حين يبقى الغازي في مكانه… لماذا لا تنتهي جرائم الجنود الأميركيين ضد نساء اليابان؟

ثمة أحداث لا تكمن دلالتها في وقوعها، وإنما في قدرتها الغريبة على أن تقع مرة أخرى بعد أن يكون العالَم قد أقسم، في كل مرة، إنها لن تتكرر. ولعل الجرائم التي ارتكبها بعض أفراد القوات الأميركية المتمركزة في اليابان، ولا سيما في أوكيناوا، بحق نساء وفتيات يابانيات تمثل واحدًا من أكثر الأمثلة إزعاجًا على هذه الظاهرة. فليست القضية حادثة منفردة يمكن ردها إلى انحراف فردي، ولا جريمة عابرة ارتكبها جندي فقد السيطرة على نفسه، وإنما سلسلة تمتد جذورها الموثقة إلى السنوات الأولى التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تعود إلى الظهور بين حين وآخر، كأن العقود التي تفصل بين ضحاياها لم تكن كافية لكي تُغلق الصفحة.
وفي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026 عادت المسألة إلى الواجهة من جديد، بعد توقيف أحد أفراد مشاة البحرية الأميركية في أوكيناوا للاشتباه في قتل امرأة يابانية في أحد فنادق ناهـا. وما يجعل الواقعة أكثر من مجرد خبر جنائي هو أنها تأتي بعد تاريخ طويل من الوقائع التي جعلت العلاقة بين الوجود العسكري الأميركي وسكان أوكيناوا محمّلة بذاكرة ثقيلة من الخوف والغضب والاحتجاج. فمن يستطيع أن يقرأ هذه الواقعة بمعزل عن حادثة الطفلة يوميكو ناغاياما عام 1955، التي اغتُصبت وقُتلت وألقي بجسدها، فتحولت قضيتها إلى رمز مبكر للعنف المرتبط بالوجود العسكري الأميركي في هذه الجزيرة اليابانية؟ ومن يستطيع أن يفصلها تمامًا عن اغتصاب طفلة في الثانية عشرة من عمرها على أيدي ثلاثة عسكريين أميركيين عام 1995، وهي الجريمة التي أخرجت عشرات الآلاف من سكان أوكيناوا إلى الشوارع؟ أو عن جريمة عام 2016 التي اغتُصبت فيها امرأة من أوكيناوا وقُتلت على يد موظف مدني سابق في مشاة البحرية الأميركية؟
بل إن الأرقام التي تنشرها حكومة أوكيناوا نفسها تجعل من الصعب التعامل مع المسألة باعتبارها مجرد تجميع انتقائي لحوادث متفرقة؛ فمنذ إعادة أوكيناوا إلى الإدارة اليابانية عام 1972 وحتى نهاية عام 2023، سجلت السلطات هناك 6,235 جريمة جنائية ارتكبها أفراد من القوات الأميركية، من بينها 586 جريمة مصنفة ضمن الجرائم الخطيرة كالقتل والاغتصاب.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: لماذا يستمر هذا النمط؟ ربما كان الخطأ الأول أن نسأل عن نفسية الجندي الجاني وحده، بدل أن نسأل أيضًا عن البنية النفسية والاجتماعية والسياسية التي يتحرك داخلها. فالإنسان لا يمارس الاستعلاء بالقوة وحدها، وإنما يمارسه كذلك حين يشعر بأن ميزان القوة الذي يحيط به يمنحه موقعًا استثنائيًا إزاء الآخر. وحين يوجد جندي أجنبي مسلح داخل مجتمع لا ينتمي إليه، تحمي وجوده ضرورة استراتيجية كبرى، وتنظم علاقته بالدولة المضيفة اتفاقيات خاصة، وتنتمي دولته إلى القوة التي خرجت منتصرة من حرب انتهت باحتلال ذلك البلد، فإن العلاقة لا تعود علاقة فرد بفرد فقط؛ إذ أنها تتحرك، ولو في الخلفية، داخل تاريخ طويل من المنتصر والمهزوم، والقوي والضعيف، والحامي والمحمي.
