هل نعبد الإله نفسه الذي نختلف بشأنه؟… حين يصبح غياب التعريف الدقيق لله أصلًا للصراعات الدينية

ثمة مفارقة بالغة الغرابة في تاريخ الأديان، وربما كانت واحدة من أكثر مفارقاته استحقاقًا للتأمل والمراجعة؛ وهي أن البشر لم يكفّوا يومًا عن الاختلاف بشأن الله، وعن التنازع حول ما ينبغي أن تكون عليه علاقتهم به، وما يجب عليهم اعتقاده في شأنه، وما يحق لهم أو لا يحق لهم أن ينسبوه إليه، من دون أن يتوقفوا بالقدر الكافي عند سؤال معرفي أولي، كان ينبغي أن يسبق كل هذه الاختلافات والصراعات: عن أي إله نتحدث أصلًا؟ وهل اتفقنا أولًا على تحديد دلالي دقيق ومفهومي منضبط للإله الذي نختلف بشأنه؟
فلقد انصرف المتدينون، عبر قرون طويلة، إلى بناء منظومات عقدية ولاهوتية وفقهية وفلسفية بالغة التعقيد، وأقاموا المدارس والمذاهب والفرق، وتجادلوا في الصفات والأفعال والمشيئة والإرادة والعدل والرحمة والغضب والعقاب، حتى انتهى بهم الأمر، في غير قليل من الأحيان، إلى التنازع والتكفير والاقتتال. ولكن قلما جرى الالتفات إلى احتمال أن يكون أصل المشكلة كامنًا في موضع أسبق من جميع هذه الخلافات: في التعريف نفسه، وفي ما طرأ عليه من اختزال وإضافة وإعادة تركيب.
ولعل من أكثر ما يستحق المراجعة هنا ذلك الافتراض الضمني الذي يتعامل بمقتضاه المختلفون دينيًا مع الإله بوصفه موضوعًا محددًا ومتفقًا عليه سلفًا، وأن اختلافهم لا يتجاوز ما يتعلق بصفاته وأفعاله وأحكامه. والحال أن هذا الافتراض قد يكون هو نفسه جزءًا من المشكلة؛ لأن الاتفاق على استعمال اللفظ ذاته لا يعني بالضرورة الاتفاق على المفهوم الذي يحيل إليه ذلك اللفظ. فليس كل من قال «الله» قصد بالضرورة المفهوم ذاته الذي قصده غيره، حتى وإن كان الاثنان ينتميان إلى الدين ذاته، ويقرآن الكتاب الذي يُجمع كلاهما على أنه منزل من الله، ويؤديان الشعائر ذاتها! وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الإبستمولوجية التي نريد الوقوف عندها.
والآن، إذا كان للدين كتاب مؤسس يعرّف الإله الذي يدعو الإنسان إلى الإيمان به وعبادته، فإن مقتضى الاتساق المعرفي أن يكون هذا التعريف هو المرجع الأول والأعلى في تحديد مفهوم الإله، لا أن يتحول إلى مجرد مادة أولية يعيد العقل البشري تركيبها بحسب ما تستدعيه منظوماته الفلسفية والكلامية والمذهبية.
ويقدم لنا القرآن نموذجًا بالغ الوضوح لهذه المسألة. فالله في القرآن ليس مفهومًا تُرك للإنسان أن يبتكر حدوده الدلالية، أو أن يملأ فراغاته بما يستحسنه من تصورات، وإنما هو الذي تولى التعريف بنفسه، وأخبر عن ذاته وصفاته وأفعاله وعلاقته بخلقه، وحدد كذلك ما لا يجوز نسبته إليه. فحين يقول القرآن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: 1-4)، فإنه لا يقدم مجرد أوصاف تعبدية، وإنما يضع حدودًا مفهومية أساسية لما ينبغي أن يعنيه لفظ “الله”.
