
لم تكن إعلانات الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل النرويجية لعام 2026 مجرد مراسم إستوكهولمية وأوسلوية اعتيادية لمنح أرفع أوسمة التقدير العلمي والأدبي والسياسي في العالم؛ بل جاءت هذا العام بمثابة “رسالة مضادة” محبوكة بدقة متناهية، ووجهت خيبات متتالية ونقدًا غير مباشر لسردية القوة والاستعلاء التي يحاول البيت الأبيض فرضها على المشهد الدولي.
إن منح جائزة نوبل للسلام للقاضية والناشطة الحقوقية الجنوب أفريقية “نافي بلاي” (Navi Pillay) يحمل رمزيّة لا يمكن إخطؤها. فنحن أمام شخصية نذرت مسيرتها المهنية لترسيخ دعائم العدالة الدولية من خلال أدوارها القيادية في المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. ويأتي هذا التكريم في لحظة فارقة، بالنظر إلى الموقف العدائي الحاد الذي اتخذه الرئيس دونالد ترمب تجاه المؤسسات القضائية الدولية، وصولاً إلى تحامل إدارته على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية (اليابانية الجنسية) والتطاول على صلاحيات القضاء العابر للحدود.
وفي المقابل، يشكل هذا القرار إخفاقًا مدويًا وللعام الثاني على التوالي لمحاولات ترمب المستميتة للحصول على هذه الجائزة؛ وهي الجائزة التي طالما ارتبطت في ذهنيته باستحقاق شخصي، لتبقى “غُصة” في حلقه، وتأكيدًا نرويجيًا حاسمًا بأن التقدير العالمي لا يُمنح للضغط السياسي أو الخطاب الاستعراضي، بل للالتزام الصارم بالشرعية الدولية وحقوق الأمم!
وعلى الجانب الأدبي، لم يكن اختيار الكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون (Anne Carson) لنيل جائزة نوبل للآداب خاليًا من البُعد السياسي والرمزي، خصوصًا عندما يُقرأ في سياق التصريحات الاستفزازية الصادرة عن الرئيس ترمب، والتي دعا فيها كندا، بنبرة استعلائية، إلى الانضمام للولايات المتحدة كإحدى ولاياتها.
ولقد جاء تكريم كارسون ليردّ بصوت الثقافة المرتفع: إن كندا ليست هامشًا في جغرافية الجار الأكبر، بل هي عمق حضاري وأدبي وإنساني يتجاوز حسابات الهيمنة وتوسيع الحدود! وهذا انتصار للخصوصية الثقافية الكندية في وجه النزعة التوسعية الترمبية والضم اللفظي.
وتكتمل معالم هذه الصورة بالنظر إلى الإصرار العجيب من جانب ترمب على فرض صياغته الجديدة لمصطلح “الذكاء الاصطناعي”، مصمّمًا على تسميته بـ “الذكاء الفائق” (Super Intelligence)، بل ووصمه كل من يتشبث بالتسمية التقليدية بـ “العدو”.
إن هذا الهوس بتغيير المفاهيم وقسر العالم على تبنيها يُبرز معركة واضحة بين نموذجين:
- نموذج الاستبداد بالرأي: الذي يريد إعادة تعريف المصطلحات بالترهيب وتصنيف المخالفين أعداءً.
- نموذج المؤسسات الدولية والثقافية: الذي اختار الاحتفاء بالذكاء الإنساني الأصيل، ذكاء القانون والعدالة لدى “نافي بلاي”، وذكاء الكلمة والإبداع لدى “آن كارسون”.
لقد أثبتت خيارات نوبل لعام 2026 أن القيم الإنسانية الراسخة والقانون الدولي والهويات الثقافية المستقلة تظل هي الحصن الأخير في مواجهة نزعات الهيمنة والشعبوية. وبينما يطارد البعض الجوائز عبر الفرقعات الإعلامية، ستبقى الجوائز الحقيقية من نصيب أولئك الذين يبنون المنظومات الأخلاقية ويعلون من شأن حقوق الشعوب وعدالة قضاياه.
