تحرير “متلازمة فيتنام” (Vietnam Syndrom) من خصوصيتها التاريخية ضرورة معرفية

ليست كل المصطلحات التي يولدها حدث تاريخي مضطرة إلى أن تموت بانتهاء ذلك الحدث. فقد يحدث أن تكون الواقعة التي أنجبت المصطلح مجرد الحالة التي كشفت ظاهرة أوسع منها بكثير؛ وعندئذ يصبح الإبقاء على المصطلح حبيسًا في ظرف ولادته نوعًا من إهدار طاقته التفسيرية. ولعل “متلازمة فيتنام (Vietnam Syndrome)” واحدة من أكثر المصطلحات التي تستحق مثل هذا التحرير المفاهيمي.
ففي استعماله التاريخي الشائع، يشير المصطلح إلى ذلك الأثر العميق الذي خلفته حرب فيتنام في الوعي السياسي والشعبي الأمريكي، وإلى الحذر، بل النفور أحيانًا، من التورط في تدخلات عسكرية خارجية يمكن أن تتحول إلى «فيتنام أخرى». وقد اكتسب المصطلح حضورًا سياسيًا بارزًا في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، ولا سيما حين جعله رونالد ريغان عنوانًا لما اعتبره ترددًا أمريكيًا في استعمال القوة بعد تجربة فيتنام. وبعد حرب الخليج عام 1991 شاع، في المقابل، الحديث عن أن الولايات المتحدة قد تجاوزت تلك المتلازمة. غير أن عودة المقارنات بفيتنام مع العراق وأفغانستان كشفت أن «أشباح الحرب السابقة» لا تُدفن بسهولة كما توحي لحظات الانتصار العسكري السريع.
ولكن ماذا لو لم تكن «متلازمة فيتنام»، في جوهرها الأعمق، ذات صلة بفيتنام بالمعنى الحرفي أصلًا؟ ماذا لو كانت فيتنام قد منحت اسمها فحسب لظاهرة صاحبت الحروب البشرية منذ زمن بعيد: أن الحرب التي تنتهي لا تنتهي فعلًا عندما يصمت سلاحها، لأنها تنتقل من ميدان القتال إلى ذاكرة المجتمع والدولة والجيش، ثم تعود هذه الذاكرة لتشارك في صناعة الحرب التالية؟
عندئذ يصبح من الضروري معرفيًا تحرير المصطلح من خصوصيته الأمريكية والتاريخية، لا بإنكار أصله الفيتنامي، وإنما بالانتقال به من اسم لحالة مخصوصة إلى أداة تحليلية أوسع. فـ «متلازمة فيتنام»، بهذا المعنى المقترح، لا تعني بالضرورة الخوف من تكرار فيتنام، وإنما تعني الأثر النفسي والسياسي والعسكري المتبقي من حرب سابقة حين يبدأ مجتمع ما أو دولة ما أو مؤسسة عسكرية ما في التفكير في حرب لاحقة. وبذلك لا تعود المتلازمة حكرًا على الدول المهزومة أيضًا. فالانتصارات، مثل الهزائم، تصنع متلازماتها الخاصة. فقد تخلّف الهزيمة خوفًا من التورط، وحساسية شديدة تجاه الخسائر البشرية، وشكًا في تقديرات القادة العسكريين، ونفورًا شعبيًا من الحروب الطويلة. لكن النصر السابق قد يخلّف بدوره أثرًا لا يقل خطورة يتمثل في الثقة المفرطة، وتوقع الحرب القصيرة، والاستخفاف بالخصم، والاعتقاد بإمكان تكرار وصفة عسكرية نجحت في ظرف مختلف تمامًا.
