وهم الارتقاء الأخلاقي للإنسان… حين يسقط قناع الحضارة!

لعل واحدًا من أكثر الأوهام التي استوطنت وعي الإنسان الحديث والمعاصر، حتى غدا من المسلّمات التي قلّما تخضع للمساءلة، ذلك الوهم الذي يصوّر له أن تطوره الحضاري والعقلي والعلمي لا بد أن يكون قد صاحبه تطور أخلاقي وقيمي موازٍ، وأن الإنسان الذي استطاع أن يشيد المدن الحديثة، ويؤسس الدول والمؤسسات، ويضع الدساتير والقوانين، ويغزو الفضاء، ويفك شيفرة الجينوم البشري، لا يمكن أن يكون هو ذاته ذلك الكائن الذي كان أجداده، قبل آلاف السنين، يُغير بعضهم على بعض، ويسفكون الدماء، ويستبيحون الحرمات، ويأتون من صنوف الوحشية ما يستعصي على الوصف!
فكأنما أصبح التقدم الحضاري، في تصورنا لأنفسنا، شهادةً على تقدم أخلاقي مفترض، وكأنما استطاع الإنسان، بمجرد انتقاله من الكهوف إلى ناطحات السحاب، ومن الأدوات الحجرية إلى الحواسيب والذكاء الاصطناعي، أن يخلع عنه شيئًا من طبيعته الأولى، وأن يتخلص من تلك النزعات العدوانية التي طالما جعلت تاريخه حافلًا بالحروب والمجازر والفظائع!
وهكذا نشأ في وعينا المعاصر تصور مريح، بل ومغرٍ، مفاده أننا لم نعد أولئك البشر الذين كانوا يقتلون ويغزون ويستعبدون ويعذبون، وأن ما كان يفعله أسلافنا إنما ينتمي إلى طور أدنى من أطوار التطور الإنساني، تجاوزناه نحن بفضل ما بلغناه من رقي عقلي وحضاري!
ولكن ما الذي يجيز لنا هذا الاطمئنان إلى أنفسنا؟ وما الذي يجعلنا نظن أن الإنسان الذي تغيّرت أدواته، واتسعت معارفه، وتعقدت مؤسساته، قد تغيّرت بالضرورة طبيعته الأخلاقية؟! وهل تطور العقل البشري يعني حقًا أن نوازعه العدوانية قد تراجعت، أم أن العقل نفسه ربما أصبح أكثر قدرة على تنظيم تلك النوازع وتسخيرها، بل وإكسابها من المشروعية والمبررات ما لم يكن متاحًا لأسلافنا الأقدمين؟
إن المشكلة، فيما يبدو، تبدأ من هذا الخلط بين التقدم الحضاري والتقدم الأخلاقي؛ بين أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على الفعل، وأن يصبح أكثر قدرة على الامتناع عما لا ينبغي له فعله؛ بين أن تتطور أدواته في السيطرة على الطبيعة، وأن تتطور قدرته على السيطرة على نفسه. فليس ثمة ما يضمن أن الإنسان الذي امتلك من المعرفة ما مكّنه من شطر الذرة قد امتلك، بالقدر نفسه، من الحكمة ما يمنعه من تحويل هذا الإنجاز إلى سلاح يستطيع به إفناء مدن بأكملها! وليس ثمة ما يضمن أن الإنسان الذي استطاع أن يضع أرقى المواثيق لحقوق الإنسان قد أصبح، لمجرد وضعها، عاجزًا عن انتهاكها حين يجد في ذلك مصلحة أو منفعة أو انتقامًا أو إشباعًا لنزعة عدوانية كامنة فيه. بل لعل المفارقة الأشد إيلامًا أن التقدم العقلي والحضاري قد يمنح تلك النزعات، في بعض الظروف، من الوسائل والإمكانات ما يجعل آثارها أشد فتكًا مما كانت عليه في أي عصر مضى!
