
ثمة تجليات لهشاشة الإنسان لا تظهر حين يضعف، وإنما حين يحاول أن يقنع نفسه بأنه قوي؛ ولا تظهر حين يعترف بحدود معرفته، وإنما حين يجد في الاعتراف بهذه الحدود انتقاصًا خفيًا من فرادته واستثنائيته! ولعل واحدًا من أكثر هذه التجليات التصاقًا بنا هو ذلك الميل الغريب إلى الاعتراض على ما يُعرض علينا من أفكار وآراء ونظريات، ليس لأننا نملك بالضرورة ما يدحضها، وإنما لأن قبولها كما هي يبدو أحيانًا وكأنه يحرمنا فرصة إثبات أننا مختلفون!
فالإنسان لا يريد، في الغالب، أن يكون مجرد واحد من البشر. لكنه يريد أن يشعر بأن فيه شيئًا ليس في غيره، وأن نظرته لا بد أن تلتقط ما لم تلتقطه نظرات الآخرين، وأن عقله لا ينبغي أن ينتهي دائمًا إلى حيث انتهت عقولهم! وليس في هذا الميل إلى التفرد مشكلة في ذاته؛ فلولاه ربما ما كان ثمة إبداع ولا اكتشاف ولا خروج على المألوف. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف من نتيجة للتفكير إلى غاية له، وحين لا يعود الإنسان يعترض لأنه وجد خللًا في الفكرة، وإنما يبحث عن خلل فيها لأنه يريد أن يعترض.
وهنا تحدث واحدة من أغرب عمليات “القلب المعرفي”: فبدل أن يكون السؤال: «هل هذه الفكرة صحيحة؟» يصبح السؤال الخفي: “ما الذي يمكنني قوله لكيلا أكون مجرد موافق عليها؟”. ولذلك لا ينبغي أن نستغرب أن نجد الإنسان مستعدًا لمجادلة متخصص أمضى عقودًا من عمره في دراسة مسألة لا يعرف هو عنها إلا اسمها، وربما لم يكن يعرف اسمها قبل دقائق من بدء النقاش! فلو جلس أمامنا، مثلًا، فيزيائي أمضى جانبًا كبيرًا من حياته العلمية في تطوير تقنيات شديدة التعقيد لرصد جسيمات النيوترينو، فلن يكون مستبعدًا أن يبادر أحدنا إلى الاعتراض عليه بعد دقائق من سماعه، مع أنه لا يدري أصلًا ما النيوترينو: أهو جسيم أولي يكاد لا يتفاعل مع المادة، أم حشرة نادرة، أم نوع آخر من جسيمات غبار الطلع!
ومع ذلك سيجادل. وسيقول: “ولكن ألا يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر؟”. والمشكلة ليست في السؤال؛ فالعلم نفسه يقوم على السؤال والشك والاعتراض، بل المشكلة في أن السائل قد لا يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تجعله قادرًا حتى على إدراك معنى الإجابة. ومع ذلك يشعر بأن وجوده في النقاش يقتضي أن تكون له “وجهة نظر”.
وهنا ينبغي التمييز بين الشك المعرفي والاعتراض النفسي. فالشك المعرفي يقول: لا أقبل الادعاء قبل أن أعرف أدلته. أما الاعتراض النفسي فيقول: لا أريد أن أقبل الادعاء بسهولة، لأن قبولي به لا يمنحني شيئًا أتميز به عن الآخرين. فالأول أداة من أدوات المعرفة، أما الثاني فقد يكون أداة من أدوات حماية الذات.
ولعل هذا يفسر لماذا لا تتناسب ثقة الإنسان في رأيه دائمًا مع مقدار معرفته بالموضوع. ففي عالم مثالي كان ينبغي أن يزداد تحفظنا كلما ابتعدنا عن مجال معرفتنا، وأن نقول ببساطة: «لا أعرف ما يكفي لكي أحكم». لكن الإنسان كثيرًا ما يفعل العكس تمامًا؛ فينتقل من موضوع إلى آخر حاملًا معه الشعور ذاته بأهليته للحكم: من الطب إلى الاقتصاد، ومن الفيزياء إلى التاريخ، ومن علم النفس إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الجينات إلى العلاقات الدولية. وكأن امتلاك العقل يعني امتلاك الاختصاص في كل ما يستطيع العقل التفكير فيه!
