
ثمة فارق بالغ الدلالة بين أن يكون القرار العسكري مفهومًا في ظروفه التاريخية، وأن يكون ضروريًا بحيث لم يكن ثمة بديل عنه. ولعل هذا الفارق هو المدخل الذي ينبغي أن نعود من خلاله إلى واحد من أخطر القرارات التي اتخذها إنسان في التاريخ الحديث: قرار استخدام القنبلة الذرية ضد هيروشيما في السادس من أغسطس/آب 1945، ثم استخدام قنبلة ذرية ثانية ضد ناغازاكي بعد ثلاثة أيام فحسب.
فالرواية الأميركية التي ترسخت طويلًا تقول إن الرئيس هاري ترومان كان أمام خيارين رهيبين: إما استخدام القنبلة الذرية وإجبار اليابان على الاستسلام، وإما غزو الجزر اليابانية، بما يعنيه ذلك من سقوط أعداد هائلة من الجنود الأميركيين. وقد ظل ترومان نفسه يدافع عن قراره بهذا المنطق، مؤكدًا أنه اعتقد أن استخدام القنبلة سينقذ مئات الآلاف من الأنفس الأميركية. ولكن المشكلة تبدأ حين نكتشف أن الوقائع التاريخية تجعل الصورة أكثر تعقيدًا بكثير من هذه الثنائية!
فلم تكن اليابان في صيف عام 1945 القوة العسكرية الصاعدة التي هاجمت بيرل هاربر في ديسمبر/كانون الأول 1941. فلقد كانت إمبراطورية تتداعى. وكانت البحرية الإمبراطورية قد فقدت قدرتها الفعلية على خوض الحرب بالمستوى السابق، بينما تعرض سلاحها الجوي للاستنزاف، وأدى الحصار البحري والتعدين الجوي للمياه اليابانية إلى نقص متزايد في الوقود والغذاء والمواد الاستراتيجية. وبحلول الأشهر الأخيرة من الحرب، كانت المدن اليابانية نفسها مفتوحة أمام القاذفات الأميركية بدرجة كبيرة.
وهنا تظهر حقيقة كثيرًا ما تضيع خلف هول هيروشيما وناغازاكي مفادها أن تدمير المدن اليابانية لم يبدأ بالقنبلة الذرية. ففي ليلة 9–10 مارس/آذار 1945 وحدها، تعرضت طوكيو لغارة بالقنابل الحارقة أصبحت واحدة من أشد الغارات الجوية تدميرًا في التاريخ. وتشير تقديرات تاريخ البحرية الأميركية إلى مقتل ما بين 80 ألفًا و100 ألف مدني ياباني حرقاً في تلك الليلة وحدها. ولم تكن طوكيو سوى البداية؛ فقد تعرضت مدن يابانية كبرى أخرى لحملة قصف منهجية مدمرة. أي أن الولايات المتحدة كانت تمتلك، قبل هيروشيما، قدرة هائلة على مواصلة تدمير البنية الحضرية والصناعية اليابانية بالأسلحة التقليدية وحدها.
ولكن هل كانت هذه القدرة كافية لإجبار اليابان على الاستسلام؟ هنا تحديدًا تصبح المسألة التاريخية مثيرة للجدل. فمن ناحية، كان بعض كبار القادة الأميركيين مقتنعين بأن القصف الجوي وحده لن يكون كافيًا. ففي اجتماع البيت الأبيض في 18 يونيو/حزيران 1945، رأى رئيس أركان الجيش جورج مارشال أن عملية غزو كيوشو هي الطريق الذي ينبغي اتباعه، وأن القوة الجوية وحدها لن تكون كافية لضمان إخراج اليابان من الحرب. وكانت معارك إيو جيما وأوكيناوا قد قدمت للأميركيين دليلًا مرعبًا على مقدار الخسائر التي يمكن أن يتكبدوها إذا اضطروا إلى القتال فوق الأرض اليابانية نفسها.
وهذه الحقيقة لا ينبغي إغفالها عند محاكمة قرار ترومان بعد ثمانية عقود. فالقيادة الأميركية لم تكن تعرف المستقبل، ولم تكن تستطيع أن تضمن أن اليابان ستستسلم في الأسبوع التالي أو الشهر التالي. وكان أمامها خصم أظهر في أوكيناوا وإيو جيما استعدادًا استثنائيًا لمواصلة القتال رغم الخسائر الهائلة. لكن ذلك لا يعني أن القنبلة الذرية كانت الخيار الوحيد. بل إن مكتبة ترومان الرئاسية نفسها، في عرضها التاريخي للقرار، تعدّد بدائل كانت موجودة أمام الرئيس كغزو اليابان، أو الاستمرار في القصف والحصار، أو إجراء استعراض للقنبلة الذرية يُدعى إليه قادة عسكريون يابانيون، أو انتظار دخول الاتحاد السوفيتي الحرب، أو البحث عن تسوية لشروط الاستسلام. أي أن الصورة التاريخية لم تكن في الحقيقة زرًا ذريًا في مقابل غزو حتمي في اليوم التالي!