وهنا تكتسب حقيقة أن عددًا من أكثر الجرائم إثارة للغضب كانت ضحاياها نساء وفتيات دلالة خاصة. فالمرأة في سياقات الحرب والاحتلال لم تكن تاريخيًا مجرد ضحية محتملة للعنف الجنسي، وإنما أمكن أن تتحول في مخيلة المعتدي إلى تمثيل رمزي للجماعة التي يريد إخضاعها. ولذلك كان اغتصاب النساء في الحروب، منذ أقدم الأزمنة، يتجاوز في كثير من الحالات الاعتداء على الفرد إلى الاعتداء الرمزي على الجماعة التي تنتمي إليها الضحية. فالعدو هنا لا يُضرب في أقوى صوره، وإنما في أضعفها.
ولا تعني هذه الملاحظة، بالطبع، أن كل جندي أميركي في اليابان يحمل مثل هذا الوعي، أو أن كل جريمة ترتكب هناك نابعة من دافع تاريخي أو قومي. فذلك تعميم لا يمكن الدفاع عنه. لكن الظاهرة تصبح جديرة بالتأمل حين ننتقل من نفسية الأفراد إلى سيكولوجيا علاقة القوة نفسها. فلقد عرفت حروب البشر هذه الظاهرة مرارًا. فعندما يختل ميزان القوة اختلالًا شديدًا بين جماعتين، يصبح من السهل على بعض أفراد الجماعة الأقوى أن ينظروا إلى أفراد الجماعة الأضعف لا بوصفهم ذواتًا مساوية لهم، وإنما بوصفهم كائنات تقل درجةً في سلّم القيمة الإنسانية.
وقد شهد التاريخ الأميركي نفسه صورًا متعددة لهذه الآلية، منذ حروب التوسع ضد السكان الأصليين، مرورًا بالحروب والاحتلالات الخارجية، وصولًا إلى بعض التجاوزات التي ارتكبها أفراد القوات الأميركية في مناطق مختلفة من العالم. وهذا لا يجعل العنف «أميركيًا» بطبيعته؛ فالتاريخ يقدم أمثلة لا حصر لها على ارتكاب الجيوش المنتصرة، من أمم وثقافات مختلفة، جرائم بحق المدنيين. وإنما يجعل الحالة الأميركية في اليابان مثيرة للاهتمام بسبب استمرار البنية التي نشأت عقب الحرب بعد انتهاء الحرب نفسها بثمانية عقود.
وهنا تحديدًا تبرز أوكيناوا. فالحرب انتهت عام 1945، والاحتلال الرسمي لليابان انتهى عام 1952، وعادت أوكيناوا إلى الإدارة اليابانية عام 1972، لكن القواعد العسكرية الامريكية بقيت. أي إن إحدى المؤسسات المادية التي أنشأها الانتصار العسكري بقيت قائمة بعدما أصبح المنتصر والمهزوم حليفين!
ومن هنا تنشأ مفارقة سياسية وسيكولوجية عجيبة. فالولايات المتحدة لم تعد عدوًا لليابان، بل أصبحت أهم حلفائها العسكريين؛ واليابان لم تعد دولة محتلة، بل قوة اقتصادية وسياسية ذات سيادة؛ ومع ذلك بقيت في أراضيها، وخصوصًا أوكيناوا، مساحة تذكّر يوميًا بأن العلاقة بين الدولتين وُلدت أصلًا من حرب انتهت بانتصار إحداهما وهزيمة الأخرى.
