
ثمة روايات تاريخية تبلغ من قوة حضورها في الذاكرة الجمعية حدًّا يجعل إعادة النظر فيها تبدو وكأنها إعادة نظر في الواقعة نفسها. ولعل واحدة من أكثر هذه الروايات رسوخًا تلك التي تختصر نهاية الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ في تسلسل بسيط يكاد يبدو بديهيًا. فالولايات المتحدة ألقت قنبلتها الذرية الأولى على هيروشيما في السادس من أغسطس/آب 1945، ثم ألقت الثانية على ناغازاكي في التاسع منه، فلم تجد اليابان أمام هول السلاح الجديد سوى الاستسلام.
لكن هل كان الأمر بهذه البساطة حقًا؟
المشكلة في هذا التفسير ليست في أن القنبلتين الذريتين لم تكونا عاملًا ذا تأثير حاسم؛ فمن العبث إنكار الأثر النفسي والعسكري والسياسي لسلاح استطاع أن يدمر مدينة بقنبلة واحدة. فالمشكلة تكمن في الانتقال من القول إن القصف الذري كان عاملًا في الاستسلام إلى القول إنه كان التفسير الكافي للاستسلام! فبين الأمرين مسافة تاريخية ينبغي التوقف عندها.
أول ما يلفت الانتباه أن قنبلة هيروشيما لم تُنتج استسلامًا فوريًا. وبعد ثلاثة أيام فقط وقع حدثان هائلان في يوم واحد تقريبًا: دخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان، وضُربت ناغازاكي بالقنبلة الذرية الثانية. ومع ذلك لم تتحول القيادة اليابانية فورًا إلى كتلة سياسية وعسكرية متفقة على الاستسلام. بل استمر الانقسام داخل دوائر الحكم بشأن شروط إنهاء الحرب. وهنا يظهر العنصر الذي كثيرًا ما يضيع عندما تُروى نهاية الحرب من زاوية القنبلة وحدها: الإمبراطور هيروهيتو.
فالوثائق المتعلقة بالأيام الأخيرة للحرب تكشف أن القيادة اليابانية كانت عاجزة عن الوصول إلى اتفاق كامل، وأن تدخل الإمبراطور الشخصي كان حاسمًا في ترجيح خيار قبول إعلان بوتسدام وإنهاء الحرب. وفي التاسع من أغسطس اتجه هيروهيتو إلى قبول إنهاء الحرب، ثم تدخل مرة أخرى في الرابع عشر من أغسطس لحسم الأزمة التي استمرت داخل القيادة. وهذا التفصيل يغيّر السؤال كله، فبدل أن نسأل: هل أجبرت القنبلة الذرية اليابان على الاستسلام؟ ربما ينبغي أن نسأل: لماذا قرر الإمبراطور، في تلك اللحظة تحديدًا، استخدام سلطته لإنهاء حرب كان قسم كبير من المؤسسة العسكرية لا يزال مستعدًا لمواصلتها؟
كان الوضع العسكري الياباني في صيف 1945 كارثيًا. فالأسطول الياباني تحطم إلى حد بعيد، والمدن تعرضت لقصف تقليدي مدمر، والحصار كان يخنق الاقتصاد، والموارد تتناقص، وأصبح الانتصار العسكري بالمعنى الواقعي شبه مستحيل. ولكن استحالة الانتصار لا تعني بالضرورة استحالة استمرار الحرب. وهذه نقطة ذات دلالة بالغة، فالتاريخ العسكري الياباني في المرحلة الأخيرة من الحرب أظهر استعدادًا استثنائيًا لتحمل خسائر هائلة، وتجلى ذلك في معارك مثل إيو جيما وأوكيناوا، وفي ظاهرة الكاميكازي، وفي العقيدة العسكرية التي جعلت الأسر والاستسلام نقيضين للشرف العسكري.
وكانت القيادة الأمريكية نفسها تستعد لاحتمال غزو الجزر اليابانية، وهو ما يعني أن واشنطن لم تكن تتعامل مع انهيار اليابان العسكري باعتباره ضمانًا لاستسلامها السياسي الفوري. ومن هنا ينبغي الفصل بين سؤالين كثيرًا ما يجري دمجهما: هل كانت اليابان قادرة على الانتصار؟ والجواب، في أغسطس 1945، يكاد يكون قطعًا: لا. ولكن هل كانت قادرة على مواصلة القتال والتسبب في موت أعداد هائلة من اليابانيين والحلفاء؟ الجواب مختلف تمامًا، كانت تستطيع. بل إن بعض العسكريين اليابانيين كانوا مستعدين لذلك.
