
ثمة مفارقة عجيبة في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، لعلها تبلغ أقصى درجات غرابتها حين نتأملها من خلال علاقة الله بالإنسان كما يقدمها لنا القرآن. فالله، الذي خلق الإنسان، وأوجده من العدم، وأحاط به علمًا وقدرة، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، لم يشأ أن يجعل إيمانه به ثمرة إكراه، ولا أن يحول بينه وبين أن يختار لنفسه طريقًا غير الطريق الذي دعاه إليه. ومع ذلك، فإن هذا الإنسان نفسه، الذي مُنح مساحة للاختيار أمام خالقه، كثيرًا ما يضيق ذرعًا بأن يمارس أخوه الإنسان حقًا مماثلًا في الاختيار!
فكيف يستقيم أن يترك الله للإنسان أن يؤمن به أو يكفر، ثم يأتي إنسان آخر ليزعم أن من حقه أن يمنع أخاه الإنسان من اختيار ما يعتقده، أو أن يُكرِهه على اعتناق ما يراه هو حقًا؟
ولعل أول ما ينبغي أن ننتبه إليه هنا هو أن حرية الإنسان في الاختيار ليست بالضرورة إقرارًا بصواب اختياراته، ولا تعني أن الله يستوي عنده من آمن ومن كفر، أو من أحسن ومن أساء. وإنما تعني أن الله شاء أن يكون الإنسان كائنًا قادرًا على الاختيار، وأن يتحمل تبعات ما يختاره، بدلًا من أن يكون مجرد مخلوق لا يستطيع إلا أن يفعل ما يُراد له أن يفعل.
وهذا تحديدًا ما يجعل القضية أعمق بكثير من مجرد دعوة أخلاقية إلى التسامح مع الآخرين، وذلك لأنها تضعنا أمام سؤال يتعلق بالكيفية التي ينبغي أن نفهم بها الإرادة الإنسانية في ضوء المشيئة الإلهية نفسها.
يقول الله تعالى في قرآنه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29). ولعل من أعجب ما في هذه الآية أن الله، وهو الذي يقرر أن ما جاء به هو الحق، لا يجعل من تقرير هذه الحقيقة مسوغًا لإلغاء اختيار الإنسان إزاءها. فالحق حق، سواء آمن به الإنسان أم كفر، ولكن ثبوت الحق لا يقتضي بالضرورة انتزاع حرية الإنسان في اتخاذ موقف منه. بل أن الآية نفسها، بما يتبعها من وعيد للظالمين، تجعلنا أمام تمييز بالغ الدلالة بين أمرين كثيرًا ما يخلط الإنسان بينهما: حرية الاختيار، والمسؤولية عن الاختيار. فالإنسان ليس حرًا بمعنى أن أفعاله لا عواقب لها، وإنما هو حر بمعنى أنه لا يُسلب القدرة على الاختيار لمجرد أن اختياره قد يكون خاطئًا.
ومن هنا يمكننا أن نفهم دلالة قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256). فما الذي يمكن أن يكون أكثر دلالة من اقتران نفي الإكراه بتبيّن الرشد من الغي؟! فالآية لا تقول إن الإكراه منتفٍ لأن الحق غير معروف، أو لأن الفارق بين الصواب والخطأ غير واضح، وإنما تنفي الإكراه مع تقرير أن الرشد قد تبيّن من الغي. وكأن وضوح الحقيقة لا يمنح الإنسان، مهما بلغ يقينه بها، حقًا في فرضها على غيره بالقوة!
