وهم الإنسان بأنه يبدأ من نفسه… حين يحكمنا ماضٍ لا نتذكره!

لعل واحدًا من أكثر الأوهام التصاقًا بالوعي البشري، وأشدها استعصاءً على المراجعة، ذلك الوهم الذي يُخيَّل للإنسان بمقتضاه أنه كيان مستقل بذاته، وأن ماضيه لا يتجاوز حدود ما يستطيع أن يستحضره من ذكريات وتجارب وأحداث عاشها بنفسه، أو عرفها عن أسرته وأجداده. فما لا يتذكره الإنسان، ولا يعرف عنه شيئًا، يكاد يكون في حكم ما لم يحدث أصلًا! وكأن وجوده قد بدأ يوم بدأ وعيه بنفسه، وكأن شخصيته قد تشكلت في المسافة الزمنية القصيرة التي تفصل بين طفولته وحاضره، وكأن إرادته التي يعتز باستقلالها ليست إلا ثمرة ما اختاره لنفسه من أفكار وقناعات وقرارات!
والمفارقة أن هذا الإنسان نفسه، الذي لا يكاد يساوره الشك في أن له طبيعة تخصه وإرادة مستقلة يقرر بمقتضاها ما يريد وما لا يريد، هو نتاج ماضٍ بالغ الامتداد والتعقيد، لا يحيط بجزء يُذكر منه، ولا يدرك من آثاره إلا ما يظهر على سطح وعيه في صورة رغبة أو نفور أو ميل أو خوف أو انفعال أو قرار، فيحسب كل ذلك “صادرًا عنه”، مع أنه قد يكون، في جانب معتبر منه، تعبيرًا عن تاريخ لم يختره، ولم يعشه بوعيه، ولم يكن له أي سلطان على مجرياته! فما أبعد المسافة بين ما يظن الإنسان أنه يعرفه عن نفسه، وبين ما أسهم فعلًا في جعله ذلك الإنسان الذي يعرفه!
ولعل أول ما ينبغي أن نعود إليه، إذا أردنا أن نستبين فداحة هذا الوهم، هو ذلك الماضي التطوري الموغل في القدم، الذي لا يبدأ مع ظهور الإنسان العاقل، ولا حتى مع ظهور أسلافه المباشرين، وإنما يمتد عبر تاريخ طويل من التحولات البيولوجية والانتقاء والتكيف، وصولًا إلى ما استقر في تكوينه من منظومات عصبية ونزعات سلوكية واستعدادات انفعالية لم يكن هو من ابتكرها، ولا كان لأسلافه أن يختاروها بإرادة واعية.
فالإنسان لم يأت إلى العالم عقلًا مجردًا، ثم شرع في اختيار غرائزه ورغباته ومخاوفه وطرائق استجابته لما يحيط به. بل جاء محمولًا على بنية بيولوجية وعصبية تشكلت عبر تاريخ تطوري طويل، وأخذت تحدد له، قبل أن يشرع في التفكير في نفسه، كثيرًا من الشروط التي سيجري تفكيره نفسه في إطارها.
وما نطلق عليه اليوم اسم الطبيعة البشرية هو ليس، من هذا المنظور، إلا حصيلة مؤقتة لذلك التاريخ، بكل ما اشتمل عليه من تكيفات وتحولات وتراكمات، وبكل ما أورثه للكائن البشري من إمكانات وحدود وتناقضات. غير أن الأمر لا يقف عند حدود هذا الإرث التطوري العام الذي يشترك فيه البشر جميعًا. فثمة، في سياق المقاربة التي نطرحها للتاريخ التطوري للإنسان، ما يستدعي اهتمامًا مخصوصًا؛ وأعني به تلك الانعطافة التطورية الأولى التي نفترض أنها أحدثت تحولًا نوعيًا في الكيفية التي أصبح بها الإنسان يتمثل العالم ويتمثل نفسه، وفي الكيفية التي أخذت بها بعض نزعاته واستعداداته تتجاوز مقتضياتها البيولوجية المباشرة. فإذا صح أن هذه الانعطافة قد أطلقت ما نسميه فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس، فإننا لن نكون أمام مجرد إضافات إلى الطبيعة البشرية، وإنما أمام تحول عميق في البنية التي تصدر عنها رغبات الإنسان ومخاوفه وتصوراته عن نفسه وعن الآخرين.