وحين يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)، فإنه يجمع بين نفي المماثلة وإثبات صفات بعينها، بما يمنع اختزال التعريف إلى أحد طرفيه دون الآخر. وحين يقول: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: 54)، أو ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: 46)، أو ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (النساء: 40)، فإنه لا يضيف إلى التعريف القرآني صفات يمكن التعامل معها بوصفها تفاصيل ثانوية، وإنما يقدم محددات معرفية وأخلاقية لا يجوز إغفالها عند محاولة فهم الذات الإلهية وأفعالها.
بل إن القرآن يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه: 110)، ليضع حدًا آخر بالغ الدلالة المعرفية. فالتعريف الإلهي بنفسه لا يمنح الإنسان حق الادعاء بأنه قد أحاط بحقيقة الذات الإلهية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام تعريف قرآني لا يقوم على إثبات الصفات وحدها، وإنما يقوم كذلك على نفي ما لا يليق بالله، وعلى تحديد حدود المعرفة البشرية به. ومن هنا فإن أي مقاربة معرفية لله لا تستحضر هذه المحددات مجتمعة، أو تستبقي بعضها وتستبعد بعضها الآخر، تكون قد خاطرت بإنتاج مفهوم مغاير، بدرجة أو بأخرى، للمفهوم الذي يقدمه القرآن.
ليس من الضروري أن يبدأ الانحراف المفهومي بإنكار صريح لما ورد في الكتاب المؤسس. فقد يبدأ على نحو أكثر خفاءً، حين يُنتقى من التعريف الأصلي جانب بعينه، ثم يُمنح من المركزية ما يجعله يطغى على بقية الجوانب. فقد تتأسس مقاربة دينية على تعظيم القدرة الإلهية، حتى تصبح القدرة هي المحدد الذي تُقرأ من خلاله سائر الصفات. وقد تتأسس مقاربة أخرى على مركزية العقاب والغضب، حتى يتراجع حضور الرحمة والمغفرة والعدل. وقد يحدث العكس، فتُستحضر الرحمة استحضارًا يكاد يلغي سائر ما يقرره النص بشأن المسؤولية والحساب والجزاء. وفي كل حالة من هذه الحالات، قد لا يكون ثمة إنكار صريح لصفة قرآنية، وإنما إعادة ترتيب للمكونات الدلالية للتعريف، على نحو يجعل بعضها أصلًا حاكمًا، وبعضها الآخر تابعًا أو هامشيًا. غير أن المشكلة تصبح أعقد حين لا يقتصر الأمر على الاختزال والانتقاء، بل يتعداهما إلى إضافة مكونات تعريفية مستمدة من خارج النص المؤسس. فقد يستعين المتكلم أو الفيلسوف أو صاحب المذهب بمقولات فلسفية، أو بتصورات ميتافيزيقية، أو بافتراضات عقلية، ثم يدمجها في تعريف الله، حتى تغدو مع مرور الزمن جزءًا مما يعتقد أنه التعريف الديني الأصيل لله!
وهنا لا تعود المشكلة مجرد اختلاف في تفسير نص، وإنما تصبح اختلافًا في مصدر المعرفة نفسه. فهل نستمد تعريف الله مما أخبر به عن نفسه في قرآنه، أم مما انتهت إليه عقولنا بشأن ما ينبغي أن يكون عليه الإله؟ ولا يعني هذا أن التفكير الفلسفي في الله محظور، أو أن العقل ينبغي أن يُعطَّل عند قراءة القرآن؛ فالعقل هو أداتنا في فهم النص أصلًا. وإنما المقصود هو التمييز بين أن يكون العقل أداة لفهم التعريف القرآني، وأن يصبح مصدرًا مستقلًا لإنتاج تعريف آخر يُنسب بعد ذلك إلى القرآن.
فثمة فارق بالغ الدلالة بين أن نحاول فهم ما يقوله الله عن نفسه، وأن نقرر مسبقًا ما ينبغي أن يكون عليه الله، ثم نعيد تأويل ما قاله عن نفسه حتى يوافق ما قررناه!
