
ثمة فارق ربما لا ننتبه إليه كثيرًا بين أن يكون القرآن حاضرًا في حياة الإنسان، وأن يكون حاضرًا معرفيًا فيها! فقد يقرأ المؤمن القرآن كل يوم، ويحفظ بعض سوره وآياته، ويتدبر معانيه، ويخصص له من وقته ما لا يخصصه لكتاب آخر، ومع ذلك يظل القرآن، على نحو غريب، غائبًا عن الجزء الأكبر من نشاطه العقلي والثقافي، وذلك لأنه ما إن يغلق المصحف حتى يعود إلى قراءة الإنسان والتاريخ والسياسة والمجتمع والنفس بالأدوات المعرفية التي اعتادها، وكأن القرآن لم يقدم له شيئًا يمكن أن يرافقه خارج المساحة التي خصصها له للقراءة والتعبد.
وهنا تحديدًا تبرز مشكلة الحضور المعرفي للقرآن في حياة المثقف الذي يؤمن به.
فإذا كان المؤمن يعتقد أن القرآن كلام الله، فإن مقتضى هذا الاعتقاد معرفيًا لا ينبغي أن يقتصر على التسليم بما يخبره القرآن عن الله والآخرة والعبادة والحلال والحرام فحسب، وإنما ينبغي أن يدفعه إلى سؤال أوسع بكثير: هل يقدم القرآن شيئًا يمكن أن يساعدني على فهم الإنسان والعالم والتاريخ؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن القرآن لا يعود كتابًا نخصص له جانبًا من حياتنا الفكرية، بل يصبح حاضرًا في الطريقة التي نفكر بها حتى حين لا يكون موضوع تفكيرنا “دينيًا”، وذلك وفقاً لتفسيرنا لما هو ديني.
ولعل مثالًا واضحًا على ذلك يمكن أن نجده في موضوع يبدو، للوهلة الأولى، بعيدًا كل البعد عن الدراسات القرآنية: نهاية الحرب العالمية الثانية في اليابان. فعندما نحاول فهم الأسباب التي دفعت اليابان إلى الاستسلام سنة 1945، أو حين نسأل عما جعل الرئيس الأميركي هاري ترومان يتخذ واحدًا من أخطر القرارات في التاريخ الحديث، باستخدام السلاح الذري ضد هيروشيما ثم ناغازاكي، فإننا نظن أننا أمام مسألتين تاريخيتين ينبغي أن نتعامل معهما بالوثائق العسكرية، ومحاضر الاجتماعات، والمراسلات الدبلوماسية، وشهادات القادة، وحسابات موازين القوى. وهذا صحيح بلا شك. ولكن الوثيقة تستطيع أن تخبرنا ماذا حدث، وقد تساعدنا على معرفة كيف حدث، إلا أن الانتقال من الوقائع إلى فهم الإنسان الذي صنعها يفتح مستوى آخر من السؤال، لماذا يختار إنسان هذا القرار دون ذاك؟ وكيف يتداخل الخوف والكبرياء والانتقام والمصلحة والسلطة والهوية والانتماء والاعتقاد في صناعة القرار؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يقنع نفسه بأن قرارًا بالغ القسوة كان القرار الضروري الوحيد، أو أن يستمر في الدفاع عنه بعد زوال اللحظة التاريخية التي اتُّخذ فيها؟ وهنا يبدأ الحضور المعرفي للقرآن، وذلك ليس بأن نفتش في القرآن عن آية تخبرنا لماذا استسلمت اليابان، ولا عن آية تفسر قرار ترومان، فهذا تحميل للنص ما لم يدّع لنفسه أصلًا. وليس بأن نستبدل الأرشيف التاريخي بالنص القرآني؛ لأن معرفة الوقائع التاريخية تظل بحاجة إلى الوثيقة والشهادة والتحقيق والنقد والمقارنة. إنما يحضر القرآن في مستوى آخر أعمق: في تعريفنا للكائن الذي صنع تلك الوقائع.