وعندئذ لن يعود فائض التمثّل مجرد قدرة على تخيل ما ليس حاضرًا، وإنما سيغدو كذلك قدرة على ابتكار صورة للذات تختلف عن حقيقتها، وعلى إضفاء “استقلال متوهَّم” على كيان لم ينفصل قط عن تاريخه البيولوجي. ولن يعود فائض العدوان مجرد استعداد لمواجهة الأخطار أو المنافسين، وإنما قد يصبح نزوعًا إلى فرض الإرادة وإثبات التفوق والسيطرة، حتى حين لا تكون هناك ضرورة بيولوجية مباشرة تستدعي ذلك!
وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتأمل مفادها أن القدرة التي أتاحت للإنسان أن يتصور نفسه كائنًا مستقلًا عن ماضيه، قد تكون هي نفسها واحدة من نتائج ذلك الماضي الذي يتوهم استقلاله عنه! فما الذي يجعل الإنسان واثقًا إلى هذا الحد من أنه صاحب إرادة حرة؟ وما الذي يجعله يعتقد أن قراراته تصدر عن ذات مستقلة، وليس عن منظومة بالغة التعقيد من الدوافع والاستعدادات التي سبقت وجوده الواعي؟ أليس من الجائز أن يكون شعوره بالاستقلال نفسه واحدًا من منتجات تلك البنية التمثّلية التي ورثها عن تاريخه التطوري؟ وأليس من المفارقة أن يستخدم الإنسان قدرته على تمثّل نفسه لكي ينكر، من حيث لا يدري، سلطان التاريخ الذي أسهم في تشكيل تلك القدرة؟
ولكن إذا كان الماضي التطوري للنوع البشري قد أسهم في صياغة القالب العام الذي يتشكل في إطاره الإنسان، فإن ثمة ماضيًا آخر، أقرب إلينا من حيث الزمن، وأشد خصوصية من حيث آثاره المحتملة، لا يقل استحقاقًا للاهتمام؛ وأعني به الماضي الوراثي والأسري الذي يحمله كل فرد منا من دون أن يعرف إلا النزر اليسير من تفاصيله. فنحن لا نرث عن آبائنا وأمهاتنا ملامح الوجوه وألوان العيون وبعض الاستعدادات الصحية فحسب، وإنما نرث كذلك منظومات معقدة من الاختلافات الجينية التي قد تؤثر في مزاجنا، وفي درجة حساسيتنا للمؤثرات، وفي استعدادنا للقلق أو الاندفاع أو البحث عن المكافأة، وفي جوانب أخرى من شخصيتنا وسلوكنا. وهذه الوراثة لا تبدأ مع الوالدين، ولا تنتهي عندهما! فوراء كل أب وأم سلسلة طويلة من الأجداد والجدات، تتشعب عبر أعمام وعمات وأخوال وخالات، وتعود بنا إلى أجيال متعاقبة، ربما امتدت مئات السنين إلى الوراء. وما الأقارب الذين نعرفهم إلا فروع ظاهرة لشجرة هائلة من الأنساب، انتقلت عبرها تراكيب جينية لا نعرف يقيناً تاريخ نشأتها، ولا الظروف التي ساعدت على انتشارها أو استمرارها. وليس معنى ذلك أننا نحمل في جيناتنا ذكريات أجدادنا وتجاربهم الشخصية، أو أن كل ما عاشوه قد انتقل إلينا بصورة وراثية؛ فذلك ما لا تسوغه المعرفة العلمية. وإنما المعنى أن بعض الاستعدادات التي نولد بها قد تكون حصيلة تاريخ وراثي طويل، لا نعرف منه شيئًا، وأن أثر هذا التاريخ قد يظهر في حياتنا من دون أن نعرف مصدره. فقد يجد أحدنا نفسه شديد الحساسية لمواقف لا تثير في الآخرين شيئًا يُذكر، أو ميالًا إلى المجازفة حيث يميل غيره إلى الحذر، أو سريع الاستثارة حيث يحتفظ آخرون بهدوئهم، أو مدفوعًا إلى طلب الاعتراف والتقدير على نحو يتجاوز ما تقتضيه ظروفه المباشرة. وليس من الصواب أن نعزو كل هذه الفروق إلى الجينات وحدها؛ فالبيئة والتنشئة والخبرة الفردية تتداخل معها على نحو بالغ التعقيد. ولكن من الخطأ المقابل أن نتعامل مع هذه الفروق كما لو أنها جميعًا اختيارات حرة اتخذها الإنسان بعد تفكير وتدبر. ذلك أن المرء قد يختار بين بديلين، ولكنه لم يختر بالضرورة الاستعدادات التي جعلت أحدهما أكثر جاذبية له من الآخر! وقد يقرر أن يحب أو يكره، أو أن يقبل أو يرفض، ولكنه لم يختر ابتداءً كل تلك الشروط النفسية والعصبية التي جعلت الحب أو الكراهية، والقبول أو الرفض، أكثر احتمالًا في حالته منه في حالة إنسان آخر. بل إن الماضي الذي لا نعرفه لا يقتصر على ما انتقل إلينا وراثيًا. فثمة أيضًا ماضٍ أسري واجتماعي ينتقل عبر التربية والمحاكاة واللغة والعادات والمخاوف والتوقعات، حتى لتبدو بعض القناعات التي نعدها خاصة بنا امتدادًا لقناعات تشكلت قبل ولادتنا، وانتقلت إلينا من دون أن ننتبه إلى أنها كانت يومًا اختيارات الآخرين، لا اختياراتنا نحن!