لنتصور اثنين من المؤمنين ينتميان إلى الدين نفسه، ويقرآن الكتاب ذاته، ويؤكد كل منهما أنه لا يعبد إلا الله. غير أن أحدهما قد بنى تصوره لله على منظومة من الصفات والأحكام والتأويلات الموروثة التي جعلت علاقته بالله محكومة أساسًا بالخوف والعقاب، فيما بنى الآخر تصوره على منظومة جعلت الرحمة والعدل والحكمة هي المحددات الأكثر حضورًا في فهمه للفعل الإلهي. فقد يتفق الاثنان على الألفاظ، وقد يرددان الآيات نفسها، لكنهما حين يتحدثان عن الله قد يستحضران تصورين مختلفين اختلافًا عميقًا. فإذا انتقل الخلاف بينهما إلى مسألة دينية بعينها، فإنهما قد يظنان أنهما يختلفان بشأن حكم أو عقيدة جزئية، بينما يكون الخلاف الحقيقي كامنًا في البنية المفهومية السابقة التي يقرأ كل منهما المسألة من خلالها. وهذا ما يجعل كثيرًا من الخلافات الدينية عصية على الحسم؛ لأن المختلفين ينصرفون إلى مناقشة النتائج من دون مراجعة المقدمات، ويتجادلون بشأن ما يريده الله من الإنسان قبل أن يتبينوا ما إذا كانوا قد اتفقوا أصلًا على التعريف الذي ينبغي أن يحكم حديثهم عن الله!
ولعل هذه المشكلة لا تقتصر على العلاقة بين المذاهب والفرق داخل الدين الواحد، وإنما تمتد، بصورة أشد تعقيدًا، إلى العلاقة بين الأديان المختلفة. فحين يستخدم أتباع ديانات متعددة ألفاظًا تحيل إلى الإله أو الخالق أو الرب، لا يكفي التشابه اللغوي للحكم بأنهم يتبنون المفهوم اللاهوتي ذاته، كما لا يكفي اختلاف بعض صفاتهم المنسوبة إليه للحكم بأنهم يقصدون بالضرورة موجودات مختلفة. والتمييز هنا ضروري بين وحدة المرجع المفترض واختلاف التصورات عنه؛ فقد يقصد المختلفون الحديث عن الإله الواحد، لكنهم يحملون تصورات متعارضة بشأن طبيعته وصفاته وعلاقته بالعالم. وما لم يُكشف هذا المستوى من الاختلاف، فإن الحوار الديني سيظل معرضًا لأن يكون حوارًا بين منظومات مفهومية متباعدة تتوهم أنها تتحدث عن موضوع واحد بمعنى واحد.
ولكن كيف يتحول خلل يبدو في ظاهره معرفيًا إلى مصدر للصراعات الدينية التي عرفها التاريخ؟ لعل الإجابة تبدأ من اللحظة التي لا يعود فيها التعريف المذهبي لله مجرد اجتهاد بشري قابل للمراجعة، وإنما يكتسب منزلة الحقيقة المقدسة التي لا يجوز الاعتراض عليها. فعندئذ لا يصبح من يخالف هذا التعريف مخالفًا لرأي بشري في فهم الله، وإنما يُنظر إليه بوصفه مخالفًا لله نفسه! وهنا تقع واحدة من أخطر عمليات الانتقال في تاريخ التفكير الديني ألا وهي انتقال القداسة من موضوع الإيمان إلى التصور البشري لذلك الموضوع. فالمذهب الذي كان يفترض أن يكون محاولة لفهم الدين قد يغدو، في وعي أتباعه، هو الدين ذاته. والتفسير الذي كان ينبغي أن يظل تفسيرًا بشريًا قد يتحول إلى معيار يُحاكم به إيمان الآخرين. والتعريف الذي تشكل عبر تراكمات تاريخية وفلسفية وكلامية قد يصبح هو المرجع الذي تُقرأ من خلاله النصوص المؤسسة، بدلًا من أن تكون هذه النصوص هي المرجع الذي يُختبر به التعريف. وحين يبلغ الأمر هذه المرحلة، فإن الخلاف لا يعود مجرد تنازع على المعاني، وإنما يصبح تنازعًا على امتلاك الحق في الحديث باسم الله. وليس عسيرًا بعد ذلك أن نفهم كيف يمكن أن تنتقل الخصومة من الجدل إلى الإقصاء، ومن الإقصاء إلى التكفير، ومن التكفير إلى استباحة الآخر، متى توافرت الظروف السياسية والاجتماعية والنفسية التي تسمح بذلك. ولا يعني هذا أن جميع الصراعات الدينية يمكن ردها إلى مشكلة التعريف؛ فالتاريخ يكشف عن أدوار عميقة للسلطة والمصالح والعصبيات والهويات الجمعية. ولكن الخلل المفهومي قد يمنح هذه العوامل مادة عقدية تبرر بها نفسها، ويحول اختلاف المصالح البشرية إلى صراع يتوهم أصحابه أنهم يخوضونه دفاعًا عن الله!
