حين تؤلّه النفس نفسها… “أنت لن تأتيَني بجديد”!

لعل من أشد المفاهيم الصوفية غموضاً واستعصاءً على سبر غور ماهيتها، على الرغم من لطف اللفظ الذي اختاره المتصوفة للتعبير عنه، مفهوم “النفس”. فالكلمة تبدو لأول وهلة بريئة، بل مألوفة إلى الحد الذي قد يحجب عنا مقدار القسوة الكامنة في بعض ما أراد القوم الإشارة إليه بها. وربما كان اختيارهم لهذا اللفظ نفسه ضربًا من التلطّف، وذلك لأن بعض تجليات النفس، إذا جُرّدت من لغتها الروحية المهذبة وقيلت بأسمائها المباشرة، تكشف عن الإنسان صورة يصعب على ذائقته الأخلاقية أن تتقبلها.
ومن أكثر هذه الصور إزعاجًا أن الإنسان قد لا يكتفي بأن يحب نفسه، أو يعجب بها، أو يفضّل رأيها على آراء الآخرين، وإنما قد يمضي، من حيث لا يشعر، أبعد من ذلك بكثير؛ إذ يقوم بتأليه نفسه.
ولا أعني بالتأليه هنا أن يقف الإنسان أمام المرآة ويعلن أنه إله، ولا أن يعتقد اعتقادًا واعيًا أنه يمتلك صفات الألوهية! فهذه صورة ساذجة ومباشرة لا تكاد تعنينا. فالتأليه الأخطر هو ذاك الذي يحدث من دون إعلان، حين يبدأ الإنسان بإسباغ خصائص لا تليق بالمحدود على ذاته المحدودة، ثم يتصرف على أساسها كما لو كانت من البديهيات!
ولعل أخطر تلك الخصائص الإحاطة بالعلم.
فالإنسان يعرف، من حيث المبدأ، أنه لا يعلم كل شيء. ولو سألته مباشرة: «هل تعرف كل شيء؟» لضحك من سؤالك وأجاب بالنفي من فوره. لكنه قد يعود بعد دقائق ليتصرف في نقاش صغير كما لو أنه  كان يعلم كل شيء!
وهنا تكمن المفارقة. فليس المهم ما يقوله الإنسان عن حدود معرفته، وإنما الكيفية التي يتصرف بها عندما يواجه معرفةً تأتيه من خارج ذاته. فعند تلك اللحظة تحديدًا قد تظهر النفس التي تحدث عنها المتصوفة في واحدة من أكثر صورها خفاءً: رفض احتمال أن يكون لدى الآخر شيء لا أعرفه أنا.
إنها النفس التي تقول لصاحبها، بصوت لا يسمعه أحد: أنت تعرف هذا أصلاً، أنت فكرت في ذلك من قبل، أنت قرأت عنه، وهذا الكلام ليس جديدًا، ولن يستطيع هذا الشخص أن يأتيك بشيء لم يخطر لك.
وحتى عندما يأتي الآخر فعلًا بفكرة جديدة، تبدأ عملية أكثر إثارة للدهشة: إعادة صياغة الجديد بعد سماعه بحيث يبدو قديمًا في ذاكرة المستمع! فيقول: «نعم، هذا ما كنت أقصده»، أو «هذه الفكرة أعرفها»، أو «لقد فكرت في شيء مشابه منذ زمن»، وكأن النفس لا تحتمل أن تسجل في تاريخها المعرفي تلك الجملة البسيطة وشديدة الصعوبة في آن: لم أكن أعرف هذا، وقد تعلّمته منك.
ولعل هذه من أثقل الجمل على النفس البشرية؛ لأنها لا تتضمن مجرد الاعتراف بمعلومة جديدة، وإنما تتضمن اعترافًا أشد عمقًا: أن هناك شيئًا كان موجودًا خارج حدود عالمي المعرفي.
