شخصين يتشاجران حول شيء إلى صورتين ذهنيتين متعاديتين تستمران حتى بعد اختفاء الشيء الذي بدأ الشجار بسببه!
بل لعل واحدة من أخطر خصائص الكراهية البشرية أنها تستطيع الانفصال تدريجيًا عن سببها الأصلي. فبعد سنوات من الخصومة قد لا يعود الطرفان قادرين حتى على تحديد اللحظة التي بدأت منها. وفي النزاعات الجماعية يصبح الأمر أكثر وضوحًا؛ حيث يولد الإنسان داخل جماعة فيجد أمامه خريطة جاهزة للمودة والكراهية؛ هؤلاء «نحن»، وأولئك «هم»، وهؤلاء فعلوا بنا كذا، وأولئك لا يمكن الوثوق بهم. وهكذا يستطيع فرد لم يشهد الاعتداء الأصلي أن يرث انفعاله كما لو أنه وقع عليه شخصيًا!
وهنا يظهر وجه آخر للمفارقة. فنحن نبحث في القردة عن أصل عدواننا، بينما قد يكون الأجدر بنا أن نبحث أيضًا عن سبب عجزنا النسبي عن إيقاف بعض صور العدوان عندما تنتهي الحاجة إليها. فالاختلاف الحاسم ربما لا يكمن في أن الشمبانزي يضرب والإنسان يضرب؛ فهذا مجرد تشابه ظاهر للعيان، وإنما يكمن في أن الإنسان يستطيع، بعد توقف الضرب، أن يجلس وحيدًا في غرفته ويواصل المعركة في رأسه! فيستطيع أن ينتصر فيها مرة، ويُهزم مرة، ويعيد صياغة الحوار، ويتخيل الانتقام، ويستحضر الإهانة، ويضيف إلى الواقعة تفاصيل وتأويلات جديدة، ثم يلتقي خصمه بعد أشهر وقد أصبحت المعركة في داخله أكبر كثيرًا من المعركة التي وقعت فعلًا!
وهكذا يمكن أن يصبح فائض التمثّل حاضنة لفائض العدوان. ولا يعني ذلك أن الإنسان أقل قدرة من الرئيسيات على المصالحة؛ فالإنسان يمتلك بدوره منظومات شديدة التعقيد للتسامح والاعتذار والتعويض والوساطة والمصالحة، بل استطاع أن يحول بعضها إلى مؤسسات أخلاقية وقانونية ودينية وسياسية. كما لا يعني أن الحيوانات تنسى الاعتداء فورًا؛ فالذاكرة الاجتماعية، والتحالفات، وتجنب الخصوم، والتوترات الممتدة موجودة بدرجات مختلفة لدى الرئيسيات، بل المقصود أدق من ذلك. فالقدرات الرمزية واللغوية والسردية لدى الإنسان تمنح الخصومة إمكانًا جديدًا للاستمرار والتضخم وإعادة الإنتاج يتجاوز الحدث المباشر نفسه.
وهذا التصحيح مهم إذا أردنا استخدام سلوك القردة العليا لفهم أصل العنف البشري. فلا يجوز أن نختار من المشهد الحيواني نصفه الذي يشبهنا ثم نتجاهل نصفه الآخر! فإذا كان الشجار بين الشمبانزي شاهدًا على الجذور التطورية للعدوان، فإن المصالحة التي تعقبه ينبغي أن تدخل هي الأخرى في الحساب التطوري نفسه.
وعندها يتغير السؤال جذريًا. فلن يعود السؤال: من أين ورث الإنسان العنف؟ بل سيصبح: إذا كنا قد ورثنا القدرة على العدوان، وورثنا معها أيضًا آليات لإصلاح العلاقات بعد النزاع، فما الذي حدث في المسار الإنساني حتى أصبح بمقدور الخصومة البشرية أن تعيش أطول من الواقعة التي أنشأتها؟ وقد تقودنا الإجابة إلى مفارقة عميقة مفادها أن ما جعل الإنسان أكثر قدرة من سائر الكائنات على تجاوز اللحظة الراهنة هو نفسه ما جعله أكثر قدرة على أن يبقى أسيرًا للحظة انتهت منذ زمن.
فالذاكرة التي تحفظ المعرفة تحفظ الإهانة أيضًا. والخيال الذي يبني المستقبل يستطيع أن يبني الانتقام الذي بوسعه ان يهدم هذا المستقبل. واللغة التي تصلح للمصالحة تصلح للتحريض أيضاً. والرواية التي تمنح الجماعة تاريخًا تستطيع أن تمنحها عدوًا تاريخيًا كذلك!
وبذلك ربما لا تكون المعضلة الإنسانية الكبرى أننا احتفظنا بعدوان الحيوان في داخلنا، وإنما أننا منحنا ذلك العدوان أدوات لم تكن متاحة له من قبل: الذاكرة الممتدة، واللغة، والرمز، والسرد، والهوية، وفوق ذلك كله القدرة على إبقاء الغائب حاضرًا! فالقرد قد ينهي عراكه ثم يعود، في بعض السياقات، إلى الاقتراب من خصمه واللعب أو التنظيف الاجتماعي معه. أما الإنسان فيستطيع أن ينهي عراكه جسديًا، ثم يبدأ عراكًا آخر أشد خطورة في داخله.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن يشغل دراسة العدوان الإنساني مستقبلًا ليس لماذا لم نتخلص من الحيوان الذي فينا، بل لماذا لا ننجح دائمًا في الاحتفاظ بإحدى أكثر قدراته الاجتماعية نفعًا والمتمثلة في أن يعرف أن الشجار، حين ينتهي، ينبغي أحيانًا أن ينتهي فعلًا!

أضف تعليق