ولعل أشد ما في الأمر مفارقة أن الإنسان قد يبلغ من الاستعداد للدفاع عن تصوره لله حدًا يجعله ينتهك، باسم هذا التصور، ما يقرره النص المؤسس نفسه من حدود أخلاقية!
والآن، إذا صح أن جانبًا مهمًا من الخلافات العقدية يعود إلى اختلاف التعريفات التي يتبناها المؤمنون بشأن الله، فإن معالجة هذه المشكلة لا يمكن أن تبدأ بإنتاج تعريف مذهبي جديد يضاف إلى التعريفات السابقة. فليس المطلوب أن نضيف تصورًا آخر إلى سوق التصورات الدينية المتنافسة، وإنما أن نعيد النظر في مشروعية هذه التصورات من الأساس، وأن نسأل عن المرجعية التي تستمد منها عناصرها التعريفية.
وفي الحالة الإسلامية، لا يبدو أن ثمة سبيلًا أكثر اتساقًا مع الإيمان بالقرآن من العودة إلى ما عرّف الله به نفسه فيه. ولكن هذه العودة لا ينبغي أن تكون انتقائية، بحيث نبحث في القرآن عما يؤيد ما نعتقده مسبقًا، ولا أن تكون مجرد استحضار لآيات بعينها مع إغفال غيرها، وإنما ينبغي أن تكون عودة إبستمولوجية شاملة، تتعامل مع مجموع ما يقرره القرآن بشأن الله بوصفه الإطار المرجعي الذي لا يجوز تجاوزه. فما أثبته القرآن لله ينبغي إثباته في حدود ما يتيحه النص من معنى، وما نفاه عنه ينبغي نفيه، وما سكت عنه ينبغي الحذر من تحويل الظنون البشرية بشأنه إلى حقائق عقدية ملزمة. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات معرفية كثيرًا ما يجري الخلط بينها: ما يقوله القرآن عن الله، وما نفهمه نحن مما يقوله القرآن، وما نضيفه نحن إلى هذا الفهم من تصورات وافتراضات.
فالمستوى الأول هو النص المؤسس، والثاني هو فعل الفهم البشري، والثالث هو مجال البناء النظري الذي قد يستمد عناصره من مصادر معرفية أخرى. والمشكلة لا تكمن بالضرورة في وجود المستويين الثاني والثالث؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يفهم من دون تفسير، ولا أن يفكر من دون استخدام مفاهيم. وإنما تكمن في إلغاء الحدود الفاصلة بينها، حتى يصبح ما نفهمه نحن مساويًا لما يقوله الله، وما نفترضه نحن جزءًا مما نعتقد أن الله قد أخبر به عن نفسه. وإذا كانت العودة إلى القرآن تعني شيئًا في هذا السياق، فإنها تعني، قبل كل شيء، إعادة هذه الحدود إلى مواضعها. غير أن الإنصاف المعرفي يقتضي الاعتراف بأن هذه العودة لن تلغي تلقائيًا جميع الاختلافات؛ لأن النص، مهما بلغت منزلته عند المؤمن به، لا يقرأ نفسه بنفسه، وإنما يقرأه بشر تختلف أدواتهم اللغوية وقدراتهم التأويلية ومقدماتهم المعرفية.