غير أن المسألة ربما تكون أعمق من مجرد الجهل بحدود المعرفة. فالإنسان كائن شديد الحساسية تجاه فكرة أن يكون «عاديًا». فهو يستطيع أن يتقبل بسهولة أن يكون واحدًا من ثمانية مليارات إنسان من الناحية العددية، لكنه يجد صعوبة أكبر في أن يتقبل النتائج النفسية والمعرفية المترتبة على ذلك: أن كثيرًا من أفكاره ليست فريدة، وأن اعتراضاته ربما سبق أن قالها آلاف غيره، وأن ما يظنه اكتشافًا شخصيًا قد يكون سؤالًا ابتدائيًا حُسم في تخصص ما منذ عشرات السنين. فهو يريد أن يكون «أنا» لا تتكرر.
ومن هنا يمكن النظر إلى الاعتراض القهري بوصفه أحد الأساليب التي يحافظ بها الإنسان على شعوره بالتمايز. فحين أوافقك أكون قد التقيت معك في النقطة نفسها، أما حين أعترض عليك فقد صنعت بيني وبينك مسافة؛ وهذه المسافة، مهما كانت صغيرة، فإنها تستطيع نفسيًا أن تؤدي وظيفة قيِّمة للغاية؛ فهي تمنحني دليلًا على أنني لست أنت.
بل ربما كان قول الإنسان: «أنا أرى الأمر بصورة مختلفة» في بعض الأحيان وصفًا لحاجته إلى الاختلاف أكثر مما هو وصف لاختلاف حقيقي في الرؤية! وإذا نظرنا إلى الظاهرة من زاوية فائض التمثّل، أمكننا الذهاب خطوة أبعد. فالإنسان لا يكتفي بأن يكون ذاتًا؛ فهو يصنع تمثّلًا لهذه الذات، ثم ينشغل بحمايته. إنه لا يعيش نفسه فحسب، وإنما يحمل في ذهنه صورة عن نفسه: أنا مستقل، أنا ناقد، أنا لا أنخدع بسهولة، أنا لا أتبع الآخرين، أنا أرى ما لا يرونه.
وعندئذ قد تتحول الفكرة التي يعرضها الآخر عليه من قضية ينبغي فحصها إلى تهديد صغير للصورة التي كوّنها عن نفسه. فإذا كانت الفكرة صحيحة، وكان الآخر أدرى بها منه، ولم يكن لديه ما يضيفه إليها، فما موقع «الأنا المتميزة» في المشهد؟
وهنا يأتي الاعتراض لينقذها.
ولهذا قد يكون الاعتراف بقول «لا أعرف» أصعب نفسيًا من تعلم ما لا نعرفه! فالجملة قصيرة للغاية، لكنها تقتضي شيئًا بالغ الصعوبة: أن يقبل الإنسان، ولو للحظة، أن العالم لا يحتاج إلى رأيه في كل شيء، وأن ثمة مسائل يستطيع الآخر أن يعرفها أفضل منه، وأن صمته أمام المتخصص لا ينتقص من عقله، كما أن جهله بالنيوترينو لا ينتقص من إنسانيته!
وربما لهذا أيضًا كان التواضع المعرفي فضيلة أصعب بكثير مما نتصور. فهو ليس مجرد الاعتراف بنقص المعلومات، وإنما القدرة على احتمال ذلك الاعتراف نفسيًا من دون أن نشعر بأن فرادتنا أصبحت مهددة! فالإنسان الواثق معرفيًا هو ليس الذي يمتلك رأيًا في كل شيء، بل الذي يعرف متى يكون امتلاك الرأي نفسه غير مشروع معرفيًا.
وليس السؤال الذي يكشف نضج العقل دائمًا: “ما رأيك؟”. فقد يكون السؤال الأهم: هل تعرف من هذا الموضوع ما يكفي لكي يكون لك رأي أصلًا؟ وربما كان واحدًا من أدق مقاييس النضج المعرفي للإنسان هو قدرته على الجلوس أمام فكرة لا يعرف عنها شيئًا، والاستماع إليها كاملة، ثم مقاومة تلك الرغبة الصغيرة الملحّة التي تهمس له من الداخل: قل أي شيء، ولكن لا تخرج من هنا من دون أن تختلف!