وهكذا يجد الإنسان نفسه عند تقاطع تاريخين لا يدرك معظم تفاصيلهما: تاريخ تطوري بالغ القدم أسهم في تشكيل طبيعته بوصفه فردًا من نوع بيولوجي، وتاريخ وراثي وأسري واجتماعي أقرب عهدًا أسهم في تشكيل خصوصيته بوصفه هذا الفرد بعينه. ثم يأتي وعيه بنفسه، متأخرًا عن ذلك كله، ليعلن أنه صاحب القرار!
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فالإنسان الذي لم يختر نوعه البيولوجي، ولا بنيته العصبية الأولى، ولا أبويه، ولا أسلافه، ولا الموروث الجيني الذي وصل إليه، ولا البيئة التي استقبلته عند ولادته، ولا اللغة التي تعلم بها أن يفكر في العالم، يصر مع ذلك على أنه كائن مستقل، وأن له إرادة حرة يستطيع بمقتضاها أن يخطط لحياته كما يشاء!
وما إن يبلغ من العمر ما يكفي لكي يرسم صورة لمستقبله حتى يبدأ الحديث عن «حياته التي اختارها»، و«شخصيته التي صنعها»، و«مصيره الذي قرره»، وكأنه لم يصل إلى لحظة الاختيار تلك محمولًا على تاريخ كامل من الشروط التي لم يختر منها شيئًا! والأكثر إثارة للتأمل أن الإنسان لا يكتفي بنسبة قراراته إلى نفسه، وإنما ينسب إليها أحيانًا حتى الرغبات التي دفعته إلى اتخاذ تلك القرارات! فهو لا يسأل، في الغالب، لماذا أراد ما أراده أصلًا، وإنما ينصرف إلى البحث عن الوسائل التي تمكنه من تحقيقه! ولا يسأل لماذا بدا له هدف بعينه جديرًا بالسعي، وإنما يجعل من قدرته على السعي إليه دليلًا على استقلال إرادته! وبذلك يغدو التخطيط للمستقبل، الذي يعده الإنسان واحدًا من أوضح تجليات حريته، شاهدًا على مفارقة أعمق: فقد يكون الإنسان قادرًا على اختيار الوسائل، وعلى المفاضلة بين الغايات، من دون أن يكون مستقلًا عن الشروط التي أسهمت في تشكيل تلك الغايات نفسها!
غير أن هذا كله لا يلزمنا بالقول إن الإنسان كائن مسيَّر على نحو مطلق، أو أن الإرادة الحرة مجرد وهم لا حقيقة، بأي معنى من المعاني. فمثل هذا الحكم سيكون انتقالًا متعجلًا من إثبات تأثير الماضي في الحاضر إلى الزعم بأنه يحدد كل تفاصيله تحديدًا حتميًا لا يقبل المراجعة. فالاستعداد الوراثي ليس قدرًا محتومًا، والتاريخ التطوري لا يملي على كل فرد أفعاله واحدًا بعد آخر، كما أن الإنسان يمتلك قدرات على التعلم والمراجعة وضبط الاندفاعات وإعادة النظر في دوافعه، وهي قدرات تنتمي هي الأخرى إلى تكوينه الإنساني. لكن هذه الحقيقة لا تنقذ التصور الساذج للإرادة الحرة؛ ذلك التصور الذي يجعل من الإنسان ذاتًا قائمة بذاتها، تستطيع أن تبدأ من نقطة صفر، وأن تقرر ما تريد بمعزل عن الشروط التي جعلتها تريد أصلًا! فالسؤال ليس ما إذا كان الإنسان قادرًا على اتخاذ القرارات، وإنما ما إذا كان اتخاذه لها يثبت أنه مستقل عن التاريخ الذي صاغ قدرته على اتخاذها، وأسهم في تشكيل البدائل التي يراها، والقيم التي يحتكم إليها، والدوافع التي ترجح عنده اختيارًا على آخر.