فما الذي تغيّر حقًا في الإنسان؟ أهي طبيعته، أم الظروف التي تسمح لهذه الطبيعة بأن تتجلى في سلوكه؟
فنحن نعيش، في أحوالنا الاعتيادية، داخل منظومات بالغة التعقيد من القوانين والأعراف والمؤسسات والضوابط الاجتماعية، التي تجعل سلوكنا يبدو، في الغالب، منسجمًا مع ما نعتقد أنه رقيّنا الأخلاقي. فنحن لا نقتل بعضنا بعضًا في الشوارع، ولا نستبيح ممتلكات جيراننا، ولا نلجأ إلى العنف كلما نشب بيننا خلاف، فنستنتج من ذلك أننا أصبحنا بشرًا أفضل من أسلافنا! ولكن ألا ينبغي لنا أن نتساءل عما إذا كان هذا السلوك شاهدًا على تحول عميق في طبيعتنا، أم شاهدًا على فاعلية المنظومات التي تضبط هذه الطبيعة وتحد من اندفاعاتها؟
وبعبارة أخرى: هل امتنع الإنسان عن العدوان لأنه لم يعد يجد في نفسه ما يدفعه إليه، أم لأنه يعيش في ظروف تجعل العدوان مكلفًا، وتضع أمامه من الموانع والعواقب ما يحمله على كبح جماحه؟ وليس المقصود من هذا التساؤل إنكار ما أحرزته الإنسانية من تقدم حقيقي في بعض مجالات الأخلاق والحقوق، أو الزعم بأن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم التعاطف وضبط النفس؛ وإنما المقصود هو مساءلة ذلك الاستنتاج المتعجل الذي يحوّل هذا التقدم التاريخي إلى دليل على أن الطبيعة البشرية نفسها قد تطهرت من نوازعها القديمة.
ولعلنا لا نحتاج إلى أكثر من أن نتأمل ما يحدث حين تتعرض المجتمعات لظرف طارئ، أو حين تنهار سلطة القانون، أو حين تستولي على جماعة بشرية حالة من الخوف أو الهلع أو الشعور بالتهديد، أو حين ينجح خطاب سياسي أو عقائدي في إقناع أفرادها بأن جماعة أخرى لم تعد جديرة بما يتمتعون هم به من حقوق وقيمة إنسانية. عندئذ قد نشهد ما يشبه الانقلاب المفاجئ في سلوك بشر كنا نظن أنهم أبعد ما يكونون عن العدوان والوحشية. فقد يتحول الجار إلى عدو، والصديق إلى خصم، والإنسان الذي اعتاد أن يعيش حياة هادئة مسالمة إلى مشارك في اضطهاد غيره، بل وربما إلى فاعل مباشر في جرائم لم يكن يتصور، قبل وقوعها، أنه قادر على ارتكابها!
وهنا تتجلى الحقيقة التي نحاول جاهدين ألا نواجهها والتي مفادها أن الحضارة لا تمحو بالضرورة ما في الإنسان من قابلية للعدوان، وإنما قد تنجح في تقييد هذه القابلية، إلى أن تتهيأ الظروف التي تسمح لها بالظهور مجددًا! وما أشد دلالة أن يكون القرن العشرون، الذي شهد من الإنجازات العلمية والتقنية والفكرية ما لم تشهده قرون طويلة سبقته، هو ذاته القرن الذي شهد حربين عالميتين، والمحرقة النازية، والإبادات الجماعية، ومعسكرات الاعتقال، والقصف الشامل للمدن، واستخدام السلاح الذري ضد البشر! فلم تكن هذه الفظائع من صنع إنسان يعيش خارج الحضارة، ولا كانت عودة مفاجئة لجماعات بشرية إلى عصر الكهوف؛ بل كانت، في كثير من تجلياتها، أفعالًا خطط لها ونظمها ونفذها أناس تلقوا تعليمًا حديثًا، وعملوا في مؤسسات متطورة، واستخدموا أحدث ما أنتجه العقل البشري من أدوات وتقنيات.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي ألا تفوتنا والتي مفادها أن الإنسان لم يكن مضطرًا إلى التخلي عن حضارته كي يمارس وحشيته؛ فقد استطاع، في بعض أكثر فصول تاريخه ظلامًا، أن يجعل من حضارته نفسها أداة لهذه الوحشية! فلقد أمكن للعقل الذي ابتكر وسائل الإنتاج الصناعي أن يبتكر كذلك وسائل القتل الصناعي، وأمكن للبيروقراطية التي تنظم شؤون الدولة أن تتحول إلى جهاز لتنظيم الاضطهاد والإبادة، وأمكن للمعرفة العلمية أن تُسخّر لتطوير وسائل تعذيب البشر وقتلهم. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو ليس: كيف عاد الإنسان المتحضر إلى وحشيته القديمة؟ بل: هل كان قد غادرها أصلًا، أم أنه تعلم كيف يخفيها، ويضبطها، ثم يوظفها حين تتهيأ له الظروف؟!
