هل سيبقى من الترمبية شيء بعد انتهاء المدة الرئاسية الثانية للرئيس ترمب؟

ثمة ظواهر سياسية تبلغ من قوة حضورها في زمنها حدًّا يجعل معاصريها يتخيلون أنها جاءت لتبقى. وكلما ازداد حضور الشخصية التي تتصدرها، ازداد الميل إلى الاعتقاد بأننا لا نقف أمام سياسي عابر، وإنما أمام مدرسة سياسية جديدة ستواصل تأثيرها حتى بعد أن يغادر مؤسسها المسرح.
ولعل هذا ما يحدث اليوم مع ما اصطلح على تسميته بـ”الترمبية (Trumpism) “. فقد تجاوز المصطلح منذ زمن مجرد الإشارة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليصبح في الكتابات السياسية والإعلامية وصفًا لمقاربة أوسع: «أميركا أولًا»، والتشدد في ملف الهجرة، والنزعة الحمائية في التجارة، والشك في بعض صور الالتزام الأميركي الخارجي، والمواجهة الحادة مع المؤسسة السياسية والإعلامية التقليدية، فضلًا عن أسلوب مخصوص في مخاطبة الجمهور يقوم إلى حد بعيد على الحضور الشخصي المباشر للرئيس نفسه.
ومن هنا نشأ افتراض يبدو، للوهلة الأولى، معقولًا: إذا كانت الترمبية قد استطاعت إعادة تشكيل جزء كبير من خطاب الحزب الجمهوري الأميركي، فلماذا لا تستمر بعد ترمب؟ ولكن التاريخ السياسي الأميركي نفسه يدعونا إلى شيء من الحذر قبل تحويل قوة الظاهرة في حاضرها إلى دليل على بقائها في المستقبل.
ولعل “الماكارثية  (McCarthyism)” تقدم لنا واحدة من أكثر المقارنات إثارة للتأمل. فقد بدا السيناتور جوزيف مكارثي، في مطلع خمسينيات القرن العشرين، ظاهرة سياسية تتجاوز شخصه أيضًا. فلقد كانت الولايات المتحدة تعيش أجواء الحرب الباردة، والخوف من الاتحاد السوفييتي، والقلق من الاختراق الشيوعي للمؤسسات الأميركية. وفي هذه البيئة استطاع مكارثي أن يحول مكافحة الشيوعية من قضية سياسية وأمنية إلى أسلوب في ممارسة السياسة ذاتها، حتى أصبح اسمه مصطلحًا مستقلًا: “الماكارثية”. ولم يكن من السهل آنذاك تخيل السرعة التي يمكن أن يتراجع بها نفوذه. ولكن جلسات الجيش ومكارثي المتلفزة عام 1954 أسهمت في تراجع مكانته لدى الجمهور، ثم أدانه مجلس الشيوخ رسميًا في الثاني من ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه. وتشير السجلات التاريخية لمجلس الشيوخ إلى أن التصويت حرمه عمليًا من جانب كبير من قوته ومكانته السياسية. وهكذا تراجعت الظاهرة التي بدت، قبل سنوات قليلة فقط، وكأنها تعيد تشكيل الحياة السياسية الأميركية كلها. غير أن الدرس الأهم من الماكارثية ليس أن التاريخ سيكرر نفسه حرفيًا مع الترمبية، وإنما أن علينا التمييز بين الظاهرة السياسية والشروط التي صنعتها. فمكارثي لم يصنع الخوف الأميركي من الشيوعية من العدم. فلقد وجد ذلك الخوف قائمًا قبله، ثم أعطاه اسمه وصوته وأسلوبه السياسي. ولذلك تراجعت «الماكارثية» المرتبطة بمكارثي، بينما لم تختفِ المواجهة الأميركية مع الشيوعية ولم تنتهِ الحرب الباردة بخروجه من مركز المشهد.
وهنا تصبح المقارنة بالترمبية أكثر إثارة للاهتمام. فهل ترمب هو الذي صنع كل الظواهر التي نطلق عليها اليوم اسم «الترمبية»؟ أم أنه الشخصية التي استطاعت جمع ظواهر كانت موجودة أصلًا في المجتمع الأميركي، ثم منحتها خطابًا واسمًا وقيادة سياسية؟
والفرق ذو دلالة بالغة. فإذا كانت الترمبية تعني ترمب نفسه؛ طريقته في الخطاب، وعلاقته المباشرة بأنصاره، وأسلوبه في إدارة الصراع السياسي، وقدرته الاستثنائية على تحويل شخصه إلى مركز دائم للنقاش السياسي والإعلامي، فإن انتقال هذه الصيغة كاملة إلى سياسي آخر لن يكون أمرًا بديهيًا. فالكاريزما السياسية ليست مؤسسة يمكن توريثها، والأسلوب الشخصي لا ينتقل بمجرد أن يعلن وريث سياسي أنه سيواصل الطريق. أما إذا كنا نقصد بالترمبية الاعتراض على العولمة، والحمائية الاقتصادية، وتشديد سياسات الهجرة، وشعار «أميركا أولًا»، والشك في أعباء التحالفات الخارجية، والنفور من النخب والمؤسسات التقليدية، فإن الأمر مختلف تمامًا. فهذه الاتجاهات قد تبقى لأنها لا تعتمد كلها على وجود ترمب شخصيًا.