هنا تبرز المفارقة الكبرى. فالدولة التي بنت ثقافتها العسكرية الحديثة على الطاعة والتضحية والموت من أجل الإمبراطور، انتهت حربها عندما استخدم الإمبراطور نفسه السلطة الرمزية ذاتها ليطلب من شعبه وجيشه أن يفعلوا النقيض: أن يلقوا السلاح! ولم يكن ذلك أمرًا هيّنًا. فحتى بعد اتخاذ قرار الاستسلام، حاول ضباط يابانيون ليلة 14–15 أغسطس القيام بانقلاب لمنع إذاعة خطاب الإمبراطور، وسعوا إلى العثور على تسجيل الخطاب وإتلافه حتى لا يسمع اليابانيون أمر الاستسلام. وهنا تكمن، ربما، إحدى أقوى القرائن على أن المسألة لم تكن ببساطة: “قنبلة سقطت، فاستسلمت دولة”! ولذلك كان لا بد من قرار سياسي سيادي يحوّل الهزيمة العسكرية إلى استسلام فعلي. وكان صاحب ذلك القرار في النهاية هيروهيتو إمبراطور اليابان ذاته!
هنا ندخل المنطقة الأكثر إثارة للجدل. فلقد ذكر الإمبراطور نفسه في خطابه إلى الشعب «القنبلة الجديدة والأشد قسوة»، ومن ثم لا يمكن إخراج القنبلة الذرية من تفسير قراره. كما لا يمكن تجاهل دخول الاتحاد السوفيتي الحرب؛ فهذا التطور دمّر ما بقي من الآمال اليابانية في استخدام موسكو وسيطًا للحصول على تسوية أفضل، وفتح أمام اليابان احتمال حرب كارثية على جبهة آسيوية أخرى.
وهكذا اجتمعت في أيام قليلة ثلاثة عناصر: الانهيار العسكري المتراكم، والسلاح الذري، والغزو السوفيتي. ولكن ثمة عنصر رابع يستحق أن يُطرح، ولو في صورة سؤال مفاده: ما الذي كان هيروهيتو يريد إنقاذه؟ هل أراد إنقاذ اليابان وشعبها من الفناء؟ هذا هو التفسير الأكثر انسجامًا مع خطابه المعلن. ولكن هل كان يريد أيضًا إنقاذ المؤسسة الإمبراطورية، وموقع العرش، وربما أسرته ومصيره الشخصي؟ وهذا السؤال ليس اعتباطيًا. فالوثائق المتعلقة بالمفاوضات اليابانية تكشف أن مصير الإمبراطور كان في قلب الحسابات اليابانية بشأن قبول إعلان بوتسدام. كان السؤال عما إذا كان الاستسلام سيعني إلغاء الإمبراطور والنظام الإمبراطوري واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية داخل القيادة. ولذلك ينبغي الحذر من تحويل فرضية الخوف الشخصي إلى حقيقة تاريخية لا نملك عليها دليلًا حاسمًا. ولكن الحذر نفسه ينبغي أن يمنعنا من الوقوع في النقيض: تصوير القرار وكأنه تضحية إنسانية مجردة تمامًا من حسابات بقاء العرش والنظام الذي كان هيروهيتو نفسه في مركزه.
وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها. فإذا كان الدافع النهائي للاستسلام هو تجنيب الشعب الياباني مزيدًا من الموت والدمار، فإن السؤال المشروع هو: أين كانت هذه الحساسية تجاه مصير الشعب عندما مضت اليابان إلى حرب توسعية هائلة انتهت بمهاجمة بيرل هاربر في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941؟ وهذا لا يعني تحميل هيروهيتو وحده مسؤولية قرار بيرل هاربر؛ فالقرار الياباني بالحرب كان نتاج منظومة سياسية وعسكرية معقدة، وكان قادة الجيش والبحرية والحكومة أطرافًا رئيسية فيه. لكن تصوير الإمبراطور في نهاية الحرب باعتباره مجرد قوة سلام ظهرت فجأة لإنقاذ شعبها يتجاهل موقعه في النظام الذي خاض الحرب ووافق على قراراتها الكبرى!
وهنا تصبح نهاية الحرب مفارقة أخلاقية قبل أن تكون عسكرية. فالسلطة التي منحت الحرب شرعيتها الإمبراطورية كانت هي نفسها السلطة التي اضطرت في النهاية إلى نزع تلك الشرعية عنها!