والأهم من ذلك أن لجنة المسح الاستراتيجي للقصف الأميركية، التي أجرت بعد الحرب تحقيقًا واسعًا واستجوبت مسؤولين يابانيين، انتهت إلى نتيجة شديدة الدلالة؛ إذ أنها رجحت أن اليابان كانت ستستسلم قبل نهاية عام 1945، وعلى الأرجح قبل الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، حتى لو لم تُلق القنبلتان الذريتان، وحتى لو لم يدخل الاتحاد السوفيتي الحرب، وحتى لو لم يكن غزو اليابان قد خُطط له أصلًا. ورأت اللجنة أن التفوق الجوي الأميركي كان قادرًا على ممارسة ضغط يكفي في النهاية لإجبار اليابان على الاستسلام. ولا يعني هذا التقرير أننا نستطيع، بعد ثمانين عامًا، أن نقول بيقين رياضي ماذا كان سيحدث في تاريخ بديل لم تُقصف فيه هيروشيما. فالتاريخ لا يسمح بإعادة التجربة مع تغيير متغير واحد. لكنه يهدم على الأقل فكرة أن لدينا يقينًا تاريخيًا بأن البديل الوحيد للقنبلة كان غزوًا دمويًا لا مفر منه! بل إن الاعتراضات على الاستخدام موجودة قبل إسقاط القنبلة نفسها.
ففي يوليو/تموز 1945، رفع عدد من العلماء المشاركين في العمل المتصل بالطاقة الذرية عريضة إلى الرئيس طالبوا فيها بألا تستخدم الولايات المتحدة القنبلة ضد اليابان قبل إعلان شروط الاستسلام بوضوح وإتاحة فرصة لليابانيين لقبولها، محذرين من المسؤولية الأخلاقية التي ستترتب على إدخال هذا السلاح إلى الحرب. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر إزعاجًا هو ليس: لماذا استُخدمت القنبلة الأولى؟ بل: لماذا كان لا بد من استخدام الثانية أيضًا؟!
فالفاصل بين هيروشيما وناغازاكي لم يتجاوز ثلاثة أيام. وفي الفترة نفسها دخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان، لتجد القيادة اليابانية نفسها أمام تحول استراتيجي هائل يضاف إلى الصدمة الذرية الأولى. ولذلك فإن السؤال التاريخي عن ناغازاكي قد يكون أشد إلحاحًا من السؤال عن هيروشيما: فهل مُنحت القيادة اليابانية أصلًا مدة كافية لاستيعاب ما حدث في السادس من أغسطس، وفهم طبيعة السلاح الجديد، واتخاذ قرار سياسي بالغ التعقيد قبل أن تُدمَّر مدينة ثانية؟!
وهنا نصل إلى مسألة أخرى قلما تُقرأ بعيدًا عن أثر الذاكرة الأميركية للحرب: بيرل هاربر.
فهل كان في قرار استخدام القنبلة شيء من الانتقام؟ لا توجد وثيقة واحدة تتيح لنا اختزال قرار بالغ التعقيد في دافع نفسي واحد اسمه الانتقام. وسيكون من التبسيط التاريخي أن نزعم ذلك. ولكن من الصعب أيضًا تجاهل اللغة التي استُخدمت عند إعلان تدمير هيروشيما.
ففي بيان الرئيس ترومان في السادس من أغسطس/آب 1945، لم يكتف الرئيس بالإعلان عن السلاح الجديد، بل استحضر بيرل هاربر صراحة، وقال “إن اليابانيين بدأوا الحرب من الجو هناك وأنه قد تم إنزال العقاب بهم أضعاف مضاعفة”. وهذه عبارة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا. فهي لا تثبت أن هيروشيما كانت عملية انتقام من بيرل هاربر، لكنها تكشف أن لغة القصاص لم تكن غائبة عن اللحظة التي أعلنت فيها الولايات المتحدة للعالم أنها استخدمت أول قنبلة ذرية ضد مدينة مأهولة!