وهكذا قد نقع في خطأ مفاهيمي حين نتعامل مع كل ما اجتمع تحت مظلة ترمب باعتباره “ترمبية”. فبعضه ترمب، وبعضه أميركا التي وجدت في ترمب تعبيرًا عنها.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي بعد مغادرته البيت الأبيض هو ليس: هل ستبقى الترمبية؟ وإنما: أي جزء من الترمبية كان ترمب، وأي جزء منها كان المجتمع الأميركي نفسه؟ وهذه التفرقة تقودنا كذلك إلى مسألة أعمق تتعلق بما يمكن تسميته «الأساس الفكري» للظواهر السياسية. فالظاهرة السياسية التي تريد أن تستمر بعد مؤسسها تحتاج عادة إلى قدر من الاستقلال عنه: منظومة أفكار قابلة للصياغة، ومؤسسات تحملها، ونخب قادرة على تطويرها، ومفاهيم يمكن تطبيقها على ظروف جديدة، وآلية لنقلها من جيل سياسي إلى آخر. أما حين تكون قوة الظاهرة مستمدة بدرجة كبيرة من الشخصية التي تتصدرها، فإن رحيل تلك الشخصية يضعها أمام اختبار لم يكن عليها أن تواجهه من قبل مفاده: هل تستطيع الفكرة أن تعمل من دون صاحبها؟
وهنا تبرز نقطة التشابه الأكثر دلالة بين الماكارثية والترمبية. فكلتاهما ارتبطت في اسمها بشخص بعينه. وليس هذا تفصيلًا لغويًا بسيطًا. فعندما لا نستطيع تسمية ظاهرة سياسية إلا باستدعاء اسم صاحبها، فقد يكون ذلك مؤشرًا على مقدار ما تستمده من شخصه. ولكن المقارنة ينبغي ألا تدفعنا إلى نتيجة متعجلة معاكسة. فكما أن سقوط مكارثي لم يُسقط الخوف من الشيوعية الذي سمح بصعوده، فإن خروج ترمب من البيت الأبيض لا يعني بالضرورة زوال الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي سمحت بصعود الترمبية.
ولهذا قد يكون المستقبل الأكثر إثارة للمفارقة هو أن تنتهي الترمبية بينما يبقى كثير مما نسميه اليوم ترمبيًا. فقد يختفي الاسم، وتتراجع مركزية الشخص، ويأتي قادة جمهوريون لا يتحدثون بطريقته ولا يستخدمون لغته، لكنهم يحتفظون ببعض سياساته في الهجرة والتجارة والعلاقة مع الحلفاء ودور الولايات المتحدة في العالم. وعندئذ لن نكون أمام استمرار الترمبية بالمعنى الدقيق، وإنما أمام امتصاص السياسة الأميركية لبعض عناصرها وإعادة تقديمها تحت أسماء أخرى.
وهذا، بالمناسبة، هو أحد الأساليب التي يمارس بها التاريخ سخريته الخاصة. فالسياسي يريد أن يخلّد اسمه في أفكاره، لكن الأفكار التي تنجح حقًا قد تستمر أحيانًا بأن تتخلى عن اسمه. أما تلك التي لا تستطيع العيش إلا في حضوره، فإنها تكشف، بعد رحيله، أنها لم تكن مدرسة سياسية بقدر ما كانت لحظة سياسية شديدة الارتباط بصاحبها!
ولذلك فإن السؤال الذي سيواجه الولايات المتحدة بعد انقضاء الرئاسة الثانية لترمب لن يكون فقط: من سيرث ترمب؟ بل سؤالًا أكثر عمقًا: هل يوجد أصلًا شيء اسمه «الترمبية» يمكن أن يُورث؟ أم أننا سنكتشف، كما اكتشفت أميركا بعد أفول مكارثي، أن بعض الظواهر التي تبدو في ذروة قوتها وكأنها عقائد سياسية راسخة هي ليست، في حقيقتها، سوى التقاء استثنائي بين رجل ولحظة تاريخية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فقد يكون الخطأ الذي نقع فيه اليوم هو أننا ننظر إلى قوة الترمبية في زمن ترمب، ثم نستنتج منها قدرتها على الحياة من دونه. بينما الاختبار الحقيقي لأي عقيدة سياسية تنتهي باللاحقة «ــ ية» (ism—) لا يبدأ حين يكون صاحبها في أوج سلطته، بل يبدأ في اليوم التالي لغيابه.

أضف تعليق