فالقرآن يقدم صورة للإنسان لا تشبه كثيرًا تلك الصورة المبسطة التي يحب الإنسان أن يقدمها عن نفسه. فالقرآن يحدثنا عن كائن يمكن أن يظلم، ويطغى، ويجادل، ويجهل، ويعجل، ويجزع، ويبخل، ويتبع الهوى، ويزين لنفسه فعله، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا: {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا} {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ} {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}. فهذه الآيات لا تقدم تفسيرًا جاهزًا لقرار سياسي أو عسكري بعينه، ولا يجوز تحويلها إلى أحكام مسبقة نلصقها بالأشخاص. ولكنها تقدم للمثقف المؤمن شيئًا ربما يكون أكثر قيمة معرفية تتمثل في فرضيات معرفية عن الإنسان تستحق الاختبار كلما حاولنا فهم سلوكه.
فالقرآن، بهذا المعنى، لا يعطينا الإجابة التاريخية، وإنما يجعلنا أكثر حذرًا من الإجابة الساذجة. فحين يقول لنا الإنسان إنه اتخذ قرارًا عقلانيًا خالصًا، يدفعنا القرآن إلى أن نسأل عن الهوى. وحين يبرر القوي أفعاله بالضرورة، فإنه يدفعنا إلى أن نسأل عن الطغيان الذي قد يولده الشعور بالاستغناء والقوة. وحين تقدم جماعة روايتها الخاصة بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة، يذكرنا القرآن بقدرة الإنسان على الجدل وعلى تزيين أفعاله ومعتقداته لنفسه. وحين نتعامل مع قرار تاريخي كما لو أنه نتيجة حساب عقلاني بسيط، يذكرنا القرآن بأن الإنسان ليس عقلًا مجردًا يتخذ قراراته في فراغ، وإنما هو كائن بالغ التعقيد تتداخل في داخله الرغبة والخوف والهوى والمصلحة والذاكرة والانتماء والعداوة.
ومن هنا نستطيع أن نفهم كيف كان القرآن حاضرًا، من طرف خفي، في بحثنا في استسلام اليابان وفي قرار استخدام السلاح الذري، حتى من دون أن تكون أي من المقالتين مقالة “دينية”، بالمعنى الذي نُعرِّف به كل ما هو ديني. فالقرآن حاضرًا في السؤال عن الإنسان، وهذه في تقديري، إحدى أهم الصور التي ينبغي أن يتخذها الحضور القرآني في حياة المثقف المؤمن.
فالمشكلة تبدأ عندما نقسم معرفتنا إلى غرف مغلقة: هنا الدين، وهناك التاريخ، وهنا علم النفس، وهناك السياسة، وهنا الفلسفة. ثم نسمح للقرآن بأن يتحرك في الغرفة الأولى وحدها، بينما نستدعي بقية أدواتنا حين ندخل الغرف الأخرى!
وبذلك يصبح القرآن، على الرغم من مكانته المقدسة في وعينا، محدود الأثر في بنيتنا المعرفية. أما الحضور المعرفي الحقيقي فلا يعني تحويل كل معرفة إلى تفسير ديني، ولا البحث القسري عن آية وراء كل ظاهرة، ولا الادعاء بأن القرآن كتاب في التاريخ أو السياسة أو علم النفس أو علم الاجتماع. بل يعني شيئًا أدق بكثير: أن يصبح القرآن شريكًا في تكوين الأسئلة التي نطرحها على هذه المجالات.
فالوثيقة التاريخية تخبرني بما فعله الإنسان. وعلم النفس يحاول تفسير آليات سلوكه. وعلم الاجتماع يدرس تأثير الجماعة والبنية الاجتماعية فيه. والعلوم السياسية تبحث في السلطة والمصلحة والمؤسسات. ولكن القرآن يضع أمام المؤمن سؤالًا سابقًا لهذه الأسئلة جميعًا مفاده: أي كائن هو هذا الإنسان الذي نحاول تفسير أفعاله؟ وهنا تصبح الصفات التي ينسبها القرآن إلى الإنسان ذات دلالة معرفية استثنائية. فبدل أن نمر على قوله تعالى {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} بوصفه موعظة في التروي فحسب، يمكن أن يصبح «العجل» سؤالًا نطرحه على القرارات السياسية والعسكرية والتاريخية. وبدل أن نفهم «الهوى» بوصفه مشكلة أخلاقية شخصية فقط، يمكن أن نسأل عن دوره في بناء المعتقدات والقرارات والتبريرات. وبدل أن نحصر «الطغيان» في صورة الحاكم المستبد، يمكن أن نتأمل العلاقة التي يقيمها القرآن بين الطغيان والشعور بالاستغناء: {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.
