الميثودولوجيا القرآنية دعوة لصياغة إبستمولوجيا جديدة

ربما اعتدنا، حين نتعامل مع القرآن، أن نسأل عما يقوله في الدين والأخلاق والإنسان والمجتمع، ولكننا قلما نطرح سؤالًا يسبق هذه الأسئلة جميعًا: كيف يريد القرآن من الإنسان أن يعرف؟ فإذا كان القرآن يقدم نفسه بوصفه خطابًا صادرًا عن مصدر إلهي، فإن التعامل معه، من داخل منطقه هو، يضعنا أمام حالة معرفية استثنائية. فنحن إزاء نظام معرفي يعلن أن واضع محدداته ليس عقلًا بشريًا آخر، وأنه، تبعًا لذلك، لا يكتفي بتقديم معلومات للإنسان عن العالم، وإنما يقدم له كذلك ضوابط للتعامل مع المعرفة ذاتها: متى يفكر؟ وفيم يفكر؟ وبأي أدوات؟ ومتى يكون حكمه مشروعًا؟ ومتى ينبغي له أن يعترف بأن موضوعًا ما يقع خارج حدود قدرته على الإحاطة؟
ومن هنا يمكن الحديث عن شيء أوسع من «المعرفة القرآنية»، هو الميثودولوجيا القرآنية للمعرفة. فالقرآن لا يبدو، عند تدبر خطابه المعرفي، معنيًا بملء عقل الإنسان بالأجوبة بقدر عنايته بتقويم الطريقة التي يصل بها الإنسان إلى الأجوبة. ولهذا تتكرر فيه، بصورة لافتة، صيغ من قبيل: {أفلا تعقلون}، {أفلا يتدبرون}، {أفلا تذكرون}، {أفلا ينظرون}، {قل سيروا في الأرض فانظروا}. وليست القيمة المعرفية لهذه الصيغ القرآنية في كثرتها وحدها، وإنما في الفعل المعرفي الذي تطالب الإنسان بممارسته، وذلك بأن ينظر، وأن يعقل، وأن يتدبر، وأن يتذكر، وأن يسير في العالم، وأن يعيد فحص ما يراه بدل أن يكتفي بما ورثه أو بما استقر في ذهنه سلفًا. وبذلك لا يكون العقل، في هذه الميثودولوجيا، خصمًا للوحي، وإنما أداة مطلوب منها أن تعمل؛ ولكن أن تعمل وهي واعية بقدرتها وبحدود قدرتها في الوقت نفسه.
ولعل واحدة من أكثر الآيات كثافة من الناحية الإبستمولوجية قوله تعالى: {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النمل: 84). فالمثير هنا أن الإدانة لا تتعلق بمجرد الوصول إلى نتيجة خاطئة، وإنما بالطريق الذي سبق الوصول إليها. فلقد صدر الحكم قبل تحقق الإحاطة العلمية بما حُكم عليه.
وهنا يمكن استخلاص قاعدة معرفية بالغة الدلالة مفادها: لا تجعل نقص المعرفة أساسًا ليقين كامل. فالإنسان كثيرًا ما ينتقل من «لا أعرف» إلى «إذاً هذا باطل»، أو من «لا أستطيع تفسيره» إلى «إذاً لا وجود له»، مع أن العجز عن معرفة الشيء لا يشكل، منطقيًا، معرفة بعدمه. وبين الجهل بشيء وإثبات عدم وجوده فجوة معرفية هائلة كثيرًا ما يقفز العقل البشري فوقها من غير أن يشعر. ومن هذه الزاوية تبدو الآية وكأنها تؤسس لما يمكن تسميته أخلاق الحكم المعرفي: لا تحكم بما يتجاوز مقدار علمك.
وتزداد هذه الفكرة وضوحًا في أوائل سورة الروم: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 6–7). وهذه عبارة تستحق، من منظور إبستمولوجي، وقفة طويلة: {يعلمون ظاهرًا}. فالآية لا تنفي المعرفة البشرية نفيًا مطلقًا؛ بل تقر بوجودها ثم تحدد مجالها. فثمة «ظاهر» يمكن للإنسان أن يتعامل معه، وأن يلاحظه ويقيسه ويقارن ظواهره ويستنبط قوانينه. ولكن وجود الظاهر لا يعني أن ما يقع في متناول أدوات الإنسان هو مجموع الوجود كله.