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا السياق هو ذلك التصور الأخلاقي المريح الذي يقسم النفس البشرية إلى ملاك وشيطان، ثم يتخيل أن التاريخ الإنساني ليس سوى مسيرة طويلة ينتصر فيها الملاك تدريجيًا، حتى لا يعود للشيطان الداخلي من سبيل إلى الظهور! فوفقًا لهذا التصور، لم يعد إنسان العصر الحديث ذلك الكائن المزدوج الذي يتنازعه الخير والشر، والرحمة والعدوان، والتعاطف والقسوة؛ وإنما أصبح كائنًا استطاع، بفضل تطوره الحضاري، أن يرجح كفة الخير ترجيحًا نهائيًا، وأن يترك وراءه تلك الازدواجية التي عانى منها أجداده الأولون. غير أن هذا التصور لا يعدو أن يكون، في جانب كبير منه، إسقاطًا لرغبتنا في أن نكون أفضل على اعتقادنا بأننا أصبحنا كذلك فعلًا! فالإنسان لا يكف عن أن يكون قابلًا للرحمة لمجرد أنه ارتكب فعلًا وحشيًا، كما أنه لا يفقد قابليته للوحشية لمجرد أنه اعتاد ممارسة الرحمة. وهذه الازدواجية ليست عارضًا تاريخيًا ينتظر الإنسان أن يتخلص منه بمجرد بلوغه درجة معينة من التقدم الحضاري، بل هي واحدة من أعقد الحقائق التي ينبغي أن نستحضرها كلما حاولنا فهم طبيعته!
ولعلنا نستطيع أن نذهب أبعد من ذلك، فنتساءل عما إذا كانت بعض أشكال العدوان الإنساني لا تنبع من غياب العقل أو قصور المعرفة، وإنما من قدرة العقل نفسه على اختراع المبررات التي تجعل العدوان يبدو مشروعًا، بل وواجبًا أخلاقيًا أحيانًا! فكم من جريمة ارتُكبت باسم العدالة، وكم من حرب شُنّت باسم السلام، وكم من اضطهاد مورس باسم حماية المجتمع، وكم من جماعة بشرية أُبيح الاعتداء عليها بعدما نجح المعتدون في إقناع أنفسهم بأنهم إنما يدافعون عن الخير في مواجهة الشر!
وهكذا لا يعود العقل، في مثل هذه الحالات، قوة تكبح العدوان، وإنما يتحول إلى أداة تمنحه المعنى والمشروعية، وتجعله أكثر قدرة على تجاوز ما قد يعترض سبيله من موانع أخلاقية.
