
ثمة فارق بالغ الدلالة بين أن نحذر من خطر محتمل، وأن نحوّل هذا الخطر إلى مستقبل يكاد يبدو محتومًا. وهذا الفارق هو بالضبط ما ينبغي التوقف عنده في تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال زيارته إلى العاصمة الأوكرانية كييف في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وذلك حين قال: “إذا لم يتم إيقاف روسيا، فإن آلتها الحربية ستنقلب علينا عاجلًا أم آجلًا”. وقد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، امتدادًا طبيعيًا للخطاب الأوروبي القائل إن الدفاع عن أوكرانيا هو في الوقت نفسه دفاع عن أوروبا. لكن المشكلة تبدأ حين ننتقل من التضامن السياسي والعسكري مع أوكرانيا إلى افتراض ضمني مختلف تمامًا: أن روسيا، إذا لم تُهزم أو تُوقَف في أوكرانيا، فإنها ستواصل تقدمها حتى تصبح ألمانيا نفسها هدفًا لحرب روسية لاحقة.
وهنا ربما يكون من المفيد أن يعيد المستشار الألماني قراءة المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي. فألمانيا ليست أوكرانيا.
وهذه ليست ملاحظة جغرافية، ولا حكمًا على القيمة الاستراتيجية والجيوسياسية لهذه الدولة أو تلك، وإنما حقيقة قانونية واستراتيجية ذات دلالة بالغة. فأوكرانيا ليست عضوًا في حلف شمال الأطلسي، في حين أن ألمانيا عضوة فيه. وهذا الفارق وحده يغيّر جذريًا طبيعة الحسابات التي يتعين على أي دولة أن تجريها قبل التفكير في شن هجوم عسكري مباشر على الأراضي الألمانية.
فالمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تقرر أن أي هجوم مسلح على دولة أو أكثر من دول الحلف في أوروبا أو أميركا الشمالية يُعد هجومًا على الجميع، وأن الدول الأعضاء ستساعد الدولة المعتدى عليها، منفردة وبالتنسيق مع بقية الحلفاء، بما تراه ضروريًا، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة.
وهكذا فإن «توجيه الآلة الحربية الروسية إلى ألمانيا» لن يعني، من الناحية الاستراتيجية، مجرد انتقال الحرب من أوكرانيا إلى دولة أوروبية أخرى؛ بل سيعني انتقالها من حرب روسية ـ أوكرانية إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. وهنا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الخطاب السياسي: هل من المنطقي التعامل مع السيناريوهين كما لو كانا امتدادًا طبيعيًا أحدهما للآخر؟
فإذا كانت موسكو قد اتخذت قرار الحرب على أوكرانيا وهي تعلم أن أوكرانيا ليست مشمولة بالمظلة الدفاعية للمادة الخامسة، فإن اتخاذ قرار مماثل ضد ألمانيا يعني قبول مخاطرة مختلفة نوعيًا: الدخول في مواجهة مع تحالف عسكري يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبولندا وعشرات الدول الأخرى، فضلًا عن وجود قوى نووية داخل ذلك التحالف. ولذلك فإن السؤال هو ليس ما إذا كانت روسيا «تحب» ألمانيا أو تكنّ لها نيات سلمية؛ فالعلاقات الدولية لا ينبغي أن تُبنى على افتراض حسن النيات أصلًا. فالسؤال الأكثر عقلانية هو: ما الذي ستربحه روسيا من مهاجمة ألمانيا مقارنة بما ستخاطر بخسارته؟
وهنا تحديدًا تظهر الوظيفة الحقيقية للمادة الخامسة: الردع.
فالغاية الكبرى من التحالف العسكري ليست أن يخوض الحرب بعد وقوعها فحسب، وإنما أن يجعل كلفة البدء بها مرتفعة إلى الحد الذي يدفع الخصم إلى الامتناع عنها أصلًا. ولذلك فإن نجاح المادة الخامسة لا يُقاس بعدد المرات التي خاض فيها الحلف حربًا دفاعًا عن أحد أعضائه، بل يمكن القول إن أحد أهم مقاييس نجاحها هو عدد الحروب التي لم تقع لأن الخصوم كانوا يعرفون مسبقًا ما الذي قد يترتب على وقوعها!
ومن هنا تصبح عبارة ميرتس جديرة بمزيد من التفكيك. فإذا كانت «الآلة الحربية الروسية» ستتجه حتمًا إلى ألمانيا بعد أوكرانيا، فما معنى عضوية ألمانيا في الناتو إذن؟! وما معنى الردع الجماعي؟! وما معنى عشرات السنين من بناء منظومة أمنية أوروبية ـ أطلسية تقوم فلسفتها بأكملها على جعل الاعتداء على عضو واحد مخاطرة بمواجهة الجميع؟!
