هل كانت البشرية على موعد مع الذكاء الاصطناعي؟ … قراءة مستقبلية في التطور الحتمي للذكاء الاصطناعي

دربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بشأن الذكاء الاصطناعي هو ليس: هل كان ينبغي للإنسان أن يصنعه؟ وإنما: هل كان بإمكان الإنسان، بعد أن بلغ مستوى معينًا من التطور العلمي والتقني، ألّا يصنعه أصلًا؟ فالجدل الدائر اليوم حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، والدعوات المتكررة إلى إبطاء تطوره أو تقييده أو الحيلولة دون بلوغه مستويات تفوق ما وصل إليه حتى الآن، ينطلق في الغالب من افتراض ضمني مفاده أن البشرية تقف أمام طريقين لا ثالث لهما: طريق تواصل فيه تطوير الذكاء الاصطناعي، وطريق آخر تستطيع أن تتراجع فيه عن هذا المشروع أو توقفه عند حدود معينة. ولكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه موضع شك؟ وماذا لو لم يكن الذكاء الاصطناعي «اختيارًا» تقنيًا بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما كان محطة يكاد المسار الداخلي لتطور المعرفة البشرية أن يقود إليها عاجلًا أو آجلًا؟
لننظر إلى الأمر من بدايته. فمنذ أن اخترع الإنسان أدوات الحساب، ثم الآلات الحاسبة، ثم الحواسيب الإلكترونية، لم يكن يفعل في حقيقة الأمر سوى نقل أجزاء متزايدة من العمليات التي كان العقل البشري يحتكر القيام بها إلى الآلة. ففي البداية أوكل إليها الحساب، ثم التخزين، ثم الاسترجاع، ثم البحث والمقارنة والتصنيف والتعرف إلى الأنماط، حتى وصل أخيرًا إلى مرحلة صار فيها بمقدور الآلة أن تتعامل مع اللغة والصورة والصوت، وأن تنتج نصوصًا وبرامج وصورًا وحلولًا لمسائل معقدة. وبذلك لم يظهر الذكاء الاصطناعي فجأة، فهو الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة بدأت يوم شرع الإنسان في إخراج بعض وظائف عقله إلى خارج جسده. فالكتابة نفسها كانت، بمعنى من المعاني، ذاكرة خارجية، والمكتبة كانت تضخيمًا لهذه الذاكرة، والآلة الحاسبة كانت إخراجًا لجزء من القدرة الحسابية إلى الخارج، والحاسوب جمع الذاكرة والحساب والمعالجة في جهاز واحد، ثم جاءت الشبكات الرقمية لتربط مليارات الوحدات والمعلومات بعضها ببعض. وحين أصبحت لدينا كميات هائلة من البيانات، وقدرات حاسوبية متزايدة، وخوارزميات قادرة على التعلم من الأنماط، كان ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة نتيجة يصعب تصور أن الحضارة التقنية كان يمكن أن تتجنبها إلى الأبد.
ومن هنا تبدو بعض الدعوات إلى «إيقاف الذكاء الاصطناعي» وكأنها تتجاهل طبيعة المشكلة. إذ يمكن تنظيم تطبيق معين، أو منع استخدام معين، أو تأخير نموذج بعينه، أو وضع قيود قانونية وأخلاقية على بعض مجالات الاستخدام، ولكن من الصعب تصور إمكان إيقاف المسار المعرفي نفسه الذي أدى إلى ظهور الذكاء الاصطناعي. فالمعرفة، متى أصبحت ممكنة، لا تعود بسهولة إلى حالة اللامعرفة. ولو افترضنا، على سبيل المثال، أن دولة ما قررت غدًا التوقف نهائيًا عن تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا، فما الذي يضمن أن تفعل الدول الأخرى الشيء نفسه؟ ولو اتفقت الدول، فماذا عن الشركات والمختبرات والجامعات والباحثين المستقلين؟ بل ماذا عن المستقبل الذي قد تصبح فيه الأدوات اللازمة لبناء أنظمة شديدة القوة أقل كلفة وبالتالي أكثر انتشارًا؟ المشكلة إذن ليست في وجود باب يمكن للبشرية أن تغلقه، وإنما في أن البشرية قد تكون قد اكتشفت بالفعل المبدأ الذي يجعل الباب قابلًا للفتح!