ولعل هذا هو السياق الذي ينبغي أن نفهم داخله الجدل المستمر حول اتفاقية وضع القوات الأميركية في اليابان  (SOFA). فالقول إن العسكري الأميركي لا يمكن محاكمته أمام القضاء الياباني ليس دقيقًا؛ إذ يمتلك القضاء الياباني اختصاصًا في طائفة مهمة من الجرائم المرتكبة في اليابان. لكن الاتفاقية أنشأت “ترتيبات خاصة” بشأن الاختصاص والحجز، كان من أكثرها إثارة للجدل بقاء المشتبه به الموجود في حيازة السلطات الأميركية لدى الجانب الأميركي إلى أن توجه إليه اليابان الاتهام رسميًا! وقد انفجر الاعتراض الشعبي على هذه المسألة خصوصًا بعد جريمة عام 1995، الأمر الذي أدى إلى اتفاق لاحق تعهدت الولايات المتحدة بموجبه بالنظر بصورة إيجابية في الطلبات اليابانية لتسليم المشتبه بهم قبل توجيه الاتهام في بعض جرائم القتل والاغتصاب الخطيرة.
لكن المشكلة الأعمق لا تختفي بتعديل إجراء هنا أو تحسين آلية هناك. إذ يبقى السؤال قائمًا: لماذا يحتاج جندي أجنبي يرتكب جريمة ضد مواطن في دولة ذات سيادة إلى منظومة قانونية “استثنائية” أصلًا؟! فالاستثناء القانوني، مهما كانت أسبابه العسكرية والدبلوماسية، يمتلك أثرًا نفسيًا يتجاوز نصوص الاتفاقيات؛ إذ أنه قد يخلق لدى المجتمع المضيف انطباعًا بأن هناك طبقتين من البشر على أرض واحدة: مواطن يخضع مباشرة لقانون بلاده، وعسكري أجنبي تقف بينه وبين القانون المحلي دولة أخرى ومؤسسة عسكرية واتفاقية دولية.
وهذا الشعور وحده كافٍ لكي يحول كل جريمة جديدة إلى استدعاء لجميع الجرائم السابقة. ولذلك لا تعود الضحية امرأة يابانية واحدة، ولا يعود الجاني جنديًا أمريكياً واحدًا! بل تتحول الضحية في الذاكرة الجمعية إلى امتداد للضحايا السابقات، ويتحول الجندي إلى امتداد لوجود عسكري يعود في أصله إلى الحرب والاحتلال.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل لبيرل هاربر مكان ما في هذه القصة؟ لا نملك دليلًا يسمح لنا بالقول إن جنديًا أميركيًا يرتكب جريمة في أوكيناوا في القرن الحادي والعشرين يفعل ذلك مدفوعًا بذاكرة الهجوم الياباني على بيرل هاربر في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941. بل سيكون من التعسف العلمي والنفسي أن ننسب إلى أفراد دوافع تاريخية لا دليل على أنهم يحملونها أصلًا. ولكن هذا لا يمنعنا من طرح سؤال مختلف وأكثر دقة: هل تستطيع المؤسسات العسكرية أن تتحرر تمامًا من السرديات التاريخية التي أسست هويتها؟ فالجيش الأميركي دخل الحرب العالمية الثانية ضد اليابان بعد بيرل هاربر، وخاض معها حربًا اتسمت بدرجات هائلة من نزع الإنسانية المتبادل، ثم انتهت الحرب بقصف ذري واحتلال عسكري كامل وإعادة تشكيل سياسية لليابان. ومن ثم فإن العلاقة العسكرية الأميركية ـ اليابانية لم تولد بين طرفين متكافئين قررا التحالف، وإنما خرجت من رحم مواجهة كان كل طرف فيها قد تعلم أن يرى الآخر بوصفه عدوًا وجوديًا. وقد تختفي الحرب من القوانين والخطابات الرسمية، لكن السؤال هو: هل تختفي آثارها بالسرعة نفسها من المؤسسات والرموز والذاكرة الجمعية؟!
ربما لا يكون بيرل هاربر «سببًا» لهذه الجرائم؛ وليس لدينا ما يسمح لنا بالقول بذلك. لكن بيرل هاربر والحرب والاحتلال والقواعد العسكرية واتفاقية وضع القوات هي كلها جميعاً أجزاء من تاريخ القوة الذي تشكل داخله الوجود العسكري الأميركي في اليابان.
