
ثمة يقين غريب يكاد يشترك فيه البشر كلهم جميعًا، مع أنهم لا يملكون عليه من الأدلة إلا أقل القليل مفاده أن كل واحد منهم يعرف ما الذي يجعله سعيدًا!
فهذا يعتقد أن المال هو ما ينقصه، وذاك يظن أن الحب هو القطعة الأخيرة الغائبة من حياته، وثالث ينتظر المنصب، ورابع الشهرة، وخامس البيت الذي طالما حلم به، وسادس الرحلة التي ظل يؤجلها، وسابع يتصور أن انتقاله إلى مدينة أخرى أو بلد آخر سيضع حدًا لتعاسة لازمته طويلًا. وقد تختلف الأشياء التي نعلّق عليها سعادتنا، لكن البنية النفسية الكامنة وراءها تكاد تكون واحدة: أنا أعرف ما الذي سيجعلني سعيدًا. فكل ما ينقصني هو أن أحصل عليه! لكن من أين جاء الإنسان بهذا اليقين؟ وما الدليل الذي يمتلكه على أنه يعرف بالفعل ما الذي سيجعله سعيدًا، لا ما الذي يتخيل أنه سيجعله كذلك؟
ولعل تاريخ الإنسان الشخصي نفسه هو أول ما ينبغي أن يدفعه إلى الشك في هذا الادعاء. فكم من شيء أراده الإنسان بشدة، ثم حصل عليه، فلم يحدث ما كان يتوقعه؟ وكم من غاية ظل سنوات يعتقد أن حياته ستتغير متى بلغها، فلما بلغها لم يجد وراءها إلا حياة عادية أخرى، بمشكلاتها القديمة وربما بمشكلات جديدة لم تكن في الحسبان؟ وكم من حلم كان يبدو من بعيد كأنه الشاطئ الأخير، فإذا وصل إليه الإنسان اكتشف أنه لم يكن إلا جزيرة صغيرة في بحر لا يظهر له ساحل؟
إن السعادة، بهذا المعنى، تشبه أفقًا “زئبقيًا”: كلما تقدم الإنسان نحوه تراجع أمامه. وليس معنى ذلك أن المال أو الحب أو النجاح أو المكانة أو الإنجاز لا تمنح الإنسان شيئًا من السرور والرضا؛ فهذا إنكار لما نعرفه من تجربتنا اليومية. وإنما تكمن المفارقة في شيء آخر يتمثل في قدرتنا العجيبة على تحويل الشيء الذي نرغب فيه الآن إلى تفسير شامل لسعادتنا المستقبلية. فنحن لا نقول لأنفسنا: «سأسعد بهذا الأمر بعض الوقت»، بل كثيرًا ما نقول، ولو بصورة ضمنية: “حين يحدث هذا، سأكون سعيدًا”. وهنا يبدأ الوهم.
فالإنسان لا يطارد الأشياء وحدها، وإنما يطارد الصور التي كوّنها عنها قبل امتلاكها. وقد تكون الصورة التي صنعها البيت في ذهنه أجمل من البيت، والصورة التي صنعها النجاح أكثر إشباعًا من النجاح، والصورة التي رسمها للحب أكمل من أي علاقة بشرية ممكنة، والصورة التي تخيلها عن الثراء أقدر على إسعاده من الثروة حين تصبح أرقامًا في حسابه.
وبعبارة أخرى، فإن الإنسان لا يعيش بين الأشياء فحسب، وإنما يعيش أيضًا بين تمثلاته لهذه الأشياء.
وهنا تحديدًا يمكن أن يكشف مفهوم فائض التمثّل عن جانب بالغ الدلالة من هذه المفارقة. فالقدرة التمثّلية التي مكّنت الإنسان من تصور ما ليس حاضرًا، ومن بناء المستقبل قبل وقوعه، ومن تخيل الممكن قبل تحققه، لم تمنحه القدرة على التخطيط وحدها؛ وإنما منحته كذلك قدرة تكاد تكون بلا حدود على اختراع أسباب افتراضية للسعادة! فالحيوان يستطيع أن يرغب فيما هو أمامه أو فيما تعلم أن يقترن لديه بالإشباع، أما الإنسان فيستطيع أن يجلس في غرفته وأن يبني حياة كاملة لم يعشها بعد، ثم يشعر بالتعاسة لأن حياته الواقعية لا تطابقها!
وهنا تظهر سلطة فائض التمثّل في أكثر تجلياتها دهاءً.
فهو لا يقول للإنسان: «لن تكون سعيدًا أبدًا». فلو قال له ذلك لانتهت اللعبة. وإنما يقول له في كل مرة: “لقد أخطأت في تحديد الشيء الذي سيجعلك سعيدًا فحسب”. لم يكن المنزل الأول كافيًا؟ ربما تحتاج إلى منزل أكبر ولم تمنحك الوظيفة السعادة التي توقعتها؟ فربما تحتاج إلى منصب أعلى ولم يمنحك المال الطمأنينة؟ ربما لم تجمع منه ما يكفي و لم تحقق العلاقة ما كنت تنتظره؟ ربما لم تعثر بعد على الشخص الصحيح ولم تمنحك الشهرة الرضا؟ ربما تحتاج إلى مزيد منها!
