بين صرامة المعادلة وفتنة اللوحة… الجمال كجسـر معرفي لمقاربة التعقيد الوجودي

في السجال المتجدد حول حدود التخصص وبوصلة المعرفة، يقف المتابع لكتاب الفنان والباحث البريطاني ديفيد بيرنز “Sleeping Beauties” أمام مشهد نقدِيٍّ انقسم بحدة إلى مقاربتين معرفيتين: الأول يُعلي من شأن الصرامة الأكاديمية والمقاييس المنهجية المحكمة، فيرى في خوض الفنان في غمار العلم تعدياً يفتقر إلى الأدوات الدقيقة؛ والثاني يتحمس للجرأة التوثيقية والروح التأملية التي تكسر صنم المعرفة المغلقة وتتيح للمادة العلمية نسغاً إنسانياً بصرياً. غير أن الاقتصار على هذا التصنيف الثنائي بين “العلم المنهجي” و”الفن الانطباعي” يغفل جوهر التجربة المعرفية برمتها. فالمقاربة الأدنى الى “العدل المعرفي” لا تكمن في تغليب أحد الفريقين على الآخر، بل في التأسيس لرأي وسط يرى في الفن والعلم وجهين لعملة واحدة تستهدف تبين “التعقيد الوجودي” الذي ينطوي عليه الواقع، وذلك عبر القاسم المشترك الأعظم بينهما ألا وهو الجمال.
لقد أفرز العصر الحديث، بشرعيته التقنية والتخصصية الدقيقة، قطيعة بين ما أسماه الكاتب والفيلسوف برنارد سنو “الثقافتين” (العلوم الطبيعية والإنسانيات). وبموجب هذه القطيعة، أُسندت إلى العلماء وظيفة الكشف عن “الحقيقة” عبر القياس والتجريب، بينما أُسندت إلى الفنانين وظيفة التعبير عن “الانطباع” عبر الصورة والرمز.
ومن هذا المنظر الضيق، يُستكثر على الفنان أن يدلي بدلوه في قضايا علمية؛ إذ يُفترض أن أدواته تخلو من “التجرد العلمي”. غير أن هذا الفهم يتناسى أن العلم نفسه لم ينشأ في مختبرات معزولة، بل نبت في أصل فلسفي وجمالي واحد، حيث كان المفكر السديد رزيناً وفناناً وفيلسوفاً في آنٍ واحد! فإذا كان الواقع المتشابك الذي نعيش فيه يتسم بالتعقيد المفرط (Complexity) ، فإن كلاً من النظرية العلمية والعمل الفني يسعيان إلى صياغة “إجابة” أو “نموذج” يختزل هذا التعقيد دون أن يقتله. وهنا يتدخل الجمال ليس كعنصر تزييني خارجي، بل كـ معيار كشفي ونشاط معرفي، وذلك كما يلي:
جماليات النظرية العلمية:
فلم ينفك كبار الفيزيائيين والرياضيين عن الاستشهاد بالجمال كدليل على صحة النظريات. إذ يُنقل عن الفيزيائي الشهير بول ديراك (Paul Dirac) قوله: “إن اتصاف المعادلة بالجمال أكثر دلالة من ملاءمتها للتجربة”. فمفهوم الأناقة (Elegance)، والتناظر (Symmetry)، والاقتصاد المفهومي (Parsimony) في صياغة القوانين الشاملة، ليست سوى معايير جمالية هي ما ينبغي الاحتكام إليها. فالنظرية العلمية الجميلة هي تلك التي تتسم بالبساطة العميقة وسط ركام من التفاصيل المعقدة.
جماليات المنتَج الفني:
في المقابل، لا يبتعد الفن الحقيقي عن هذا السعي. فاللوحة أو النص الفني أو الرصد التوثيقي المعمق ليس مجرد تفريغ عاطفي، بل هو صياغة هيكلية دقيقة تحاكي التوازن والتناغم والتداعي المعقد للواقع. فالفنان يستكشف النماذج والأنماط (Patterns) في الطبيعة والنفس البشرية بنفس الشغف الذي يحرك الباحث في معمله.
إن الانتصار الحقيقي لا يتمثل في إلغاء الفوارق بين هاتين المقاربتين، بل يتمثل في إدماجهما في كينونة معرفية متكاملة لا يطغى فيها طرف على آخر. فالعلم يحتاج الفن، وذلك ليتحرر من أسر الآلية والتكرار، وليستعيد قدرته على إيقاظ واستثارة الدهشة، وليرى أطره المفاهيمية بعيون تتجاوز لغة الأرقام الصماء إلى البُعد الإنساني والرمزي. والفن يحتاج العلم، وذلك ليتأسس على الرصانة، وليستمد موضوعاته من أعمق اكتشافات الوجود، فيتحول العمل الفني من مجرد انطباع عابر إلى وثيقة تتأمل قوانين الكون والحياة. فعندما يتناول فنان بحجم ديفيد بيرنز ظاهرة علمية أو تاريخية معقدة، فإنه لا يحل محل العالِم المحترف، بل يمارس حقاً أصيلاً في “إعادة قراءة الظاهرة جمالياً وتوثيقياً”؛ إذ أنه يسلط الضوء على الأبعاد الجمالية المضمرة التي قد يغفل عنها العلم الغارق في جزئياته المجهرية.
إن الجدل المحتدم حول كتاب “Sleeping Beauties” هو في جوهره تذكير حي بالتوتر الخلاق بين أدوات المعرفة. فالمعرفة الإنسانية لا تكتمل بالمعادلة وحدها، ولا باللوحة وحدها، بل باللحظة التي تدرك فيها العين أن المعادلة الأنيقة هي عمل فني مكتمل، وأن اللوحة العميقة هي كشف لقانون كوني مستتر.
إن التطلع إلى معرفة تتكامل فيها العين الفنية مع العقل العلمي ليس مجرد رغبة توفيقية، بل هو ضرورة ابستمولوجية لمواجهة تعقيدات عالمنا، وإعادة إحياء الدهشة الأولى التي انطلقت منها أولى أسئلة الإنسان عن الوجود.

اترك تعليقًا