“كن فيكون”… حين يتمايز الفعل الإلهي عن السببية والزمن

ثمة فارق بالغ الدلالة بين أن نقول إن الله خالق كل شيء، وأن نحاول أن نستبين، من خلال القرآن نفسه، الكيفية التي يحدث بها هذا الخلق. فليس كل ما ينسبه القرآن إلى الفعل الإلهي يجري بالكيفية ذاتها، وليس بالضرورة أن يكون كل فعل إلهي خاضعًا لذلك التسلسل الذي ألفناه في عالمنا الفيزيائي، والذي تقوم عليه العلاقة بين السبب والنتيجة، بحيث تسبق العلة معلولها، وتمر الظاهرة بمراحل متعاقبة قبل أن تبلغ صورتها النهائية.
ولعل التعبير القرآني “كن فيكون” واحد من أكثر المواضع التي تستدعينا إلى إعادة النظر في هذا التمييز؛ لا لأنه يخبرنا بأن الله قادر على إيجاد الأشياء فحسب، وإنما لأنه يقدم لنا، فيما يبدو، توصيفًا مخصوصًا لفعل إلهي لا يخضع لما تخضع له الأفعال الجارية عبر الأسباب من انتظار وتدرج وتعاقب زمني.
والمفارقة أن كثيرًا من القراءات التفسيرية، القديمة والمعاصرة، انتهت إلى التعامل مع هذا التعبير على أنه مجرد تأكيد لسلطان الإرادة الإلهية وحتمية تحققها، من دون أن يكون في ذلك ما يستلزم الفورية أو الآنية أو انتفاء الفاصل الزمني بين الأمر وتحققه. بل أن بعض القراءات المعاصرة ذات النزعة العلمية ذهبت إلى إمكان فهم «كن فيكون» على أنها تشمل عمليات كونية وتطورية قد يستغرق تحققها ملايين، بل مليارات السنين!
ولكن هل يجيز لنا النص القرآني نفسه هذا الفهم؟ وهل يمكن أن يكون الأمر الإلهي «كن» قد صدر، ثم ظل المأمور به في انتظار اكتمال سلسلة من الأسباب الفيزيائية قبل أن يتحقق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يميز «كن فيكون» عن سائر الأفعال الإلهية التي تجري عبر الأسباب والمراحل؟
إن السؤال هنا ليس عن قدرة الله على الخلق المتدرج، فهذه القدرة لا خلاف عليها، وإنما عن مشروعية إلغاء التمايز الذي يبدو أن القرآن نفسه قد أقامه بين الفعل الإلهي الآمر والفعل الإلهي الجاري عبر الأسباب.
والآن، لنبدأ بالآية التي ربما تكون الأشد وضوحًا في بيان العلاقة بين الأمر الإلهي وتحققه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس 82). فأول ما يستوقفنا في هذه الآية هو بناؤها اللغوي المحكم. فهي لا تكتفي بالقول إن الله إذا أراد شيئًا تحقق مراده، وإنما تصوغ العلاقة بين الإرادة والأمر والتحقق في نسق مخصوص: إرادة إلهية، يعقبها أمر «كن»، فيكون الشيء. وليس من اليسير إغفال ما تؤديه الفاء في «فيكون» من معنى التعقيب والاتصال؛ فهي ليست مجرد أداة للربط بين جملتين مستقلتين، وإنما تسهم في تصوير التحقق بوصفه تابعًا للأمر، لا بوصفه نتيجة تنتظر اكتمال سلسلة طويلة من المقدمات! صحيح أن الفاء في العربية لا تستلزم، في كل استعمالاتها، انعدام الفاصل الزمني انعدامًا مطلقًا، ولكننا لسنا هنا أمام استعمال لغوي معزول، وإنما أمام تعبير يتكرر في القرآن، وتحيط به آيات أخرى تجعل من سرعة نفاذ الأمر الإلهي وامتناع تعثره أو تأخره عنصرًا أساسيًا في فهمه. ومن هنا تكتسب أداة الحصر «إنما» دلالة خاصة. فالآية لا تقدم وصفًا عارضًا لواحد من أفعال الله، وإنما تصوغ تقريرًا حاسمًا بشأن طبيعة الأمر الإلهي حين تتعلق الإرادة بإيجاد شيء. ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين نقرأ: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (البقرة 117). فالقضاء هنا ليس بداية مشروع يُنتظر إنجازه، وإنما هو تعبير عن نفاذ المشيئة الإلهية التي لا يحول بينها وبين تحقق متعلقها عجز أو مقاومة أو حاجة إلى استكمال شروط خارجة عنها.
والسؤال الذي ينبغي ألا نتجاوزه هو: لماذا اختار القرآن هذا البناء بالذات، إذا كان من الجائز أن يفصل بين الأمر وتحققه زمن يمتد إلى مليارات السنين؟ أليس في جعل التحقق تابعًا للأمر مباشرة ما يدعونا إلى فهم هذا الفعل بوصفه متميزًا عن الفعل الذي يستغرق حدوثه ردحاً من الزمان؟
وربما كان أقوى ما يعزز هذه المقاربة أن القرآن لا يتركنا معتمدين على الدلالة اللغوية للفاء وحدها، وإنما يقدم لنا توصيفًا آخر أكثر مباشرة: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} (القمر50). فهنا لا يكتفي القرآن بالإشارة إلى أن الأمر الإلهي نافذ لا محالة، وإنما يقرن هذا النفاذ بصورة زمنية لا تكاد تقبل الاختزال إلى ما هو أقصر منها في التجربة الإنسانية: لمح البصر.