ولعل هذا ما يجعل وهم الارتقاء الأخلاقي أكثر خطورة من مجرد سوء فهم لتاريخ الإنسان؛ فهو وهم يحول بيننا وبين إدراك ما لا يزال كامنًا في أنفسنا من إمكانات للشر، ويجعلنا ننسب الوحشية إلى الآخرين، أو إلى الماضي، أو إلى جماعات نظن أنها لم تبلغ ما بلغناه من رقي وتحضر. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن مرتكبي الفظائع التاريخية كانوا بشرًا مختلفين عنا اختلافًا جوهريًا، وأننا لو عشنا في ظروفهم لما فعلنا ما فعلوه، وكأننا نملك ضمانة أخلاقية لا يملكها أولئك الذين سبقونا!
ولكن من أين لنا هذا اليقين؟ ما الذي يجعل الواحد منا واثقًا بأنه لو عاش في مجتمع يستبيح اضطهاد جماعة أخرى، وتربى منذ طفولته على أن أفراد تلك الجماعة خطر ينبغي التخلص منه، ثم وجد نفسه محاطًا بسلطة تكافئه على المشاركة في اضطهادهم وتعاقبه على الامتناع، لما انقاد إلى ما انقاد إليه غيره؟ وليس في هذا السؤال تبرئة للمجرمين، ولا إنكار لمسؤولية الإنسان عن أفعاله، وإنما هو رفض لذلك الاطمئنان الأخلاقي الذي يجعلنا نظن أن مجرد انتمائنا إلى عصر أكثر تقدمًا كافٍ ليجعلنا بمنأى عما اقترفه بشر عاشوا في عصور سابقة!
ولعلنا إذا نظرنا إلى المسألة من منظور تاريخنا التطوري الأبعد، وجدنا ما يدعونا إلى مزيد من الحذر إزاء هذا الوهم. فالإنسان الحديث لم يظهر من فراغ، ولم تبدأ حكايته يوم ابتكر الكتابة، أو أقام المدن، أو وضع القوانين. إنه نتاج تاريخ تطوري بالغ الامتداد، تشكلت خلاله استعداداته السلوكية والانفعالية، وتداخلت فيه دوافع التعاون والتنافس، والتعاطف والعدوان، والانتماء والإقصاء. وإذا كان تاريخ الحضارة المكتوبة لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، فإن التاريخ التطوري الذي أسهم في تشكيل هذه الاستعدادات أقدم من ذلك بكثير. فكيف يجوز لنا أن نفترض أن بضعة قرون من التقدم العلمي والتقني كانت كافية لمحو استعدادات تشكلت عبر أزمنة تطورية سحيقة؟ بل لعل السؤال الأجدر بالطرح هو: إلى أي مدى استطاعت الحضارة أن تعيد تنظيم هذه الاستعدادات وتوجيهها، بدلًا من أن تكون قد أزالتها من أصلها؟ وهذا التمييز ذو دلالة بالغة، وذلك لأن القول باستمرار الاستعدادات العدوانية لا يعني أن الإنسان محكوم حتمًا بممارستها، ولا أن التاريخ الأخلاقي للبشرية لم يشهد أي تقدم. فالاستعداد ليس قدرًا محتومًا، والطبيعة البشرية ليست برنامجًا مغلقًا لا يقبل التعديل. غير أن إمكان تهذيب الاستعدادات وضبطها شيء، والاعتقاد بزوالها نهائيًا شيء آخر.
ومن هنا، فإن ما نسميه الرقي الأخلاقي ينبغي ألا يقاس بما بلغه الإنسان من تقدم تقني، ولا حتى بمجرد ما أعلنه من مبادئ وقيم، وإنما بقدرته على صيانة تلك المبادئ حين تصبح مكلفة، وعلى احترام حقوق الآخرين حين تتعارض مع مصالحه، وعلى مقاومة نزعات العدوان حين يجد من الظروف ما يتيح له إطلاقها دون عقاب. فالاختبار الحقيقي للأخلاق لا يقع دائمًا حين تكون ممارسة الفضيلة يسيرة ومجزية، وإنما حين يصبح انتهاكها ممكنًا ومغريًا، وحين يجد الإنسان نفسه أمام فرصة لممارسة القوة على من لا يملك القدرة على مقاومتها. وهنا فقط يمكن أن نقترب من معرفة ما إذا كانت قيمنا قد أصبحت جزءًا راسخًا من وعينا وسلوكنا، أم أنها لا تزال، في بعض جوانبها، رهينة الظروف التي تحيط بنا!