ولهذا فإن المطلوب ليس الادعاء بأننا قادرون على امتلاك تعريف نهائي معصوم لله بمجرد العودة إلى القرآن، وإنما تأسيس منهج يتيح لنا أن نميز باستمرار بين التعريف القرآني وما ننتجه نحن من مقاربات تفسيرية له. وهذا التمييز، في ذاته، كفيل بأن يحد من نزعة احتكار الحقيقة، وأن يعيد إلى الاختلاف طبيعته المعرفية بدلًا من تحويله إلى خصومة “مقدسة”!
لعل السؤال الذي ينبغي أن يرافق أي مراجعة جادة لتاريخ الخلافات الدينية ليس: لماذا اختلف المؤمنون بشأن الله كل هذا الاختلاف؟ وإنما: إلى أي حد كان ما اختلفوا بشأنه هو الله كما عرّف نفسه، وإلى أي حد كان اختلافهم بشأن التصورات التي أنتجوها هم عنه؟! فليس من اليسير أن يعترف الإنسان بأن جانبًا مما يعتقد أنه معرفته بالله قد يكون في حقيقته معرفة بما ورثه عن جماعته ومذهبه ومدرسته الكلامية، أو بما اعتاد عقله أن يتصوره عن الإله. وليس من اليسير كذلك أن يدرك أن شدة يقينه بصحة هذا التصور لا تضفي عليه بالضرورة صفة المطابقة لما أخبر به الله عن نفسه. بل لعل واحدة من أعظم المفارقات في التدين البشري أن الإنسان قد ينصرف بكل ما أوتي من قوة إلى تنزيه الله عن النقائص، لكنه لا يبدي القدر نفسه من الحرص على تنزيه معرفته بالله عن أوهام عقله وإضافات ثقافته وموروثات جماعته!
وهنا تتجلى الحاجة إلى “تواضع معرفي” لا يقل قيمة وجودية عن الخشوع التعبدي؛ تواضع يجعل المؤمن قادرًا على الاعتراف بأن إيمانه بالله لا يعني بالضرورة أن كل ما يعتقده بشأن الله قد جاءه من الله! فإذا كان القرآن قد حذر الإنسان من القول على الله بغير علم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 169)، فإن هذا التحذير لا ينبغي أن يُحصر في اختلاق الأحكام والأوامر والنواهي، وإنما يستدعي كذلك مراجعة كل ما ننسبه إلى الله من صفات ومقاصد وأفعال لا نملك بشأنها مستندًا معرفيًا قرآنياً كافيًا.
ولعلنا نحتاج، من هنا، إلى إعادة صياغة السؤال الذي حكم جانبًا كبيرًا من تاريخ الجدل الديني. فبدلًا من أن يظل السؤال: أي المذاهب يمتلك التصور الصحيح لله؟ ينبغي أن نسأل أولًا: بأي حق معرفي أضاف كل مذهب إلى التعريف الذي قدمه الله عن نفسه ما أضاف، أو استبعد منه ما استبعد، أو أعاد ترتيب مكوناته على النحو الذي انتهى إليه؟
إن هذا السؤال لا يعدنا بإنهاء الخلافات الدينية، ولا بإزالة جميع ما تراكم في تاريخها من تعقيدات، لكنه يعيدنا إلى الموضع الذي كان ينبغي أن تبدأ منه المراجعة منذ زمن بعيد. فقد لا تكون المعضلة الكبرى أننا اختلفنا كثيرًا بشأن الله، وإنما أننا لم نميز بما يكفي بين الله كما عرّف نفسه، والله كما تصوره الإنسان!
ولعل أول ما ينبغي أن نفعله، قبل أن نواصل الاختلاف باسم الله، أن نكف عن منح تصوراتنا البشرية عنه قداسة التعريف الذي عرّف به نفسه! فالله، في نهاية المطاف، ليس ملزمًا بأن يكون كما تخيلته عقولنا، ولا كما صاغته مذاهبنا، ولا كما استقر في موروثاتنا. وإذا كنا نؤمن حقًا بأنه هو الذي أنزل القرآن، أفلا ينبغي أن يكون أول مقتضيات هذا الإيمان أن نعرف الله كما عرّف به نفسه في قرآنه، قبل أن نختلف بشأن ما نعتقد أنه يريده منا؟

اترك تعليقًا