وعند هذه النقطة يتحول السؤال من التاريخ العسكري إلى فلسفة القوة. فالحرب لا تغيّر فقط حدود الدول، وإنما تغيّر أيضًا الحدود الأخلاقية لما يصبح الإنسان مستعدًا لفعله بالإنسان! وما كان يبدو مستحيلًا في بداية الصراع قد يصبح، بعد سنوات من القتل المتبادل، خيارًا يناقشه القادة فوق الخرائط والأرقام! وحين يتحول عشرات الآلاف من البشر إلى «هدف»، يصبح الانتقال من القنبلة الحارقة إلى القنبلة الذرية أقل اتساعًا في ذهن صانع القرار مما يبدو لنا بعد انتهاء الحرب.
وهنا ربما تكمن المأساة الأعمق لهيروشيما وناغازاكي. فالسؤال هو ليس ما إذا كانت اليابان بريئة من حرب المحيط الهادئ. فهي لم تكن كذلك. والإمبراطورية اليابانية ارتكبت حربًا توسعية وجرائم مروعة في آسيا، وهاجمت بيرل هاربر، وقاتلت بعناد كلما اقتربت الحرب من أرضها.
لكن المسؤولية الجماعية عن الحرب شيء، وتحويل سكان مدينة بأكملها إلى وسيلة لإجبار حكومة على الاستسلام شيء آخر.
فالطفل الذي كان في هيروشيما صباح السادس من أغسطس لم يهاجم بيرل هاربر، والمرأة التي كانت في ناغازاكي في التاسع منه لم تضع استراتيجية الجيش الإمبراطوري، والعجوز الذي احترق داخل منزله لم يكن عضوًا في مجلس الحرب الياباني.
ومن هنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر صعوبة من السؤال العسكري: فإذا كانت هناك بدائل، وإذا كانت اليابان قد أصبحت في وضع استراتيجي بالغ السوء، وإذا كانت مدنها تُدمَّر بالفعل، وإذا كان الحصار يخنق اقتصادها، وإذا كان دخول الاتحاد السوفيتي سيقلب ميزانها الاستراتيجي، فمتى تتوقف «الضرورة العسكرية» عن أن تكون ضرورة، وتتحول إلى تبرير لاستخدام القوة القصوى لمجرد أن هذه القوة أصبحت متاحة؟
وربما تكون أخطر لحظة في تاريخ القوة هي ليست اللحظة التي يعجز فيها الإنسان عن الانتصار، وإنما اللحظة التي يصبح قادرًا على فعل ما لم يكن قادرًا على فعله من قبل. فالضعيف لا يحتاج دائمًا إلى الأخلاق لكي يمتنع؛ فيكفيه العجز. أما الاختبار الحقيقي للأخلاق فيبدأ حين يمتلك الإنسان القدرة. فلقد امتلكت الولايات المتحدة في صيف 1945 قوة لم يمتلكها أي إنسان قبلها: القدرة على محو مدينة تقريبًا بقنبلة واحدة. ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال متعلقًا باليابان وحدها، ولا بترومان وحده، ولا حتى بالحرب العالمية الثانية وحدها. فلقد أصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه: ماذا يفعل الإنسان حين تصبح قوته أكبر من القيود التي كانت تمنعه من ممارسة أقصى ما يستطيع من عنف؟
ولهذا ربما لا ينبغي أن تكون خاتمة قصة هيروشيما وناغازاكي أن القنبلة الذرية أنهت حربًا فحسب، ولا أن ترومان كان شريرًا أو بطلًا؛ فكلتا الصورتين تختزلان تاريخًا شديد التعقيد.
الأكثر إزعاجًا أن نقول شيئًا آخر: إن التاريخ يترك أمامنا أدلة قوية على أن بدائل أخرى كانت موجودة، كما يترك أمامنا أدلة على أن القيادة الأميركية كانت تخشى بالفعل حربًا برية كارثية. وبين هاتين الحقيقتين تقع المساحة التي ينبغي أن يبقى فيها السؤال مفتوحًا: هل استخدمت الولايات المتحدة القنبلة لأنها لم تكن تستطيع إنهاء الحرب من دونها، أم لأنها امتلكتها في اللحظة التي أرادت فيها إنهاء الحرب بأسرع طريقة ممكنة؟
والفرق بين السؤالين هائل، وذلك لأن الأول يجعل هيروشيما مأساة فرضتها الضرورة. أما الثاني فيجعلها مأساة من نوع أشد إثارة للقلق وهي مأساة اللحظة التي امتلك فيها الإنسان قوة غير مسبوقة، ثم أقنع نفسه بأن امتلاك القدرة على استخدامها يكاد يكون سببًا كافيًا لاستخدامها!
وعندئذ لا تعود هيروشيما وناغازاكي مجرد فصل أخير في الحرب العالمية الثانية. بل تصبحان شاهدتين دائمتين على ذلك السؤال القديم الذي يتكرر كلما تضخمت قوة الإنسان: ماذا يبقى من حدوده حين يطغى؟