وإذا كانت «كن فيكون» تثير لدى بعض المفسرين سؤالًا عن إمكان وجود فاصل زمني بين الأمر والتحقق، فإن هذه الآية تبدو كأنها تتدخل لحسم جانب أساسي من السؤال. فالأمر الإلهي “واحدة”، وهو “كلمح بالبصر”. وليس من اليسير التوفيق بين هذه الصياغة وبين القول إن الأمر قد يصدر في لحظة، بينما لا يتحقق مقتضاه إلا بعد أحقاب كونية طويلة! فكيف يكون الأمر كلمح بالبصر إذا كان تحققه ينتظر ملايين السنين؟! وكيف تكون «الواحدة» وصفًا للأمر إذا جاز أن تتوزع فعاليته على مراحل لا تحصى من التعاقب السببي؟!
وقد يقال إن المقصود سرعة صدور الأمر، لا سرعة تحقق المأمور به. ولكن هذا الاعتراض يواجه إشكالًا جوهريًا مفاده: ما القيمة التفسيرية لتأكيد سرعة صدور أمر إلهي لا يعجز الله عن إصداره أصلًا، إذا كان تحقق مقتضاه لا يختلف في بنيته الزمنية عن أي عملية سببية أخرى؟! فموضع الدلالة، وفق هذه القراءة، ليس سرعة التلفظ بالأمر، وإنما سرعة نفاذه. بل أن القرآن يقدم تعبيرًا آخر يستحق أن يوضع إلى جانب هذه الآية: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (النحل 77). واللافت هنا أن الآية لا تكتفي بتشبيه أمر الساعة بلمح البصر، وإنما تضيف «أو هو أقرب»، وكأنها تحذر العقل من أن يجعل حتى هذا المثال الحسي مقياسًا نهائيًا لما يصفه النص. فاللمح، على قصره، يظل ظاهرة تحدث في الزمن. أما الأمر الإلهي، كما تصوره هذه الآية، فلا ينبغي أن نحصره في حدود هذا المثال. ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن هذه الآية تتحدث عن أمر الساعة تحديدًا، فلا يصح نقل دلالتها إلى كل صور الخلق من دون استدلال. وإنما تكتسب دلالتها هنا من كونها تقدم شاهدًا قرآنيًا آخر على إمكان تعلق الأمر الإلهي بتحقق لا يحتاج إلى الامتداد الزمني الذي تحتاج إليه الظواهر الفيزيائية المعتادة.
إن واحدة من المشكلات المعرفية التي تواجه الإنسان حين يحاول فهم الفعل الإلهي هي ميله إلى تعميم القوانين التي اعتادها في عالمه على كل ما يقع خارج هذا العالم أو يتصل به. فنحن لا نعرف، في تجربتنا اليومية، إيجادًا يحدث من دون أسباب، ولا بناءً يكتمل من دون مراحل، ولا نتيجة تتحقق من دون أن تسبقها مقدمات. ولهذا نميل، حتى حين نتحدث عن الله، إلى تخيل فعله على مثال أفعالنا، مع فارق في القدرة والحجم والسرعة. ولكن هل يجيز لنا القرآن هذا التعميم؟
إن القرآن يحدثنا عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} (السجدة 4). ونقرأ فيه كذلك عن خلق الإنسان في أطوار، وعن إنبات النبات، ونزول المطر، وتعاقب الليل والنهار، وغير ذلك من الظواهر التي تجري وفق انتظام وتدرج وتتابع. ولا خلاف في أن هذه الآيات تقدم لنا صورًا لأفعال إلهية يقع تحققها في عالم الأسباب والمراحل. ولكن لماذا ينبغي أن نفترض أن هذه الكيفية هي الكيفية الوحيدة الممكنة للفعل الإلهي؟ بل لماذا لا نقرأ «كن فيكون» بوصفها تنبيهًا إلى أن الفعل الإلهي ليس محصورًا في النمط الذي ألفناه، وأن الله، وإن شاء أن تجري بعض أفعاله عبر أسباب ومراحل، ليس محتاجًا إلى هذه الأسباب والمراحل حتى يتحقق مراده؟ فالسببية، بهذا المعنى، ليست قيدًا مفروضًا على القدرة الإلهية، وإنما هي جزء من النظام الذي أوجده الله للعالم. فالأول هو تعبير عن حرية الفعل الإلهي، أما الثاني فيجعل القدرة الإلهية، من حيث لا نشعر، في تمام التوافق مع النظام السببي الذي أوجدته.
ومن هنا يمكننا اقتراح تمييز معرفي بين نمطين من أنماط الفعل الإلهي: فعل يتحقق في العالم عبر التعاقب السببي والزمني، وفعل يتحقق بنفاذ الأمر الإلهي مباشرة، من دون أن يكون التدرج الزمني شرطًا لوقوعه. وهذا التمييز لا يقتضي وجود قدرتين إلهيتين مختلفتين، وإنما يقتضي الاعتراف بأن صور تحقق الفعل الإلهي ليست بالضرورة صورة واحدة.

أضف تعليق