ولعل أشد ما يبعث على القلق ليس أن الإنسان لا يزال يحمل في داخله قابلية للعدوان، وإنما أنه قد لا يكون واعيًا بما يكفي بهذه القابلية، وذلك لأنه كلما ازداد اقتناعًا بأنه تجاوز طبيعته القديمة، ازداد احتمال أن يفاجأ بها حين تظهر في نفسه أو في مجتمعه.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يستدعي اليأس من الإنسان، وإنما يستدعي التخلي عن تلك البراءة المتخيلة التي نسبغها على أنفسنا لمجرد أننا أبناء العصر الحديث! فالحضارة إنجاز عظيم، والقانون ضرورة، والتربية الأخلاقية مكسب إنساني لا يجوز الاستهانة به. ولكن هذه كلها جميعًا ليست شهادات تثبت أن الإنسان قد أصبح كائنًا آخر، وإنما هي، في جانب مهم منها، وسائل ابتكرها الانسان كي يجعل العيش المشترك ممكنًا، وكي يحد من المخاطر التي تنشأ عن طبيعته المعقدة. ولذلك فإن ما ينبغي أن نخافه ليس سقوط الحضارة وحده، بل سقوط الوهم الذي جعلنا نعتقد أنها كانت ضمانة كافية ضد وحشيتنا. فحين تتصدع المؤسسات، وتنهار الضوابط، وتشتد المخاوف، وتصبح الكراهية فضيلة في أعين أصحابها، قد نكتشف أن المسافة التي تفصل الإنسان المعاصر عن بعض أكثر أسلافه وحشية ليست، في كل الأحوال، بالاتساع الذي كنا نتخيله. وقد نكتشف كذلك أن ما حسبناه انتصارًا نهائيًا لملاكنا الداخلي على شيطاننا الداخلي لم يكن سوى هدنة طويلة، ساعدت ظروف بعينها على استمرارها.
وإذا كان ثمة درس ينبغي أن نستخلصه من تاريخنا، هو ليس أن الإنسان شرير بطبيعته، ولا أنه عاجز عن الارتقاء الأخلاقي، وإنما أن قدرته على الخير لا تلغي قابليته للشر، وأن تقدمه الحضاري لا يمنحه حصانة من السقوط الأخلاقي. فليس أخطر على الإنسان من أن يطمئن إلى أنه لم يعد قادرًا على ارتكاب ما ارتكبه أسلافه! ذلك أن الإنسان الذي يعتقد أنه تخلص نهائيًا من وحشيته قد يكون أقل استعدادًا من غيره للتعرف إليها حين تبدأ بالظهور.
ولعل الحقيقة التي ما زلنا نتهرب من مواجهتها هي أن الإنسان الذي يعيش اليوم في القرن الحادي والعشرين، ويحيط نفسه بكل مظاهر المدنية والتحضر، لا ينتمي إلى جنس بشري آخر غير ذلك الذي كان يفسد في الأرض ويسفك الدماء قبل آلاف السنين.
إنه الإنسان نفسه في امتداد تاريخه التطوري، وإن لم يكن بالضرورة الإنسان نفسه في معارفه وقيمه وسلوكه؛ يحمل في تكوينه إمكانات الرحمة والعدوان معًا، ويظل مطالبًا، في كل عصر، بأن يختار أيًّا منها يمنحه سبيل التحقق. فلقد تطورت حضارتنا تطورًا هائلًا، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا ليس كم أصبحنا أكثر تقدمًا من أسلافنا، وإنما كم أصبحنا أكثر قدرة على ألا نفعل ما فعلوه، حين تتاح لنا الفرصة نفسها، وتغيب عنا الموانع ذاتها!

اترك تعليقًا