
قلّما نقرأ تاريخ دولة، أو سيرة عالِم، أو قصة اكتشاف، أو مسار حرب، أو تطور نظرية علمية، من دون أن نصادف عبارة من قبيل: «وكانت تلك هي نقطة التحول». وكأن التاريخ، والعلم، والسياسة، والحياة الإنسانية نفسها، تتحرك في مسارات طويلة ثم تبلغ فجأة نقطة بعينها ينقسم عندها الزمن إلى ما قبل وما بعد. فلقد أصبحت «نقطة التحول» واحدة من أكثر الأدوات شيوعًا في تفسير الأحداث. فمعركة بعينها تصبح نقطة تحول في حرب طويلة، وتجربة واحدة تصبح نقطة تحول في تاريخ علم كامل، وملاحظة عابرة تصبح نقطة تحول في حياة عالِم، وقرار سياسي واحد يصبح نقطة انقلاب في تاريخ دولة، واكتشاف تقني يصبح اللحظة التي انتقل عندها الإنسان من عصر إلى عصر آخر. ولكن هل توجد «نقطة التحول» فعلًا في الواقع بهذه الصورة؟ أم أنها واحدة من طرائق العقل البشري في تمثل واقع أكثر تعقيدًا واستمرارية مما تسمح به القصص التي يرويها عنه؟
لعل الإجابة تقتضي أولًا أن نفرّق بين التحول ونقطة التحول. فالتحول حقيقة يصعب إنكارها. فالأنظمة الفيزيائية تتحول، والكائنات الحية تتغير، والمجتمعات تتبدل، والدول تصعد وتهبط، والنظريات العلمية تُعدّل أو تُستبدل، والتقنيات تتطور. ولكن القول بوجود التحول لا يستلزم بالضرورة القول بوجود «نقطة» واحدة يمكن عندها تحديد اللحظة التي وقع فيها ذلك التحول.
وهنا تبدأ المشكلة.
يميل العقل الإنساني إلى التعامل مع العالم من خلال وحدات قابلة للفهم والتمييز. فنحن نقسم الزمن المستمر إلى سنوات وعقود وعصور، ونقسم التاريخ إلى مراحل، ونمنح المراحل أسماء، ثم نبحث عن أحداث تفصل الواحدة منها عن الأخرى. وهذه الطريقة نافعة للغاية؛ إذ يستحيل تقريبًا التفكير في التاريخ إذا تعاملنا معه بوصفه تدفقًا غير منقطع لمليارات الوقائع المتشابكة. ولكن الأداة التي تساعدنا على فهم الواقع قد تتحول، من دون أن نشعر، إلى تصور عن طبيعة الواقع نفسه. فننتقل من القول: “من المفيد أن نعتبر هذا الحدث نقطة تحول” إلى القول: “هذا الحدث كان في ذاته نقطة التحول”. والفارق بين العبارتين معرفي عميق. فالأولى تعترف بأننا نحن الذين اخترنا الحدث علامةً تساعدنا على تنظيم الوقائع، بينما توحي الثانية بأن التاريخ نفسه قد وضع خطاً في تلك اللحظة وكتب على أحد جانبيه “قبل” وعلى الآخر “بعد”.
والآن، لنتأمل المفارقة الآتية: فكثيرٌ من الأحداث التي نصفها اليوم بأنها «نقاط تحول تاريخية» لم يشعر معاصروها بالضرورة أنهم يعيشون نقطة تحول! فقد يستيقظ الناس في صباح يوم نعتبره اليوم بداية عصر جديد، ويمضون إلى أعمالهم ويعيشون يومهم بصورة طبيعية. وبعد عشرين أو خمسين أو مئتي سنة، يأتي المؤرخ فينظر إلى سلسلة طويلة من النتائج، ثم يعود إلى الماضي باحثًا عن حدث يصلح أن يكون بداية لها، فيختار لحظة معينة ويمنحها امتيازًا سببيًا لم يكن ظاهرًا لمن عايشوها! وهنا يظهر خطر “الحكمة” بأثر رجعي. فنحن نعرف النتيجة، ثم نعيد قراءة الماضي في ضوئها! وبما أننا نعرف إلى أين انتهى المسار، تبدو بعض الوقائع السابقة وكأنها كانت تقود إليه حتمًا. ولكنها لم تكن تبدو كذلك وهي تحدث.
وبذلك قد تتحول «نقطة التحول» من وصف تاريخي مفيد إلى وهم غائي يجعل الماضي يبدو وكأنه كان يعرف مستقبله!
وحتى تاريخ العلم، الذي يبدو للوهلة الأولى أكثر قابلية لتحديد نقاط التحول، يكشف المشكلة ذاتها. فنحن نحب قصة “اللحظة الفارقة”: التفاحة التي قادت نيوتن إلى التفكير في الجاذبية، أو اللحظة التي صاح فيها أرخميدس «وجدتها»، أو الملاحظة المفاجئة التي تقود عالِمًا إلى اكتشاف لم يكن يبحث عنه.
