كيف حوّلت سموم الاستعمار ريا وسكينة إلى آلات قتل؟

تظل قصة «ريا وسكينة» إحدى أكثر الجرائم غزارة في الوجدان الجمعي العربي؛ حيث يُستعاد اسماهما كرمزين للشر المطلق، أو كنموذجٍ لعتاولة إجرام خرجوا من رحم الفقر والجهل في إسكندرية الحرب العالمية الأولى. غير أن الوقوف عند هذا التفسير الشائع يغفل خيطاً أعمق يربط بين سياسات إمبراطورية كبرى، وبين الجثث التي وُريت التراب تحت بلاط بيوت حارة “اللبان”.
فماذا لو لم تكن تلك الجرائم مجرد “سيكوباتية فردية” أو نتيجة حتمية لبؤس القاع الاجتماعي؟ وماذا لو كان الفعل الإجرامي الموغل في وحشيته وليد بيئة مُسممة كيميائياً أدارها الاحتلال البريطاني، وسلبت الإرادة الأخلاقية لمنفذيها حتى حوّلتهم إلى كائنات مسلوبة الذائقة القيمية؟
لم يكن انتشار المخدرات والخمور المغشوشة في الأحياء الشعبية لمدينة الإسكندرية بدايات القرن الماضي مجرد ظاهرة عابرة. فكما وظّفت الإمبراطورية البريطانية الأفيون في الصين خلال القرن التاسع عشر لكسر إرادة المجتمع الصيني فيما عُرف بـ «حروب الأفيون»، فلقد غضّت سلطات الاحتلال في مصر الطرف عن تدفق هذه السموم إلى الأوساط الشعبية.
وتحت مظلة «الامتيازات الأجنبية» التي حمت كبار المهربين الأوروبيين من القضاء المحلي، حُوِّلت الطبقات الهامشية من العمال والفلاحين إلى صيد سهل للإدمان. فلم تكن الغاية تجارية فحسب، بل كانت سياسية بامتياز؛ إذ كانت تهدف الى تخدير الوعي الجمعي وإشغال الشارع عن التفكير في مقاومة الوجود البريطاني. وفي قلب هذا “القاع المخدّر”، تأسست البؤر التي احتضنت شبكة ريا وسكينة. حيث تؤكد دراسات علم الأعصاب الجنائي أن الإدمان المزمن على المواد الثقيلة والخمور المغشوشة يتجاوز التأثير النفسي اللحظي ليحدث تعطيلاً وظيفياً في القشرة المخية قبل الجبهية، وهي المركز المسؤول عن الكبح الأخلاقي، والتعاطف، والتوازن السلوكي.
وعند هذه النقطة من التسمم المزمن، يعيد الدماغ ترتيب سلم أولوياته الحيوية؛ فلا يعود يرى في «الآخر» كائناً بشرياً يمتلك حق الحياة، بل يراه مجرد «عقبة مادية» أو «وسيلة» للوصول إلى المال الذي يشتري الجرعة القادمة لتسكين أعراض الانسحاب القاتلة.
وهذا التحول هو ما يفسر النمط الغريب لجرائم عصابة ريا وسكينة؛ فالخنق المتكرر والتدفين بدم بارد لم يكن وليد انفعال أو انتقام، بل يعكس حالة من “البلادة الحسية المطلقة”.
ولقد أدار أفراد هذه العصابة جرائمهم عبر دورة انفعالية ميكانيكية حادة تمثلت في ما يلي:

  1. عطش حاد للمخدر يولد فاقة مسعورة في الدماغ.
  2. تخطيط هادئ لاستدراج الضحية (حيث تبقى المهارات التنفيذية سليمة رغم موت الضمير).
  3. توحش ميكانيكي لإزالة الضحية واستلاب حليها.
  4. استعادة التخدير بالمال المسروق لإسكات آلام الانسحاب.
    وتُذكر هذه الحالة السيكولوجية بالنمط الذي يتشكل لدى الأفراد في أعتى ظروف الحروب، وذلك حين تنهار الضوابط الأخلاقية المألوفة لصالح غريزة “القتل الوظيفي”. فتجريد هذه الظاهرة من “الوصمة الشعبية” التي تبني سرديتها على أساس من كون افراد هذه العصابة يمثلون انحرافاً خَلقياً عن النمط السوي للطبيعة البشرية لا تعني تبرئة الجناة أو رفع المسؤولية عنهم، بل يضع الجريمة في نصابها العلمي والتاريخي الصحيح. لقد كانت عصابة ريا وسكينة التجسيد الأكثر قسوة لما يمكن أن يحدث عندما تُستخدم السموم كأداة هيمنة، وعندما يستلب الإدمان أثمن ما يملكه الإنسان: وعيه وذائقته القيمية.

أضف تعليق