الديمقراطية الجائرة… أهلًا بكم إلى القرن الحادي والعشرين!

لعل من أغرب المفارقات التي يمكن أن يشهدها القرن الحادي والعشرون أن تصبح «الديمقراطية» نفسها بحاجة إلى من يذكّرها بمعنى الديمقراطية! فالكلمة التي استُهلكت في الخطب السياسية إلى الحد الذي كادت معه تفقد قدرتها على إثارة السؤال، تحمل في أصلها اللغوي والسياسي معنى بالغ البساطة: حكم الشعب. وتعرّفها المراجع السياسية والقانونية الحديثة بأنها نظام تكون فيه سلطة الحكم للشعب، يمارسها مباشرة أو من خلال ممثلين ينتخبهم. ولا تقف الديمقراطية الحديثة، في مفهومها الأوسع، عند مجرد عدّ الأصوات؛ إذ تقترن كذلك بالمساواة السياسية، وحرية الاختيار، وخضوع الحاكم للمساءلة، وبقاء المواطن مواطنًا كامل الحقوق بصرف النظر عن الحزب الذي صوّت له.
ولكن ماذا يحدث حين يقف رئيس دولة ديمقراطية ليقول لمواطنيه، في جوهر خطابه الانتخابي: إذا فاز حزبي، حصلتم على خمسة آلاف دولار؟!
هذا، على وجه التقريب، هو السؤال الذي يطرحه التعهد الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشية انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وذلك حين أعلن أنه سيصدر ما سماه «Trump Dividend»(عائد ترامب)، بقيمة خمسة آلاف دولار لكل مواطن أمريكي بالغ، إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
فالمفارقة هنا ليست في الخمسة آلاف دولار. وليست في ما إذا كان توزيع مبلغ كهذا سياسة اقتصادية حكيمة أو غير حكيمة؛ فهذه مسألة أخرى تمامًا، يستطيع الاقتصاديون أن يختلفوا بشأنها، كما يستطيع الكونغرس أن يناقش مصادر تمويلها وآثارها في العجز والتضخم. فالمفارقة تكمن في كلمة صغيرة جدًا: إذا، “إذا” فاز الجمهوريون.
فهذه الـ«إذا» هي التي تنقل المسألة من الاقتصاد إلى الفلسفة السياسية؛ لأنها تجعلنا نسأل: إذا كان المال مالًا عامًا، وكان المواطنون الذين سيحصلون عليه مواطنين أمريكيين، فما العلاقة المنطقية بين استحقاقهم منفعة عامة وبين الحزب الذي يفوز في الانتخابات؟
هنا تبدأ المفارقة. فالديمقراطية تفترض، من حيث المبدأ، أن الناخب يختار السلطة، لا أن السلطة تضع الناخب أمام منفعة مادية معلقة على اختياره! والحكومة الديمقراطية تدير أموال الدولة نيابة عن المواطنين جميعًا، لا نيابة عن الذين صوّتوا للحزب الذي يحكمها. أما الانتخابات فوظيفتها أن تمنح المواطن فرصة الاختيار بين برامج وسياسات ومرشحين، لا أن تجعل حصوله على منفعة مالية عامة مرتبطًا بانتصار أحد المتنافسين.
والفارق دقيق، لكنه جوهري. فمن المشروع تمامًا أن يقول حزب للناخبين: إذا انتخبتمونا فسوف نخفض الضرائب، أو نرفع الإنفاق على التعليم، أو نوسع التأمين الصحي، أو نعيد توزيع الدخل بطريقة مختلفة. فهذا هو جوهر المنافسة السياسية: برامج متعارضة يختار المواطن بينها، ولكن الأمر يصبح أكثر إثارة للإشكال المفهومي حين تتحول الرسالة إلى صيغة شخصية ومباشرة: إذا فزنا، ستحصل أنت على شيك بخمسة آلاف دولار. لأن البرنامج السياسي هنا يكاد يختزل المسافة بين “السياسة العامة” و”العائد الشخصي المباشر”.
ومن المهم مع ذلك ألا نقفز من هذه الملاحظة إلى وصف قانوني غير مثبت. فالتعهد ليس، بمجرد صيغته السياسية، مساويًا تلقائيًا لـ«شراء الأصوات» بالمعنى الجنائي؛ فالمال الموعود ليس مشروطًا بأن يثبت المواطن أنه صوّت للجمهوريين، بل بنتيجة انتخابية عامة، كما أن تنفيذ التعهد نفسه يحتاج إلى تشريع وتمويل. لكن عدم انطباق وصف جنائي بعينه لا يلغي السؤال الفلسفي الذي تثيره الصيغة. فالسياسة لا تبدأ حيث يبدأ القانون، ولا تنتهي حيث ينتهي. فقد يكون الفعل قانونيًا، ومع ذلك يظل جديرًا بأن نسأل عن أثره في معنى العملية الديمقراطية ذاتها.
ولنضع المسألة في تجربة ذهنية بسيطة. لنفترض أن حزبًا آخر وصل إلى السلطة بعد سنوات، ثم قال رئيسه للأمريكيين: إذا فاز حزبي فسأمنح كل مواطن عشرة آلاف دولار، أما إذا فاز خصومي فلن يكون هناك شيء. ثم جاء الحزب المنافس في الانتخابات التالية فقال: بل نحن سنمنحكم خمسة عشر ألفًا. ثم جاء ثالث فقال: عشرين ألفًا.