وهنا تظهر إحدى أكثر الصيغ القرآنية دلالةً معرفية في بناء إبستمولوجيا جديدة ألا وهي التمييز بين حدود الوجود وحدود المعرفة البشرية بالوجود. فما يستطيع الإنسان إدراكه ليس بالضرورة كل ما يوجد، كما أن عدم امتلاكه أداة للتواصل مع مستوى من مستويات الواقع لا يبيح له منطقيًا أن يحكم بعدم وجود ذلك المستوى. فنحن، وبهذا المعنى، أمام فصل بالغ الدقة بين الأنطولوجيا، أي ما هو موجود، والإبستمولوجيا، أي ما يستطيع الإنسان معرفته عن الموجود. وهذه التفرقة هي التي يشدد عليها القرآن وبكل حزم، بأن يدعو الإنسان إلى النظر في العالم، وفي الوقت نفسه يحذره من ادعاء الإحاطة بالعالم.
ومن هنا يمكن فهم موقع «الغيب» في المنظومة القرآنية فهمًا مختلفًا قليلًا عن الكيفية التي شاع بها فهم هذا المصطلح. فالغيب معرفيًا، ليس مجرد مجموعة من الأسرار التي لم يكتشفها العلم بعد، بحيث يكون تقدم المعرفة كفيلًا بالوصول إليها يومًا ما. فهناك فرق بين المجهول والغيب. فالمجهول يقع من حيث المبدأ داخل مجال المعرفة البشرية، وإن لم نعرفه الآن. أما الغيب، بالمعنى القرآني، فيتعلق بما لا تمتلك أدوات الإنسان التقليدية استقلالًا نافذًا إليه. ولهذا يصبح من الخطأ المنهجي أن نطالب العقل بأن يحسم، بأدواته وحدها، مسائل تقع خارج المجال الذي تستطيع تلك الأدوات اختباره. فالعقل يستطيع أن يناقش اتساق حجة ما، وأن يفحص الأدلة، وأن يختبر صدقية دعوى تاريخية أو طبيعية متى كانت قابلة للفحص؛ لكنه حين يريد أن يجعل أدواته المحدودة مقياسًا نهائيًا لكل ما يمكن أن يكون موجودًا، فإنه ينتقل من استعمال العقل إلى “تأليه” القدرة المعرفية للعقل.
وهنا تكمن المفارقة، فالعقلانية الحقيقية قد تقتضي أحيانًا أن يعرف العقل أين تنتهي صلاحيته. وقد يُساء فهم هذا الطرح باعتباره محاولة لإنقاذ الميتافيزيقا من المساءلة العقلية. لكن الميثودولوجيا المقترحة هنا تقول العكس تقريبًا. فهي تطالب العقل بأن يكون أكثر صرامة مع نفسه. فنحن لا نقبل من جهاز قياس أن يصدر أحكامًا بشأن ظواهر لم يُصمم لقياسها، ولا نعد عجز المجهر عن رؤية مجرة دليلًا على عدم وجود المجرات، ولا عجز التلسكوب عن كشف البكتيريا برهانًا على عدم وجود البكتيريا. فلكل أداة مجال صلاحية، وحدود الأداة ليست حدود الواقع. فلماذا نستثني العقل والحواس البشرية من هذه القاعدة المعرفية؟! فلقد تطورت المعرفة العلمية الحديثة، في جانب كبير منها، عندما تعلم الإنسان أن يسأل عن حدود أدوات القياس قبل أن يسأل عما تقيسه. وربما تكون الخطوة الإبستمولوجية التالية هي أن يفعل الشيء نفسه مع أداته الكبرى: العقل البشري ذاته.
وهنا تكمن، في تقديري، جدة قراءة الميثودولوجيا القرآنية إبستمولوجيًا؛ إذ أنها تنقل السؤال من البحث اللامحدود عن الإجابات إلى سؤال سابق عليه: هل يقع السؤال نفسه داخل المجال الذي يستطيع الإنسان أن ينتج فيه معرفة؟
وهذا تحول جوهري. فليس كل سؤال يمكن صياغته لغويًا سؤالًا يستطيع العقل حسمه معرفيًا، وليس كل ما يستطيع الإنسان التفكير فيه يستطيع التحقق منه، وليس غياب الدليل التجريبي على شيء يقع أصلًا خارج نطاق التجربة دليلًا تجريبيًا على عدمه.
وهكذا يمكن إعادة رسم الخريطة المعرفية إلى ثلاثة مجالات على الأقل: ما نعرفه، وما يمكننا أن نعرفه وإن كنا لا نعرفه بعد، وما لا نمتلك من داخل بنيتنا المعرفية البشرية المستقلة الوسائل التي تتيح لنا الإحاطة به. والمشكلة الكبرى تبدأ حين يخلط الإنسان بين المجالين الأخيرين. فالمجهول يدعونا إلى البحث. أما ما يتجاوز أدواتنا المعرفية، فيدعونا أولًا إلى التواضع الإبستمولوجي.