وهنا تحديدًا يقترب الأمر من “تأليه النفس”. فالعلم المطلق، في التصور الديني، صفة إلهية. أما الإنسان فوجوده نفسه قائم على النقص المعرفي: يولد لا يعلم شيئًا، ثم يتعلم، ويخطئ، وينسى، ويصحح، ويكتشف، ويموت وقد بقي من الأشياء التي يجهلها ما لا يقاس بما عرفه. ولذلك فإن إقرار الإنسان بجهله ليس إهانة له، بل هو الوصف الأكثر دقة لطبيعته.
ومع ذلك، ثمة شيء في النفس يقاوم هذا الوصف باستمرار، وذلك لأنها تريد أن تكون مركز العالم المعرفي؛ فلا يكفيها أن تعرف، وإنما تريد أن تشعر بأن ما يستحق أن يُعرف قد مرّ بها بطريقة أو بأخرى. وإذا ظهر أمامها شيء لم تعرفه، حاولت سريعًا إدخاله في تاريخها السابق، حتى لا تضطر إلى الاعتراف بأن حدود العالم أوسع من حدودها.
ومن هنا نفهم ظاهرة شائعة تبدو بسيطة، لكنها قد تخفي وراءها بنية نفسية عميقة: ذلك الإنسان الذي يتعذر عليك أن تحكي له شيئًا من دون أن يخبرك أنه يعرفه؛ ويتعذر عليك أن تقدم له فكرة من دون أن يقول إنه فكر فيها؛ ويتعذر عليك أن تذكر أمامه كتابًا من دون أن يوحي بأنه يعرف مضمونه؛ و يتعذر عليك أن تروي له تجربة من دون أن يقابلها بتجربة أشد منها؛ ويتعذر عليك أن تفتح أمامه نافذة معرفية من دون أن يخبرك بأنه سبق أن نظر منها!
المشكلة هنا ليست في أن الإنسان يعرف أشياء كثيرة. فالمعرفة فضيلة، وسعة الاطلاع جديرة بالتقدير. المشكلة تبدأ عندما يصبح استحالة أن يأتي الآخر بالجديد جزءًا من صورة الإنسان عن نفسه. عندئذ لا تعود المعرفة وسيلة لاكتشاف العالم، وإنما تتحول إلى وسيلة لحماية الأنا. وهذا انقلاب بالغ الدلالة: فالمعرفة التي يُفترض أن توسّع الإنسان تصبح جدارًا يحول بينه وبين المعرفة الجديدة. وكلما عرف أكثر، ازداد اقتناعًا بأنه لم يعد بحاجة إلى أن يتعلم؛ حتى يصل إلى مفارقة عجيبة: أن يصبح اتساع معرفته سببًا في انغلاقه المعرفي!
ولعل المتصوفة حين أكثروا من التحذير من النفس كانوا يدركون شيئًا من هذه المفارقة. فالنفس لا تقول للإنسان دائمًا: «كن شريرًا»، ولا تدفعه بالضرورة إلى ارتكاب الرذائل الفجة التي يسهل اكتشافها. فقد تكون أكثر حيلة من ذلك بكثير؛ إذ قد تدخل عليه من باب فضائله نفسها، أو تدخل من باب العلم فتجعله متعاليًا، أو من باب العبادة فتجعله معجبًا بتقواه، أو من باب الأخلاق فتجعله يحتقر من يراهم أقل أخلاقًا منه، أو من باب الحكمة فتجعله يعتقد أنه أفهم من الجميع، أو من باب التواضع فتجعله مفتونًا بتواضعه!
ولهذا ربما كانت النفس أكثر خطورة حين تتخفى في هيئة الفضيلة منها حين تظهر في هيئة الرذيلة؛ لأن الإنسان يقاوم الرذيلة إذا عرفها، لكنه لا يقاوم شيئًا يعتقد أنه من محاسنه. ومن هنا يصبح الاعتراف البسيط «لا أعرف» أكثر من مجرد موقف معرفي؛ إنه تمرين على إعادة الإنسان إلى حجمه.