عند أية نقطة تتوقف الانتخابات عن كونها منافسة بين تصورات مختلفة لإدارة الدولة، وتبدأ بالتحول إلى مزاد تتنافس فيه القوى السياسية على ما تستطيع أن تعرضه مباشرة على الناخب؟
وهنا تحديدًا تظهر مشكلة أعمق مما يبدو. فالديمقراطية لا تعني فقط أن تحكم الأغلبية، وذلك لأن حكم الأغلبية إذا انفصل عن المساواة في المواطنة وعن الحدود الدستورية وعن الحقوق التي لا ينبغي أن تتغير بتغير الفائز، يمكن أن ينتج نظامًا انتخابيًا من دون أن يحقق بالضرورة كل القيم التي ارتبطت تاريخيًا بالديمقراطية الدستورية.
ولهذا لا تكفي صناديق الاقتراع وحدها لتعريف الديمقراطية الحديثة. فلو كان الأمر مجرد «من حصل على أصوات أكثر يفعل ما يشاء»، لما احتجنا إلى دستور، ولا فصل بين السلطات، ولا قضاء مستقل، ولا حماية للأقليات، ولا قيود على استعمال السلطة العامة. فالديمقراطية، بهذا المعنى، ليست سلطة الأغلبية المطلقة، وإنما هي سلطة أغلبية مؤقتة تحكم مجتمعًا يتكون من مواطنين متساوين، بمن فيهم الذين صوّتوا ضدها.
وهنا يصبح تعهد الخمسة آلاف دولار مثيرًا لسؤال لا يتعلق بترامب وحده، ولا حتى بالحزب الجمهوري وحده، وإنما بمستقبل الديمقراطية نفسها: هل يجوز للحكومة أن تجعل منفعة مالية عامة مرتبطة سياسيًا ببقائها هي أو ببقاء حزبها في السلطة؟ قد يقول المدافع عن التعهد: نعم؛ فما هذا إلا برنامج انتخابي، ولا يختلف من حيث المبدأ عن الوعد بتخفيض الضرائب أو زيادة الإعانات أو رفع الأجور أو توسيع الخدمات الاجتماعية. والناخب حر في النهاية في أن يقبل العرض السياسي أو يرفضه. وهذه حجة ينبغي أخذها بجدية. ولكن الاعتراض المقابل يقول إن ثمة فارقًا بين أن تقول للناخب: «سنتبنى سياسة اقتصادية نعتقد أنها ستزيد دخلك»، وبين أن تقول له: «إذا فزنا، ستحصل على خمسة آلاف دولار». ففي الحالة الأولى يبقى المال جزءًا من سياسة عامة؛ أما الثانية فتجعل العلاقة بين نتيجة الصندوق والمنفعة النقدية المباشرة أكثر وضوحًا وشخصنة.
ولعل هذه المنطقة الرمادية هي الأكثر إثارة للاهتمام، وذلك لأن السؤال لم يعد: هل توجد انتخابات حرة؟ بل أصبح: ماذا نفعل بحرية الانتخابات حين تدخل القوة المالية للدولة نفسها إلى فضاء الإغراء الانتخابي؟ وإذا كان المال الذي ستُدفع منه هذه الشيكات مالًا عامًا، سواء أتى من الرسوم الجمركية أو الضرائب أو الاقتراض أو غير ذلك، فهو ليس مال الرئيس ولا الحزب الجمهوري ولا الحزب الديمقراطي. إنه مال الدولة، والدولة، في التصور الديمقراطي، ليست ملكًا للحزب الذي يفوز بها أربع سنوات. إنها ملك المواطنين جميعًا.
ومن هنا تظهر المفارقة التي يمكن أن نسميها “الديمقراطية الجائرة”: ليست نظامًا أُلغي فيه التصويت، وإنما وضعًا يمكن أن تبقى فيه صناديق الاقتراع قائمة بينما يبدأ مبدأ المساواة السياسية بالتعرض لضغط منطق آخر؛ منطق يقول للمواطن إن نتيجة اختياره السياسي قد ترتبط مباشرة بما سيدخل جيبه.
وليس الخطر في خمسة آلاف دولار بذاتها. بل الخطر، إن أصبح هذا الأسلوب قاعدة تتنافس الأحزاب في تطويرها، أن يتحول المواطن بالتدريج من صاحب السيادة إلى متلقٍ للعروض، وأن تتحول الانتخابات من سؤال: أي مشروع تريد لبلدك؟ إلى سؤال: أي عرض تريد لنفسك؟ وعندها قد نكون قد احتفظنا بكل المظاهر الخارجية للديمقراطية: مرشحون، وحملات، ومناظرات، وصناديق اقتراع، وفرز أصوات، وإعلان فائز…
لكننا نكون قد بدأنا بتغيير شيء أعمق بكثير: معنى العلاقة بين المواطن والسلطة. فالناخب في الديمقراطية هو الذي يمنح السياسي السلطة. أما حين يصبح السياسي هو الذي يعد الناخب بمكافأة مالية مباشرة مشروطة بانتصاره، فإن العلاقة تقترب، ولو على مستوى المنطق السياسي لا الوصف القانوني، من أن تنقلب على رأسها!
وهنا يصبح من المشروع أن نعود إلى أبسط تعريف للديمقراطية: حكم الشعب. ثم نسأل: إذا كان الشعب هو صاحب السلطة أصلًا، فلماذا يبدو المشهد أحيانًا وكأن صاحب السلطة يقف أمام الحاكم منتظرًا منه أن يقول: انتخب حزبي… وسأعطيك خمسة آلاف دولار؟!
فيا لها من رحلة طويلة قطعتها الديمقراطية منذ أثينا القديمة!
ويا لها من مفارقة أن نحتاج، بعد أكثر من ألفي عام من ولادة الكلمة، إلى فتح المعجم من جديد لنسأل عن معناها.
أهلًا بكم إلى القرن الحادي والعشرين!

أضف تعليق