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: حتمية المسار وإمكان إدارة نتائجه. فالقول إن ظهور الذكاء الاصطناعي كان نتيجة شبه حتمية لمسار التطور التقني لا يعني أن كل ما سيحدث بعد ظهوره حتمي أيضًا. وربما تكمن إحدى أخطر المغالطات في الانتقال من العبارة الأولى إلى الثانية. فقد يكون من الصعب منع البشرية من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، ولكن هذا لا يعني أنها عاجزة عن سن القوانين، ووضع معايير السلامة، وتحديد مجالات الاستخدام، وبناء المؤسسات التي تحاول تقليل مخاطره. أي أن العبث قد لا يكون في محاولة تنظيم الذكاء الاصطناعي، وإنما في الاعتقاد بإمكان إلغاء مستقبله. وذلك لأن الذكاء الاصطناعي الذي نعرفه اليوم قد لا يكون سوى البداية! فإذا كان تاريخ التكنولوجيا يعلمنا شيئًا، فهو أن الإنسان قلما يكتفي بالنسخة الأولى من أية قدرة يكتشف إمكان تحقيقها. فما إن يصبح أمر ما ممكنًا حتى يبدأ السؤال التالي: كيف نجعله أسرع؟ أدق؟ أصغر؟ أرخص؟ أكثر استقلالًا؟ وأكثر قدرة؟ وهذا المنطق نفسه هو الذي سيعمل، على الأرجح، داخل مسار الذكاء الاصطناعي.
فالأنظمة الحالية، مهما بدت مذهلة مقارنة بما سبقها، قد تبدو بدائية جدًا إذا قيست بما يمكن أن يظهر بعد عقود! وربما ينظر إنسان المستقبل إلى ذكائنا الاصطناعي الحالي بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى الحواسيب التي كانت تشغل غرفًا كاملة لكي تنجز عمليات تستطيع ساعة صغيرة اليوم القيام بها في جزء ضئيل من الثانية.
ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر إثارة للقلق: إلى أين ينتهي هذا المسار؟ فالإنسان استطاع حتى الآن أن يحتفظ بعلاقة واضحة نسبيًا بين الصانع والمصنوع. فنحن نصنع السيارة ونعرف لماذا تتحرك. ونصنع الطائرة ونعرف قوانين طيرانها. ونصنع المجهر لكي يوسع قدرتنا على الرؤية، والتلسكوب لكي يمد بصرنا إلى أعماق الكون. كانت الآلة، في معظم تاريخها، امتدادًا لقدرة بشرية محددة. لكن الذكاء الاصطناعي يختلف في نقطة جوهرية هي أنه لا يمدد عضلة أو عينًا أو أذنًا فحسب، وإنما يقترب من المجال الذي بنى الإنسان عليه تفوقه التاريخي كله ألا وهو القدرة على معالجة المعلومات، والتعلم، والاستدلال، وصناعة المعرفة.
وهنا تظهر مفارقة ربما لم تواجهها البشرية من قبل بهذه الصورة. فالإنسان يصنع شيئًا لكي يساعده على التفكير، ثم يعمل على جعله أفضل في التفكير، ثم يستخدم النسخة الأفضل منه لكي تساعده على صنع نسخة أفضل منها! وإذا استمرت هذه الحلقة، فإننا لن نعود أمام تطور تقني خطي بسيط، وإنما أمام احتمال نشوء عملية يصبح فيها الذكاء أداة لتسريع إنتاج مزيد من الذكاء!
وعندئذ يصبح السؤال القديم: «ماذا سنفعل بالذكاء الاصطناعي؟» غير كافٍ. وقد يجاوره سؤال أكثر غرابة: ماذا سيفعل وجود ذكاء غير بشري شديد التطور بنا؟ وهذا لا يعني بالضرورة سيناريوهات الخيال العلمي التي تتصور حربًا بين الإنسان والآلة. فالمستقبل قد يكون أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية البسيطة. فقد يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا معرفيًا للإنسان، أو وسيطًا لا غنى عنه بينه وبين العالم، أو بنية تحتية للحضارة لا يمكن الاستغناء عنها، أو أداة تتداخل تدريجيًا مع عملية اتخاذ القرار البشري إلى الحد الذي يصبح معه الفصل بين «قرار الإنسان» و«اقتراح الآلة» أقل وضوحًا مما هو عليه اليوم!
وربما تكون المشكلة الكبرى في أننا نحاول فهم علاقة مستقبلية غير مسبوقة باستعارات مأخوذة من الماضي كالسيد والعبد، والصانع والأداة، والمستخدم والجهاز. ولكن ماذا لو لم تكن أي من هذه الاستعارات كافية؟
لقد عرف التاريخ أدوات تفوقت على الإنسان في القوة، وأخرى تفوقت عليه في السرعة، وأخرى في الدقة والحساب والذاكرة. ولكنه لم يعرف قبل عصرنا هذا أداة يطمح صانعوها إلى جعلها قادرة على التفوق في طيف متزايد من المهام التي كنا نعدها يومًا من خصائص الذكاء البشري نفسه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فلقد صنع الإنسان الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يستطيع أن يعرف على وجه اليقين ماذا سيعني وجوده بعد أن يبلغ درجات من التطور لم يصل إليها بعد. فالصانع يعرف أصل المصنوع، لكنه لا يعرف بالضرورة مصيره.