إن شدة الصدمة التي أحدثها خطاب الاستسلام تكشف مقدار المسافة بين قرار الإمبراطور وبين الثقافة العسكرية التي كانت قد تشكلت خلال سنوات الحرب. فالإمبراطور لم يكن يعلن مجرد قرار حكومي، فهو كان يطلب من مجتمع جرى تعليمه أن التضحية من أجله ذروة الفضيلة أن يقبل فجأة ما كان يُقدَّم إليه طويلًا باعتباره العار الأكبر: الهزيمة والاستسلام!
ولذلك فإن الطاعة اليابانية للإمبراطور عملت في الاتجاهين بصورة تكاد تكون ساخرة: كانت إحدى الأدوات التي جعلت التعبئة والحرب والتضحية ممكنة، ثم أصبحت في أغسطس 1945 إحدى الأدوات التي جعلت إيقاف الحرب ممكناً! ولقد أطاع كثيرون الإمبراطور حين طلبت الدولة منهم القتال، ثم أطاعوه عندما طلب منهم تحمل ما وصفه في خطابه بأنه “ما لا يُحتمل”.
ولعل أكثر ما يضفي على نهاية الإمبراطورية اليابانية العسكرية طابعها الرمزي أن الحرب لم تنته فقط بتجريد اليابان من إمبراطوريتها العسكرية هذه، وإنما بدأت بعدها عملية إعادة تعريف موقع الإمبراطور نفسه.
ومن الضروري هنا تصحيح تفصيل تاريخي شائعف: وثيقة الاستسلام لم تتضمن بندًا يلزم هيروهيتو بالتخلي عن ألوهيته. الذي حدث أن سلطة الإمبراطور والحكومة أصبحت بموجب ترتيبات الاستسلام خاضعة لسلطة القائد الأعلى لقوات الحلفاء، ثم أصدر هيروهيتو في الأول من يناير/كانون الثاني 1946 الإعلان الذي اشتهر باسم «إعلان الإنسانية»، والذي رفض فيه التصور القائل إن العلاقة بين الإمبراطور والشعب تقوم على الاعتقاد بأن الإمبراطور إله متجسد.
والمفارقة التاريخية هنا هائلة. فالرجل الذي احتل موقعًا مقدسًا في “المخيال السياسي” الياباني وجد نفسه، بعد أشهر قليلة من الهزيمة، يعلن إنسانيته. وربما كانت تلك خاتمة أكثر دلالة للحرب من كثير من مشاهدها العسكرية. فالسلاح الذري دمر مدينتين، ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب حطم حسابات استراتيجية، والحصار والهزائم جعلا استمرار الإمبراطورية العسكرية مستحيلًا على المدى البعيد؛ لكن اليابان لم تتوقف عن القتال بمجرد وقوع حدث مادي واحد. فلقد احتاجت الهزيمة العسكرية إلى قرار بشري يصدر عن فم الإمبراطور شخصياً ليحولها إلى استسلام سياسي.
ولهذا ربما يكون السؤال «لماذا استسلمت اليابان؟» أعقد بكثير من الإجابة المدرسية الشهيرة: «لأن أمريكا ألقت عليها القنبلة الذرية”. فالأقرب إلى الحقيقة أن اليابان استسلمت عندما التقت مجموعة من الضغوط التي لم يعد النظام قادرًا على تحملها: التدمير المتراكم، والانهيار الاستراتيجي، وهيروشيما، ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب، وناغازاكي، والخوف على مستقبل الدولة والنظام الامبراطوري؛ ثم جاء العامل الذي حوّل كل ذلك من ظروف للهزيمة إلى قرار بإنهاء الحرب: قال الامبراطور ذاته.
ولعل المفارقة الأعمق أن ملايين اليابانيين الذين كانوا مستعدين للموت باسم الامبراطور كان عليهم، في النهاية، أن يتعلموا كيف يعيشون بأمر منه! وبذلك لم تثبت نهاية الحرب أن هيروهيتو كان إلهًا. فلقد أثبتت، وعلى نحو أكثر قسوة ووضوحًا، أنه كان إنسانًا؛ إنسانًا شارك في منظومة اتخذت قرارات كارثية، ثم وجد نفسه في لحظة انهيارها أمام قرار أخير لا يمكن لأحد غيره أن يتخذه: أن يسمح باستمرار الكارثة، أو أن يأمر بإنهائها.