وهنا تتضح المفارقة. فقد تخوض الدول الحرب التالية هربًا من الحرب السابقة، كما قد تخوضها محاولةً لتكرارها. فالحرب السابقة تتحول إلى مرجع معرفي للحرب التالية. فيسأل القائد السياسي: كيف نتجنب ما حدث لنا هناك؟ ويسأل العسكري: ما الذي أخطأنا فيه آنذاك؟ ويسأل الرأي العام: هل سنجد أنفسنا مرة أخرى في المستنقع نفسه؟ لكن السؤال المقابل قد يكون أشد خطورة: لقد نجحنا بهذه الطريقة في الحرب الماضية، فلماذا لا تنجح مرة أخرى؟ وفي الحالتين تكون الحرب السابقة حاضرة.
ومن هنا يمكن إعادة قراءة جانب كبير من التاريخ العسكري بوصفه سلسلة من الحروب التي لم تبدأ من الصفر قط. فكل حرب تدخلها الدول محملة بذاكرة حرب أخرى: بانتصاراتها وهزائمها، بقتلاها وأسراها، بصور جنودها العائدين، وبوعود سياسييها، وبأخطاء جنرالاتها، وبالأساطير التي أنتجها المجتمع لاحقًا لتفسير ما جرى له! بل إن الجيش نفسه لا يخرج من الحرب كما دخلها. فالعقائد العسكرية تتغير، وبرامج التدريب تتغير، وأنظمة التسليح تتغير، ومفهوم «الحرب الصحيحة» يتغير، وذلك لأن المؤسسة العسكرية تحاول باستمرار أن تستخلص من الحرب السابقة قواعد للحرب المقبلة! وهنا يظهر واحد من أشهر أخطار التفكير العسكري، وذلك بأن يستعد الجيش لخوض الحرب السابقة مرة أخرى، بينما يكون خصمه منشغلًا باختراع حرب مختلفة.
والأمر ذاته ينطبق على القرار السياسي. فالدولة التي دفعت ثمنًا باهظًا بسبب تدخل عسكري طويل قد تضع في الحرب التالية شروطًا صارمة للخروج، وحدودًا للخسائر، وأهدافًا سياسية أكثر تحديدًا. وقد ظهر هذا الأثر بوضوح في الخبرة الأمريكية نفسها؛ إذ تشير الدراسات إلى أن كارثة فيتنام أثرت في طريقة تعامل إدارتي ريغان وكلينتون مع أزمتي لبنان والصومال، بينما أصبحت تجارب ما بعد 11 سبتمبر بدورها جزءًا من الخلفية التي أثرت في قرارات حرب العراق وحرب أفغانستان.
وهذا بالتحديد ما يجعل تحرير مفهوم «متلازمة فيتنام» مفيدًا، وذلك لإنه يسمح لنا برؤية سلسلة انتقال الأثر من حرب إلى أخرى. فالحرب (أ) لا تنتج نتائجها المباشرة فحسب، وإنما تنتج ذاكرة عن الحرب (أ). وهذه الذاكرة تدخل في صناعة القرار المتعلق بالحرب (ب). ثم تنتج الحرب (ب)، بدورها، خبرتها وذاكرتها الخاصة، اللتين ستدخلان في صناعة الحرب (ج). وهكذا لا يصبح التاريخ العسكري سلسلة من الحروب المنفصلة، وإنما سلسلة من الحروب التي تتوارث آثار بعضها بعضًا!
ويمكننا عندئذ الحديث، على سبيل التوسع التحليلي لا الاصطلاحي التقليدي، عن «متلازمة الحرب السابقة» بوصفها الفئة الأوسع التي تمثل «متلازمة فيتنام» أحد أشهر تجلياتها التاريخية. وهذا التوسع يمنحنا أيضًا قدرة أفضل على فهم واحدة من أغرب مفارقات التاريخ العسكري: أن الدرس المستفاد من الحرب السابقة قد يكون صحيحًا، ومع ذلك يقود إلى كارثة في الحرب التالية! وذلك لأن المشكلة ليست دائمًا في سوء التعلم من التاريخ؛ فقد تكون المشكلة في حسن تعلم درس انتهت صلاحيته! فالدرس العسكري ليس قانونًا طبيعيًا. وما كان صحيحًا في جغرافيا معينة، وفي مواجهة خصم معين، وفي ظل تكنولوجيا محددة، وتحالفات دولية بعينها، ورأي عام له مزاج معين، قد يصبح خطأً إذا نُقل كما هو إلى حرب أخرى. وهكذا تتحول الذاكرة، التي يفترض أن تحمينا من تكرار الخطأ، إلى الآلية نفسها التي تساعد على إنتاج خطأ جديد!