ولعل هذه هي النقطة التي ينبغي أن ينطلق منها التفكير المستقبلي في الذكاء الاصطناعي. فبدل أن ننشغل بالسؤال عما إذا كان ينبغي لنا «إيقاف هذا الذكاء»، فقد يكون السؤال الأكثر واقعية: كيف نستعد لعالم أصبح فيه استمرار تطوره جزءًا من الواقع الحضاري؟ وما ذلك إلا لأن محاولة تجميد الذكاء الاصطناعي عند مستوى تقني معين قد تشبه محاولة حضارة اكتشفت الكهرباء أن تقرر أن المصباح الكهربائي هو آخر تطبيق مسموح به لها! فالمشكلة ليست في الاختراع وحده، وإنما في منطق المعرفة بعد الاختراع. فكل اكتشاف يفتح فضاءً جديدًا من الممكنات، وكل ممكن جديد يولّد أسئلة وتجارب وتطبيقات جديدة. وما إن تدخل المعرفة البشرية فضاءً جديدًا حتى يصبح من الصعب للغاية إقناع جميع البشر، في جميع المجتمعات، وفي جميع الأزمنة القادمة، بألا يتقدم أحد خطوة أخرى داخله.
ولذلك ربما لم يكن ظهور الذكاء الاصطناعي هو الحدث الحقيقي الذي ينبغي أن يدهشنا. فربما كان الحدث الأكثر إدهاشًا هو أن كائنًا بيولوجيًا ظهر على كوكب صغير، ثم استطاع خلال مسيرته الطويلة أن يراكم من المعرفة ما مكّنه أخيرًا من الشروع في صناعة منظومات معرفية غير بيولوجية تنافس بعض قدراته وتوسعها! ومن منظور كهذا، يصبح الذكاء الاصطناعي أقل شبهًا باختراع منفرد، وأكثر شبهًا بمرحلة جديدة في تاريخ المعرفة نفسها. فلقد كانت البشرية، بهذا المعنى، على موعد معه منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يحول التفكير إلى رموز، والرموز إلى حساب، والحساب إلى آلة، والآلة إلى حاسوب، والحاسوب إلى شبكة، والشبكة إلى فضاء هائل من البيانات، ثم جعل هذه البيانات مادة تتعلم منها الآلة.
ولذلك فإن “الموعد التالي” قد يكون قد بدأ بالفعل! فنحن لا نعرف شكل الذكاء الاصطناعي بعد عشرين أو خمسين أو مئة سنة، ولا نعرف الحدود التي سيبلغها، ولا ما إذا كان مفهوم «الذكاء الاصطناعي» نفسه سيظل صالحًا لوصف ما سيظهر مستقبلًا. والأهم من ذلك كله أننا لا نعرف على وجه اليقين كيف ستتغير العلاقة بين الكائن الذي صنع هذه الأنظمة وبين الأنظمة التي صنعها.
وهنا ربما تكمن أعظم مفارقات المشروع كله: فلقد عرف الإنسان كيف يبدأ صناعة الذكاء الاصطناعي، ولكنه لا يعرف أين تنتهي هذه الصناعة. وللمرة الأولى تقريبًا في تاريخ التكنولوجيا، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما الذي يستطيع المصنوع أن يفعله من أجل صانعه، وإنما ما الذي ستصبح عليه علاقة الصانع بالمصنوع حين يستمر الاثنان في التطور داخل عالم واحد. فإذا كان اللقاء الأول بين الإنسان والذكاء الاصطناعي موعدًا فرضه، إلى حد بعيد، المسار التراكمي للمعرفة التقنية، فإن البشرية تبدو اليوم على موعد ثانٍ أشد غموضًا، وهو موعدها مع ما سيصبح عليه الذكاء الاصطناعي بعد أن يتجاوز المرحلة التي احتاج فيها إلى الإنسان لكي يعلّمه في كل خطوة ما الذي ينبغي له أن يفعله.
وعند تلك النقطة لن يعود السؤال: هل كان ينبغي لنا أن نصنعه؟ بل ربما يصبح: بعد أن صنعناه، أيّ واحدٍ منا سيعيد تشكيل الآخر أكثر: نحن البشر أم هذا الذكاء الخارق الذي صنعناه بعقولنا المتواضعة؟

أضف تعليق