ولعل حاجتنا إلى إعادة التفكير في هذه الميثودولوجيا تصبح أكثر إلحاحًا اليوم، ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي. فنحن، للمرة الأولى بهذا الاتساع، نتعامل يوميًا مع منظومات معرفية لا تعمل بالكيفية نفسها التي يعمل بها العقل البشري، وإن كانت في أصلها من صنع الإنسان ومدرَّبة على نتاجه، فهي تستطيع معالجة مقادير من المعلومات، واكتشاف أنماط وعلاقات، وإنتاج استدلالات وصياغات بسرعة ونطاق لا يستطيع الفرد البشري مجاراتهما. وهذا اللقاء يجبر الإنسان على إعادة طرح سؤال طالما تجنبه: هل حدود عقلي هي حدود المعرفة؟
فالذكاء الاصطناعي، رغم كونه بشري المنشأ، بدأ يكشف لنا عمليًا أن ثمة فرقًا بين «ما لا يستطيع عقل فردي بشري أن يفعله» و«ما يستحيل معرفته أو استنتاجه». ومن ثم فهو يمنحنا، بصورة غير مباشرة، درسًا في التواضع المعرفي. ولكنه يعلمنا درسًا آخر أكثر قيمة معرفية مفاده أن زيادة القدرة على معالجة المعلومات لا تلغي ضرورة السؤال عن حدود المعرفة نفسها! فحتى لو ظهر ذكاء اصطناعي يفوق الإنسان بمراحل هائلة، فإنه لا يترتب على ذلك منطقيًا أن يصبح قادرًا على الإجابة عن كل سؤال ممكن! فزيادة الذكاء داخل مجال معرفي ما لا تعني بالضرورة القدرة على تجاوز الحدود الأنطولوجية لذلك المجال. وقد يكون هذا هو السؤال الذي سيزداد إلحاحًا كلما تطور الذكاء الاصطناعي: ليس إلى أي حد يمكن للذكاء أن يصبح قويًا؟ فحسب وإنما: هل توجد أشياء لا يكفي الذكاء، مهما بلغ، لمعرفتها من دون منفذ معرفي إليها؟
ومن هنا ربما نستطيع قراءة القرآن لا بوصفه كتابًا يقدم أجوبة فحسب، وإنما بوصفه خطابًا يقترح انضباطًا معرفيًا. فانظر. وتدبر. واعقل. ولا تتبع ما لا تعلم. ولا تحكم قبل الإحاطة. ولا تجعل ما ورثته بديلًا عن التفكير. ولا تجعل حدود أدواتك المعرفية حدودًا للوجود. وبهذه المبادئ يمكن أن تبدأ ملامح ما يمكن تسميته إبستمولوجيا جديدة، وهي إبستمولوجيا لا تنافس العلم في ميدانه، ولا تطلب من النص الديني أن يحل محل المختبر، ولا تطلب من المختبر أن يحسم ما لا يقع أصلًا في مجال أدواته، وإنما تسعى إلى تحديد موضع كل أداة من خريطة المعرفة.
وقد تكون أعظم مساهمة تستطيع هذه الإبستمولوجيا تقديمها إلى الإنسان المعاصر هي تحريره من وهمين متقابلين: وهم أن العقل عاجز فلا ينبغي الوثوق به، ووهم أن العقل قادر على كل شيء فلا توجد حقيقة خارجه. فالقرآن، وفقاً للمقاربة التي تقترحها هذه المقالة، لا يقول للإنسان: لا تفكر، بل يقول له العكس تمامًا: فكّر إلى أبعد مدى تستطيع الوصول إليه، ولكن لا تزعم أنك وصلت إلى ما لم تمنحك أدواتك سبيلًا إلى الوصول إليه.
وهذا الفارق الدقيق بين حدود المعرفة وحدود الوجود قد يصبح أكثر قيمة معرفية في عصر الذكاء الاصطناعي منه في أي عصر مضى. فربما لا تكون الثورة المعرفية القادمة في أن نعرف أشياء أكثر فحسب، وإنما في أن نتعلم، نحن والذكاءات التي نصنعها، أن نسأل قبل إصدار أي حكم: هل أحطنا بهذا علمًا؟ وإذا لم نفعل، فربما تكون أولى قواعد المعرفة التي ينبغي أن نستعيدها هي تلك القاعدة القرآنية البسيطة والعميقة في آن واحد: ألا نحول حدود ما نعرفه إلى حدود لما يمكن أن يكون موجودًا.

أضف تعليق