وثمة فارق كبير بين أن تكون للإنسان قدرة على الاختيار، وأن يكون هو المنشئ المستقل لجميع الشروط التي تجعل اختياره ممكنًا.
ولعل ما يجعل هذا الوهم شديد الرسوخ في الوعي البشري أن الإنسان لا يشعر عادةً بالأسباب البعيدة التي تسهم في تشكيل أفعاله، وإنما يشعر بالنتائج القريبة التي تظهر في وعيه؛ فهو يشعر بالرغبة، ولا يشعر بتاريخ تشكل استعداده لها؛ ويشعر بالخوف، ولا يرى جميع العوامل التي جعلت مثيرًا بعينه قادرًا على إخافته؛ ويشعر بأنه اتخذ قرارًا، لكنه لا يحيط بكل العمليات التي سبقت وصول ذلك القرار إلى وعيه!
ومن هنا قد يقع الإنسان في خلط بالغ الدلالة بين غياب معرفته بالأسباب وغياب الأسباب نفسها. فما دام لا يرى ما يدفعه، يتخيل أنه لا شيء يدفعه سوى إرادته! وما دام الانسان لا يتذكر الماضي الذي أسهم في تشكيله، فإنه يتوهم أنه قد تحرر من سلطانه! وما دام يستطيع أن يقول «أنا أريد»، فإنه يفترض أن هذه الـ«أنا» هي كيان مستقل تمام الاستقلال عما سبقها!
ولعلنا هنا نعود مرة أخرى إلى فائض التمثّل، لا بوصفه مجرد قدرة على إنتاج الصور الذهنية، وإنما بوصفه قدرة قد تجعل الإنسان يُنشئ لنفسه صورة متخيلة عن ذاته، ثم يتعامل مع تلك الصورة كما لو أنها الحقيقة الكاملة لوجوده! فهو لا يكتفي بأن يكون كائنًا له تاريخ، بل يريد أن يكون كائنًا يبدأ تاريخه منه. ولا يكتفي بأن تكون له إرادة تعمل داخل شروط وجوده، بل يريد أن يصدق أن إرادته هي التي تنشئ تلك الشروط. ولا يكتفي بأن يكون واحدًا من نتائج التطور، بل يتخيل نفسه وقد ارتقى إلى مرتبة يستطيع عندها أن يتصرف كما لو أنه خرج من سلطان ذلك التطور!
وإذا صح هذا التفسير، فإننا سنكون أمام واحد من أغرب تجليات التاريخ التطوري للإنسان يتمثل في أن ينتج التطور كائنًا يمتلك من القدرة على تمثّل نفسه ما يجعله يتوهم أنه لم يعد محكومًا بالتاريخ الذي أنتجه!
ولكن ألا يستدعي هذا كله أن نعيد النظر في المعنى الذي نعطيه للحرية؟
فلعل الحرية لا تكمن في أن نكون مستقلين عن ماضينا، وهو استقلال لا نملك دليلًا على إمكان تحققه، وإنما في أن نبلغ من الوعي بالشروط التي أسهمت في تشكيلنا ما يعيننا على مراجعة بعض آثارها، والتمييز بين ما نريده لأننا تأملناه وفحصناه، وما نريده لأننا اعتدنا أن نريده من دون أن نسأل أنفسنا لماذا!
ولعل الإنسان لا يصبح أكثر حرية حين ينكر سلطان ماضيه، وإنما حين يدرك أن لهذا الماضي سلطانًا عليه، وأن قدرته على مراجعته لا تعني أنه أصبح خارج التاريخ، بل تعني أنه بات قادرًا، ولو في حدود معينة، على التدخل الواعي في المسار الذي يسهم في تشكيل مستقبله.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الأخيرة.
فالإنسان الذي يتوهم أن إرادته حرة لأنه لا يرى القيود التي تحدها، قد يكون أقل حرية من ذلك الذي يدرك وجود هذه القيود، ويحاول أن يفهمها ويتعامل معها. وما أشد غرابة هذا الكائن الذي يحمل في جسده وعقله آثار ملايين السنين من التطور، وفي تكوينه الفردي آثار أجيال من الأسلاف الذين لم يعرفهم، وفي وعيه آثار طفولة لم يختر شروطها، ثم يقف في لحظة عابرة من عمره ليعلن، بمنتهى الاطمئنان، أنه سيبدأ من الآن في صنع حياته وفق إرادته الحرة!
فيا له من كائن لا يكاد يعرف شيئًا عن معظم ما جعله ما هو عليه، ومع ذلك لا يكاد يشك لحظة في أنه وحده صاحب الحق في أن يقرر ما سيكون عليه!

اترك تعليقًا