وهذا التمييز بالغ الدلالة. فنحن لا نبحث عن عذر للجاني في التاريخ، وإنما نحاول أن نفهم لماذا تستطيع بنية معينة أن تعيد إنتاج الإحساس بالتفوق والاستثناء بعد أن تكون الأسباب التاريخية الأولى التي أنشأتها قد زالت منذ زمن بعيد!
ولعل ذلك يقودنا إلى تفسير مختلف لما يبدو أحيانًا «غضًا أميركيًا للطرف» عن هذه الجرائم. فليس من الدقة القول إن الحكومة الأميركية تتجاهل كل جريمة؛ إذ صدرت مرارًا بيانات اعتذار وإدانة، واتخذت إجراءات تأديبية ووقائية، وتعاونت السلطات الأميركية في قضايا مع القضاء الياباني. ولكن المشكلة أن واشنطن لم تكن مستعدة في المقابل للتخلي عن البنية القانونية والاستراتيجية التي ترى أنها ضرورية لاستمرار وجود قواتها. وهنا يقع التعارض الحقيقي: فما تراه واشنطن ضرورة عسكرية قد يراه سكان أوكيناوا امتيازًا سياديًا. وما تراه المؤسسة العسكرية الأميركية حماية قانونية لازمة لأفرادها في الخارج قد يراه المواطن الياباني شكلًا من أشكال عدم المساواة أمام القانون. وما تعتبره الدولتان ثمنًا لا بد منه للتحالف الأمني قد تعتبره أسرة امرأة مقتولة ثمنًا لم تختر قط أن تدفعه!
ولذلك ربما تكون القضية أكبر من الولايات المتحدة واليابان معًا؛ إذ أنها تكشف خصلة شديدة القدم في الإنسان مفادها أن القوة لا تكتفي بأن تمنح صاحبها القدرة على الفعل، وإنما قد تعيد تشكيل تصوره لحدود ما يحق له فعله.
ومن هنا يصبح الاستعلاء أخطر حين يتحول من شعور شخصي إلى بنية؛ لأن الفرد المستعلي يمكن ردعه، أما الاستعلاء الذي يجد حوله تاريخًا من التفوق ومؤسسة قوية ووضعًا قانونيًا استثنائيًا واختلالًا واضحًا في ميزان القوة، فإنه يستطيع أن يعيش أطول كثيرًا من الأفراد الذين يحملونه.
ولعل المفارقة الأشد قسوة أن اليابان والولايات المتحدة أصبحتا منذ عقود حليفتين، وأن أجيالًا كاملة وُلدت بعد بيرل هاربر والحرب والاحتلال، ومع ذلك لا تزال امرأة يابانية يمكن أن تُقتل على يد جندي ينتمي إلى جيش جاء أجداده العسكريون إلى هذه الجزر أول مرة بوصفهم جيشًا منتصرًا.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أعمق من سؤال: لماذا ارتكب هذا الجندي هذه الجريمة؟ فالسؤال هو: كم يحتاج المنتصر من الزمن لكي يكف عن التصرف، ولو في بعض تجليات قوته، كما لو أنه لا يزال منتصرًا؟! وكم يحتاج المهزوم من الزمن لكي يصبح حليفًا مساويًا تمامًا، لا حليفًا تقبع على أرضه قواعد عسكرية ولأفرادها وضع قانوني لا يتمتع به المواطن العادي؟
وربما كانت الإجابة الأكثر إزعاجًا هي أن الحروب قد تنتهي بتوقيع وثيقة في يوم محدد، أما سيكولوجيا المنتصر والمهزوم فلا تمتلك يومًا معلومًا تنتهي فيه. وهذا تحديدًا ما يجعل كل امرأة تسقط ضحية لجريمة جديدة في أوكيناوا لا تعيد فتح ملف جنائي فحسب، بل تعيد فتح سؤال ظن العالم أنه أغلقه منذ عام 1945 مفاده: متى ينتهي الاحتلال فعلًا: حين يرحل جيش المحتل، أم حين تزول آخر بنية تسمح لإنسان بأن يشعر، على أرض إنسان آخر، بأنه “أكثر استثنائية” منه؟

أضف تعليق