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن المادة الخامسة تعويذة سحرية تمنع الحرب، ولا أنها ضمانة ميكانيكية تجعل أي صدام روسي ـ أطلسي مستحيلًا. فالتاريخ لا يمنح الدول ضمانات مطلقة، وسوء التقدير والحوادث والتصعيد غير المقصود تظل جميعها احتمالات قائمة. كما أن نص المادة نفسها يترك لكل دولة عضو تحديد طبيعة الإجراء الذي تراه ضروريًا للرد على الاعتداء. ولكن الاعتراف بهذه الاحتمالات شيء، وتصوير انتقال الحرب الروسية من أوكرانيا إلى ألمانيا باعتباره المسار الطبيعي التالي إذا لم «تُوقف روسيا» شيء آخر تمامًا!
بل إن المفارقة أن المنطق الذي يقوم عليه حلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه عام 1949 هو منع هذا السيناريو تحديدًا. فالرسالة الموجهة إلى أي خصم محتمل بسيطة مفادها: تستطيع أن تفكر في مهاجمة دولة عضو، لكنك لن تستطيع أن تحسب نتائج ذلك الهجوم كما لو أنك تواجه تلك الدولة وحدها. ولهذا كان الأجدر بالخطاب الأوروبي أن يميز بين حجتين مختلفتين: الأولى هي أن أوروبا ترى أن من مصلحتها الاستراتيجية دعم أوكرانيا ومنع روسيا من تحقيق أهدافها بالقوة، خشية أن يؤدي نجاح استخدام القوة في تغيير الحدود إلى زعزعة النظام الأمني الأوروبي. وهذه حجة يمكن مناقشتها والاختلاف حول مقدار الدعم الذي تستلزمه ووسائله وحدوده. أما الثانية فهي أن عدم إيقاف روسيا في أوكرانيا يعني أنها ستتجه بعد ذلك إلى ألمانيا. وهذه حجة أشد بكثير، لأنها تفترض سلسلة من القرارات الروسية المستقبلية، من بينها قرار بالغ الخطورة يتمثل في مهاجمة دولة عضو في حلف نووي جماعي. والخلط بين الحجتين لا يقوي الأولى، بل ربما يضعفها.
فالسياسة الرشيدة لا تحتاج إلى تضخيم الأخطار لكي تبرر قراراتها؛ بل تحتاج إلى تعريفها بدقة. وإذا كان ثمة خطر روسي على ألمانيا، فينبغي تحديد طبيعته: هل هو هجوم عسكري مباشر؟ أم حرب سيبرانية؟ أم تخريب للبنى التحتية؟ أم حرب هجينة؟ أم ضغط سياسي واقتصادي؟ أم احتمال تصعيد عسكري غير مقصود بين روسيا والناتو؟ ذلك أن جمع هذه الأخطار كلها في صورة واحدة اسمها «الآلة الحربية الروسية ستتجه إلينا» قد يكون مؤثرًا بلاغيًا، لكنه أقل فائدة حين نريد بناء سياسة أمنية على تحليل دقيق للمخاطر.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن أوروبا، كلما أكدت أن روسيا ستهاجم دول الناتو إذا لم تُهزم في أوكرانيا، فإنها تطرح من حيث لا تقصد سؤالًا عن قوة الردع الذي أمضى الحلف ثلاثة أرباع قرن في بنائه. فإما أن تكون المادة الخامسة ومجموع القدرات العسكرية والنووية والاقتصادية لدول الحلف تشكل قوة ردع ذات مصداقية، وعندئذ ينبغي إدخال هذه الحقيقة في أي تقدير لاحتمال أن تقرر روسيا مهاجمة ألمانيا؛ وإما أن يكون هذا الردع عاجزًا عن التأثير في الحسابات الروسية، وعندئذ تصبح المشكلة أعمق كثيرًا من الحرب في أوكرانيا. ولهذا ربما لا يحتاج المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى خريطة جديدة للجبهة الأوكرانية بقدر ما يحتاج، قبل إطلاق مثل هذه العبارات، إلى إعادة فتح الوثيقة القصيرة التي وُقّعت في واشنطن سنة 1949 وقراءة المادة الخامسة منها مرة أخرى. فتلك الوثيقة لم تُكتب لكي تخبر أعضاء الحلف بما ينبغي عليهم فعله بعد وصول المدافع الروسية إليهم فحسب، ولكنها كُتبت، قبل كل شيء، لكي تجعل تلك المدافع تفكر طويلًا قبل أن تتجه إليهم أصلًا.