عندئذ يتحول التدبر من مجرد البحث عما تعنيه الآية إلى البحث أيضًا عما تتيح لنا هذه الآية أن نراه في حياتنا واقعاً متجسداً وصفات من دونها لا يكون الإنسان إنساناً!
وهذا فارق ذو دلالة معرفية بالغة. فالقرآن لا يعود هنا موسوعة نستخرج منها إجابات عن كل شيء، وإنما يصبح مصدرًا لتوسيع مجال الرؤية. فالقرآن ينبهنا إلى متغيرات إنسانية قد تهملها نماذجنا التفسيرية، ثم يترك لنا مهمة البحث عنها واختبار أثرها في الواقع بالأدوات المناسبة لذلك الواقع. ومن ثم لا توجد منافسة بين القرآن والأرشيف التاريخي، ولا بين القرآن وعلم النفس، ولا بين القرآن والعلوم الاجتماعية. فالحضور المعرفي للقرآن لا يعني الاستغناء بهذه الأنوار عن أدوات المعرفة البشرية، وإنما يعني تسليطها على المواضع التي ربما لم نكن لنتنبه إليها من دونها.
ولعل الخطأ الذي وقع فيه جانب من الثقافة الدينية المعاصرة هو أنها جعلت السؤال دائمًا: ماذا يقول القرآن في هذا الموضوع؟
بينما قد يكون السؤال الأكثر خصوبة معرفيًا في أحيان كثيرة: ما الذي يجعلني القرآن أرى في هذا الموضوع ما لم أكن لأراه بالطريقة نفسها من دونه؟ والفرق بين السؤالين هائل. فالأول يبحث عن «موقف قرآني» جاهز من كل قضية، وقد ينتهي بنا إلى تحميل القرآن ما لم يقله. أما الثاني فيجعل القرآن مكوّنًا من مكونات الوعي الذي يقرأ القضية، من دون أن يصادر استقلال الوقائع أو العلوم أو الوثائق.
وبهذا المعنى لا يكون المثقف المؤمن مطالبًا بأن يكتب عن القرآن طوال الوقت لكي يكون القرآن حاضرًا في كتابته. فقد يكتب عن هيروشيما. وقد يكتب عن حرب فيتنام. وقد يكتب عن الذكاء الاصطناعي. وقد يكتب عن التعصب أو السلطة أو السعادة أو الحرب أو الاقتصاد أو العلاقات البشرية. ومع ذلك يكون القرآن حاضرًا في كل ذلك؛ لا بوصفه اقتباسًا يضعه في مقدمة المقالة أو خاتمتها، وإنما بوصفه جزءًا من الجهاز المعرفي الذي يرى به الإنسان والعالم.
وربما كان هذا أحد الفروق بين أن نقرأ القرآن وأن نتعلم كيف نقرأ به! فالقراءة الأولى تخصص للقرآن وقتًا من حياتنا. أما الثانية فتتيح له حضورًا في وعينا. وحين يحدث ذلك، لا نعود بحاجة إلى فتح المصحف في كل مرة لكي نتذكر أن الإنسان عجول، أو مجادل، أو بمقدوره أن يظلم وأن يطغى ويتبع الهوى؛ لأن هذه المحددات تكون قد أصبحت جزءًا من يقظتنا المعرفية ونحن نقرأ التاريخ ونحلل السياسة ونحاول فهم أنفسنا والآخرين. عندئذ فقط يتجاوز القرآن المساحة التي خصصناها له في يومنا، ليصبح حاضرًا في الطريقة التي نبصر بها ما تبقى من اليوم كله!