ومن هنا يمكن اقتراح صورتين أساسيتين لهذه المتلازمة الموسعة: متلازمة الهزيمة التي تدفع إلى الإفراط في الحذر، ومتلازمة الانتصار التي قد تدفع إلى الإفراط في الثقة. وبينهما طيف واسع من التأثيرات التي لا تظهر دائمًا في صورة قرارات واعية. فذكريات الحرب تدخل في اللغة نفسها: «مستنقع»، «مهمة مستحيلة»، «حرب خاطفة»، «خروج مشرّف»، «لا فيتنام أخرى»… وهذه ليست مجرد استعارات بل إشارات إلى أرشيف نفسي وسياسي كامل تستدعيه المجتمعات حين تشعر أن التاريخ ربما يستعد لتكرار نفسه.
ولذلك فإن القول إن دولة ما «تجاوزت متلازمة حربها السابقة» يحتاج دائمًا إلى قدر من الحذر. فقد يستطيع مجتمع استعادة استعداده لاستخدام القوة العسكرية، لكنه لا يستطيع ببساطة محو ذاكرته. وحتى الانتصار الذي يبدو وكأنه أنهى المتلازمة قد يؤسس متلازمة جديدة. وقد كان الاعتقاد بعد حرب الخليج بأن «متلازمة فيتنام» انتهت مثالًا لافتًا؛ إذ عادت استعارة فيتنام نفسها بقوة في النقاشات التي أحاطت بحرب العراق لاحقًا.
وهنا تبلغ الفكرة مداها الأبعد. فإذا حررنا «متلازمة فيتنام» من خصوصيتها التاريخية، أمكننا النظر إلى التاريخ العسكري للبشرية بطريقة مختلفة، وذلك ليس بوصفه تاريخ الحروب فحسب، وإنما تاريخ ذكريات الحروب وهي تشارك في إنتاج حروب جديدة.
وعندها لن يعود السؤال بعد نهاية أي حرب: من انتصر ومن انهزم؟ بل ينبغي أن نضيف إليه سؤالًا ربما يكون أكثر فائدة معرفية للمستقبل: ما المتلازمة التي ستتركها هذه الحرب في الذين خاضوها؟ وذلك لأن آخر قذيفة تُطلق في الحرب لا تكون بالضرورة آخر فعل تقوم به تلك الحرب!
فقد تسكت المدافع، وتُوقَّع الاتفاقيات، ويعود الجنود، وتتغير الحكومات، وتمضي السنوات، لكن شيئًا من الحرب يبقى كامنًا في ذاكرة الدول والشعوب والجيوش؛ ينتظر الأزمة التالية كي يستيقظ من جديد، فيهمس لصانع القرار: لا تكرر ما فعلته يومها.
أو، وهو الأخطر أحيانًا: افعل بالضبط ما فعلته يومها.
وهكذا قد تكون «متلازمة فيتنام»، بعد تحريرها من فيتنام، اسمًا مناسبًا لواحدة من أكثر حقائق الحرب البشرية استدامة: أن كل حرب تنتهي عسكريًا تترك وراءها حربًا أخرى في الذاكرة؛ وأن هذه الحرب الكامنة قد تشارك، بعد سنوات أو عقود، في تقرير الكيفية التي ستبدأ بها الحرب التالية!

أضف تعليق