ولكن التاريخ الفعلي للاكتشافات العلمية هو أشد تعقيدًا بكثير. فاللحظة التي نسميها «الاكتشاف» تكون في الغالب ملتقى سلسلة طويلة من المقدمات: أدوات أصبحت متاحة، وأسئلة طرحها علماء سابقون، ونتائج تراكمت، وأخطاء كُشفت، ومفاهيم نضجت، وتقنيات قياس تطورت، ثم جاء شخص أو فريق استطاع تركيب هذه العناصر بكيفية جديدة. فأين تقع نقطة التحول إذاً؟ هل هي لحظة الملاحظة الأولى؟ أم لحظة فهم معناها؟ أم نشر البحث؟ أم قبول المجتمع العلمي له؟ أم اللحظة التي أصبحت فيها نتائجه أساسًا لأبحاث جديدة؟ فقد لا تكون ثمة نقطة واحدة أصلًا.
غير أن رفض التبسيط لا ينبغي أن يقودنا إلى النقيض، فنقول إن نقاط التحول مجرد أوهام ذهنية دائمًا. فالطبيعة تقدم لنا حالات يبدو فيها مفهوم العتبة حقيقيًا بصورة أكثر مباشرة. فالماء الذي ترتفع حرارته تدريجيًا يبلغ، ضمن شروط محددة، حالة ينتقل عندها من طور إلى آخر. وبعض الأنظمة الفيزيائية يمكن أن تتراكم فيها تغيرات صغيرة إلى أن تتجاوز عتبة فتتغير خصائص النظام تغيرًا نوعيًا. والأمر نفسه يظهر، بصور أكثر تعقيدًا، في الأنظمة البيئية والبيولوجية والمناخية وغيرها من الأنظمة الديناميكية. وهنا لا تكون «نقطة التحول» مجرد حيلة سردية. فهناك بالفعل حالة للنظام قبل تجاوز عتبة وحالة مختلفة بعد تجاوزها. ولكن حتى هذا المثال يعلّمنا الحذر. فالعتبة لا تعني بالضرورة وجود «لحظة سحرية» منفصلة عما سبقها؛ إذ لم يكن الانتقال ممكنًا لولا التراكم الذي أوصل النظام إليها. وبذلك يمكن القول إن النقطة قد تكون حقيقية، لكن النقطة لا تفسر نفسها. فالقطرة الأخيرة التي تجعل الوعاء يفيض ليست وحدها سبب فيضانه! فلقد اكتسبت قيمتها الوجودية لأن آلاف القطرات سبقتها.
وهنا ربما يكمن أحد أكثر أخطاء مفهوم نقطة التحول شيوعًا والمتمثل في الخلط بين الحدث الذي ظهرت عنده النتيجة والأسباب التي صنعت النتيجة. ففي الحروب، مثلًا، قد تكون هناك معركة تغير بعدها اتجاه العمليات العسكرية بوضوح. ومن المشروع وصفها بأنها نقطة تحول عملياتية، ولكن ذلك لا يعني أنها صنعت بمفردها كل ما جاء بعدها! فلقد سبقتها موارد، وقرارات، وأخطاء، واقتصادات حرب، وتحالفات، وتقنيات، ومعنويات، وإمدادات، وعوامل جغرافية وسياسية. وبذلك تصبح المعركة نقطة ظهور التحول أكثر مما تكون بالضرورة منشأه الوحيد.
ويمكن تعميم هذا على الثورات والانهيارات الاقتصادية والاكتشافات العلمية والتحولات الثقافية، بل حتى على حياة الأفراد. فنحن نميل إلى البحث عن «اللحظة التي تغير فيها كل شيء»، مع أن كل شيء ربما كان يتغير منذ زمن طويل، ولم تفعل تلك اللحظة سوى أنها جعلت التغير المتراكم مرئيًا!