وكذلك قول «هذه فكرة لم تخطر لي»، أو «لقد تعلمت منك شيئًا»، أو «كنت مخطئًا»، أو «أحتاج إلى التفكير فيما قلت»؛ فهذه العبارات الصغيرة قد تكون من أكثر علامات النضج المعرفي وضوحًا.
فالإنسان الذي يستطيع أن يقول «لا أعرف» لم يفقد شيئًا من قيمته، بل تخلّى للحظة عن وهم “الإحاطة بكل شيء”،
والإنسان الذي يستطيع أن يتعلم من الأصغر منه، أو الأقل تعليمًا، أو المختلف عنه، فإنه قد حرر المعرفة من هرم المكانة.
والإنسان الذي يفرح حين يأتيه الآخر بجديد لم يعد يرى المعرفة ملكيةً خاصة ينبغي الدفاع عنها، بل فضاءً مفتوحًا يدخل إليه من أي باب.
ولعل هذا يفسر لماذا ارتبطت المعرفة الحقيقية، في تجارب روحية وفلسفية كثيرة، بالتواضع. فليس التواضع هنا أدبًا اجتماعيًا فحسب، وإنما نتيجة معرفية منطقية مفادها كلما اتسعت مساحة ما أعرفه، اتسعت معها الحدود التي أرى وراءها ما لا أعرفه.
أما الجاهل فقد يسهل عليه وهم الإحاطة؛ لأن عالمه صغير بما يكفي لكي يتوهم أنه أحاط به.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة «النفس» وفقاً للمقاربة الصوفية لا باعتبارها كائنًا غامضًا يسكن الإنسان ويأمره بالشر، وإنما باعتبارها، في أحد وجوهها، نزوع الإنسان المستمر إلى تجاوز حدوده من غير أن يتجاوز نقصه: يريد سلطةً أكبر من قدرته، ويقينًا أكبر من أدلته، ومكانةً أكبر من استحقاقه، ومعرفةً أكبر من حدود عقله. أي إنه يريد، بصورة مصغرة وخفية، بعض امتيازات المطلق وهو ما يزال كائنًا محدودًا.
وهنا تصبح العبارة اليومية البسيطة: “لن تستطيع أن تأتيَني بجديد” أكثر من مجرد غرور ثقافي أو استعلاء فكري؛ إذ أنها تكاد تكون إعلانًا ميتافيزيقيًا مصغرًا لا يدرك قائله فداحته؛ لأنه يقول، في جوهره: لقد بلغتُ من المعرفة حدًا أصبحت معه معرفة الآخرين مجرد تكرار لما أعرف!
وما الفرق، من حيث البنية، بين هذا الادعاء وبين ادعاء الإحاطة؟ وربما لهذا كان الصراع مع النفس عند المتصوفة صراعًا طويلًا لا ينتهي بانتصار أخلاقي واحد؛ لأن النفس تستطيع أن تعود من الباب الذي طُردت منه، ولكن بثياب جديدة. فإذا هُزمت في المال ظهرت في العلم، وإذا هُزمت في العلم ظهرت في العبادة، وإذا هُزمت في العبادة ظهرت في الزهد، وإذا هُزمت في الزهد ربما ظهرت في شعور الإنسان بأنه نجح أخيرًا في هزيمة نفسه!
وهذه هي المفارقة الأخيرة والأكثر دهاءً: أن تؤلّه النفس نفسها حتى وهي تزعم أنها تحارب تأليه النفس. ولذلك ربما لا تكون العلامة الأصدق على انتصار الإنسان عليها أن يصل إلى يوم يعتقد فيه أنه صار متواضعًا، وإنما أن يحتفظ، مهما عرف ومهما تعلم ومهما ارتفعت مكانته، بإمكانية حقيقية واحدة مفادها أن يأتيه إنسان آخر غدًا، فيقول له شيئًا لم يعرفه قط. فيصمت. ويستمع. ثم يمتلك من الشجاعة ما يكفي ليقول: هذا جديد عليّ.

أضف تعليق