وهكذا لا يُسمح للفرضية الأصلية بأن تسقط أبدًا. فالإنسان نادرًا ما يصل إلى النتيجة الأكثر إزعاجًا: ربما كنت مخطئًا في افتراضي أنني أعرف أصلًا ما الذي سيجعلني سعيدًا. وبدلًا من ذلك، يستبدل فائض التمثّل سببًا بسبب، وغاية بغاية، وحلمًا بحلم، ويعيد دفع الإنسان إلى المضمار مرة أخرى.
وهكذا تتحول السعادة من حالة يُفترض أن يعيشها الإنسان إلى موعد مؤجل باستمرار! سأكون سعيدًا حين…
ولعل هذه الـ«حين» واحدة من أكثر الكلمات سلطة على الحياة البشرية، وذلك لأنها تنقل مركز ثقل الحياة دائمًا من اللحظة التي نعيشها إلى لحظة لم تأت بعد. فالإنسان لا يعيش حياته بقدر ما يعيش انتظار الحياة التي يتصور أنها ستبدأ بعد تحقق شرط ما!
وحين يتحقق هذا الشرط ولا تبدأ الحياة الموعودة، فإن الانسان لا يشك عادةً في المنطق الذي جعله يربط السعادة بذلك الشرط؛ وإنما يبحث عن شرط جديد!
ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر المفارقات قسوة: أن يتحول البحث عن السعادة نفسه إلى أحد أسباب التعاسة. فالإنسان الذي يعتقد أنه يعرف ما الذي سيجعله سعيدًا لا يعاني فقط من غياب الشيء المرغوب فيه، بل يعاني أيضًا من المسافة التي تفصله عنه. وكل يوم يمر قبل بلوغه يبدو له يومًا ناقصًا، وكل عائق يظهر في الطريق يصبح اعتداءً على مستقبله، وكل إنسان سبقه إلى ما يريد يتحول إلى مرآة تذكّره بما يفتقده. ثم إذا بلغ غايته ولم يجد السعادة التي وُعد بها، بدأت معاناة من نوع آخر: ما الخطأ الذي ارتكبته؟ فلقد حصلت على ما كنت أريده، فلماذا لم أصبح سعيدًا؟ وهذا السؤال قد يكون أشد إيلامًا من الحرمان نفسه، وذلك لأن المحروم يستطيع أن يقول لنفسه: «سأكون سعيدًا حين أحصل عليه»، أما من حصل عليه ولم يسعد فقد خسر الشيء الذي كان يمنحه تفسيرًا لتعاسة الحاضر وأملًا في المستقبل معًا!
ولذلك فقد تكون بعض لحظات النجاح الكبرى مصحوبة بفراغ لا يفهمه صاحبها. فالغاية التي كانت تنظّم سنوات من حياته اختفت فجأة بمجرد تحققها، والصورة التي كان يطاردها تحولت إلى واقع، والواقع، كعادته، أقل قدرة من الخيال على المحافظة على بريقه! وما يلبث فائض التمثّل أن يتدخل مرة أخرى لإنقاذ المنظومة، وذلك بقوله: ليست المشكلة في أنك لا تعرف ما الذي يجعلك سعيدًا؛ ولكن المشكلة أنك لم تحصل بعد على الشيء الصحيح!
وهكذا تبدأ المطاردة من جديد.
لعل الإنسان، إذاً، ليس ذلك الكائن الذي يبحث عن السعادة فحسب، بل هو الكائن القادر على أن يتخيل سعادته قبل أن يعيشها، ثم يعاني بسبب الفارق بين السعادة المتخيلة والسعادة الممكنة. وتلك ربما إحدى الأثمان الباهظة التي دفعناها مقابل قدرتنا الاستثنائية على التمثّل. فالخيال الذي مكّننا من بناء المدن قبل أن توجد، واختراع الآلات قبل أن تُصنع، وتصور المستقبل قبل أن يأتي، هو نفسه الذي يستطيع أن يبني لنا حياة مثالية لا يستطيع أي واقع أن يضاهيها! وما إن نقارن حياتنا الفعلية بتلك الحياة المتمثَّلة في وعينا حتى يبدو الواقع ناقصًا، مهما كان غنيًا.
ولذلك ربما لا تكمن المفارقة الكبرى في أن الإنسان يفشل في الوصول إلى السعادة، وإنما في أنه يظل واثقًا، بعد كل إخفاق، بأنه يعرف الطريق إليها! فهو يغير الوجهة ولا يشك في الخريطة! ويستبدل الهدف ولا يراجع الفرضية! ويطارد سرابًا، فإذا وصل إلى الموضع الذي رآه فيه ولم يجد ماءً، لم يتعلم بالضرورة أن يشك في السراب؛ بل يرفع عينيه إلى الأفق، فيرى لمعانًا آخر، ويقول لنفسه: هناك… لا بد أن تكون السعادة هناك!
ولعل بداية النضج المعرفي لا تكون في العثور أخيرًا على «الشيء» الذي سيجعلنا سعداء، وإنما في التواضع أمام سؤال أكثر عمقًا وإزعاجًا مفاده: ومن قال إنني أعرف أصلًا ما الذي يجعلني سعيدًا؟