ومن هنا يمكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى: فربما يكشف شغف الإنسان بنقاط التحول عن خاصية أعمق في طريقته في تمثل الواقع. فالواقع مستمر، ومتعدد الأسباب، ومتداخل المستويات، ولا يحترم بالضرورة الحدود التي نرسمها له. أما العقل فيحتاج إلى البداية والنهاية، والسبب والنتيجة، وما قبل وما بعد؛ إذ أنه يحتاج إلى قصة. والقصة بدورها تحتاج إلى لحظة تنقلب عندها الحبكة. وهكذا قد ننقل البنية السردية من أذهاننا إلى الواقع نفسه. فنبحث في التاريخ عن “يوم غيّر العالم”، وفي العلم عن “لحظة الاكتشاف”، وفي الحروب عن “المعركة التي حسمت كل شيء”، وفي حياة العباقرة عن “اللحظة التي أدرك فيها الحقيقة”. وقد لا يكون ذلك كذبًا، لكنه قد يكون ضغطًا للواقع داخل قالب تمثلي يجعل العالم أكثر قابلية للفهم على حساب شيء من تعقيده. وهنا يصبح مفهوم “نقطة التحول” مثالًا مناسبًا لما يمكن تسميته بـ “فائض التمثّل”، وذلك حين لا يكتفي العقل ببناء نموذج يساعده على التعامل مع الواقع، وإنما ينسى أن النموذج من صنعه، فيعيد إسقاطه على الواقع بوصفه خاصية كامنة فيه!
والآن، هل نستطيع الاستغناء عن هذا المفهوم؟ ربما لا، ولا ينبغي لنا ذلك أصلًا. فمفهوم “نقطة التحول” شديد القيمة إذا تعاملنا معه باعتباره أداة تحليلية لا حقيقة ميتافيزيقية مفروضة سلفًا على الأحداث. فيمكن أن نقول إن معركة ما كانت نقطة تحول إذا استطعنا أن نبين أن احتمالات ما بعدها اختلفت بصورة جوهرية عما قبلها. ويمكن أن نصف اكتشافًا بأنه نقطة تحول إذا أحدث إعادة تنظيم واسعة في حقل معرفي. ويمكن أن نصف تقنية بأنها كذلك إذا أصبح مسار المجتمع بعدها مختلفًا بصورة يصعب ردها إلى الحالة السابقة.
ولكن علينا في كل مرة أن نسأل سؤالًا إضافيًا: هل اكتشفنا نقطة تحول في الواقع، أم اخترنا نقطة مناسبة لتمثل تحولاً كان يحدث أصلًا عبر سيرورة أطول؟ وهذا السؤال يمنعنا من تحويل الأداة التفسيرية إلى قدرية تاريخية.
ولعل البديل الأكثر دقة في كثير من الحالات هو الحديث عن منطقة تحول بدلًا من نقطة تحول. فالتاريخ كثيرًا ما لا ينعطف عند نقطة هندسية دقيقة، وإنما يدخل منطقة تصبح فيها الحالة القديمة أقل قدرة على الاستمرار، بينما تتكاثر إمكانات الحالة الجديدة. فداخل هذه المنطقة قد توجد أحداث مفصلية، لكنها ليست بالضرورة أسبابًا منفردة، وإنما هي لحظات تكثف سيرورة أوسع. وبهذا نستطيع التمييز بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما نخلط بينها: التحول نفسه، والعتبة التي يصبح عندها التحول غير قابل للتجاهل، والحدث الذي نختاره رمزًا لذلك التحول. وقد تتطابق هذه الأشياء الثلاثة أحيانًا، ولكنها في معظم التاريخ الإنساني لا تتطابق.
ربما تكمن المفارقة الأعمق في أننا لا نستطيع معرفة التاريخ من دون تقسيمه! ولكن التاريخ نفسه لم يُعش مقسمًا بالطريقة التي نكتبه بها. فالإنسان الذي عاش «نهاية عصر» لم يكن يعرف بالضرورة أن عصره ينتهي، والعالِم الذي أجرى تجربة ستغير تاريخ العلم لم يكن يعرف دائمًا أنه يقف على حدود عصر معرفي جديد! والجندي الذي شارك في «المعركة الفاصلة» لم يكن يستطيع أن يرى الخريطة التاريخية التي سيرسمها المؤرخ بعد عقود! فنحن مَن يأتي لاحقًا ونضع النقاط على الخط، وبعض هذه النقاط يكشف عتبات حقيقية في الواقع، وبعضها يحدد اللحظة التي أصبحت عندها تراكمات طويلة قادرة على إنتاج تحول نوعي، وبعضها الآخر ليس إلا علامة تمثلية نحتاج إليها لكي نجعل التاريخ قابلًا للسرد والفهم!
ولذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر دلالة معرفية: أين كانت نقطة التحول؟ بل: ما الذي يجعلنا نعتقد أن تحولًا امتد سنوات أو عقودًا أو قرونًا ينبغي أن تكون له نقطة واحدة أصلًا؟! فقد يكون الواقع أكثر ميلًا إلى السيرورات مما هو إلى اللحظات، وأكثر اعتمادًا على التراكم مما هو على الانقلاب المفاجئ. أما «اللحظة الحاسمة» فقد تكون، في حالات كثيرة، الكيفية التي يختار بها العقل البشري أن يرسم نقطة واضحة فوق خط متصل؛ ثم ينظر إلى النقطة التي رسمها بيده، وينسى أنه هو الذي رسمها!