وهنا تحديدًا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في تاريخ التدين البشري، والتي مفادها أن الإنسان قد يحول يقينه بصحة اعتقاده إلى ذريعة لمصادرة حق الآخرين في الاعتقاد! فبدلًا من أن يكون يقينه باعثًا على البيان والحجة والإقناع، يغدو أحيانًا باعثًا على الوصاية والإكراه. وبدلًا من أن يرى في مخالفة الآخرين له فرصة لامتحان قوة حجته، يرى فيها اعتداءً على حقيقة يظن نفسه مكلفًا بحراستها، ولو اقتضت هذه الحراسة أن يسلب الآخرين إرادتهم. والأعجب من ذلك أن القرآن لم يجعل حتى للرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المبلّغ عن الله، سلطة إكراه الناس على الإيمان. فيقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99). فنحن هنا أمام آية لا تكتفي بنفي الإكراه، وإنما تعيد المسألة برمتها إلى المشيئة الإلهية. فالله قادر على أن يجعل أهل الأرض جميعًا مؤمنين، ولكنه لم يشأ أن يتحقق الإيمان البشري بهذه الكيفية. ومن ثم يأتي الاستفهام الموجّه إلى الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم ليضع حدًا فاصلًا بين مهمة تبليغ الحق وبين محاولة فرضه على الناس. فإذا كان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه لم يُمنح حق إكراه الناس على الإيمان، فمن أين يستمد غيره هذا الحق؟! وإذا كانت المشيئة الإلهية قد أبقت للإنسان إمكانية الاختيار بين الإيمان والكفر، فكيف يجيز الإنسان لنفسه أن يلغي هذه الإمكانية باسم الدفاع عن الدين؟
ولعلنا نبلغ دلالة أعمق حين نقرأ قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية: 21-22). فالتذكير هنا يقابله نفي السيطرة. وهذه المقابلة جديرة بأن نتوقف عندها طويلًا؛ لأنها لا تتعلق بمجرد أسلوب الدعوة، وإنما بحدود السلطة التي يجوز لإنسان أن يمارسها على خيارات إنسان آخر. فالمذكِّر يخاطب العقل والوجدان، ويعرض الحجة، ويدعو إلى النظر والتدبر. أما المسيطر فيسعى إلى انتزاع الامتثال، ولو لم يصاحبه اقتناع! وما أبعد المسافة بين أن يقتنع الإنسان بحقيقة ما، وبين أن يُكرَه على إعلان اقتناعه بها! فالأول هو موقف معرفي وأخلاقي صادر عن الذات، أما الثاني فقد لا يكون أكثر من سلوك اضطراري تفرضه موازين القوة والخوف! وهنا يبرز سؤال آخر: ما القيمة التي يمكن أن تكون لإيمان لا يملك صاحبه حرية عدم الإيمان؟! فالإيمان، إذا كان فعلًا يتصل بالتصديق والاقتناع، لا يمكن اختزاله في إعلان لفظي ينتزعه الإكراه. فقد يستطيع الإنسان أن يجبر إنسانًا آخر على النطق بما لا يؤمن به، ولكنه لا يستطيع بذلك أن يجعل قلبه مصدقًا بما نطق به لسانه! ولهذا فإن الإكراه لا يحقق بالضرورة الغاية التي يدّعي الساعي إليه أنه يريد تحقيقها؛ إذ قد يصنع الامتثال الظاهري، ولكنه لا يصنع الإيمان!
ولعل من المفيد هنا أن نستحضر قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3). فالإنسان، في هذه الآية، ليس كائنًا تُفرض عليه النتيجة بعد أن يُبيّن له السبيل، وإنما هو كائن تتحدد مسؤوليته في ضوء ما يتخذه من موقف إزاء ما هُدي إليه. وهذا لا يعني أن الإنسان مستقل عن الله استقلالًا مطلقًا، أو أن إرادته تقع خارج المشيئة الإلهية؛ فالقرآن نفسه يؤكد: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30). وإنما يعني أن المشيئة الإنسانية، بما لها من حدود، تظل جزءًا من صورة الإنسان المسؤول التي يقدمها القرآن.
غير أن المشكلة لا تقف عند حدود الاعتقاد الديني. فالإنسان الذي لا يحتمل أن يختلف معه أخوه الإنسان في الدين، قد لا يحتمل كذلك أن يختلف معه في الرأي، أو في الموقف الفكري، أو في طريقة فهم العالم، أو حتى في الخيارات الشخصية التي لا تتعدى آثارها صاحبها. وكأن اختلاف الآخر عنه لا يمثل، في نظره، مجرد اختلاف بين إرادتين بشريتين، وإنما يمثل تحديًا لسلطته المعنوية، وتهديدًا للصورة التي يحملها عن نفسه وعن صحة ما يعتقده!
وهنا تتسلل إلى المسألة نزعة نفسية لا تقل خطورة عن الإكراه نفسه: أن يخلط الإنسان بين إيمانه بأنه على حق، واعتقاده أن له حقًا على الآخرين بسبب ذلك الإيمان! فليس كل من اعتقد أنه يمتلك الحقيقة قد ادّعى لنفسه سلطة على غيره، ولكن كل من أراد أن يفرض الحقيقة بالقوة يكون قد أضاف إلى يقينه المعرفي دعوى سلطوية تحتاج هي نفسها إلى تبرير.
ولعل هذا ما يجعلنا نتساءل عما إذا كان بعض ما نسميه غيرة على الدين، أو دفاعًا عن الحقيقة، يخفي وراءه أحيانًا حاجة نفسية إلى السيطرة على الآخرين، أو عجزًا عن احتمال استقلال إرادتهم عنا! فالإنسان قد يجد في اختلاف الآخرين معه ما يذكره بأن سلطته محدودة، وأن اقتناعه، مهما بلغ من القوة، لا يكفي وحده لجعل الآخرين مقتنعين بما اقتنع به. وبدلًا من أن يتقبل هذه الحقيقة بوصفها جزءًا من طبيعة الوجود الإنساني، قد يحاول تجاوزها بإلغاء الاختلاف نفسه. وهكذا تتحول الرغبة في أن يكون الإنسان على حق إلى رغبة في أن يكون الآخرون على صورته! ولكن ينبغي ألا يقودنا هذا إلى الخلط بين احترام إرادة الإنسان وبين التسليم بأن كل ما يصدر عن هذه الإرادة مشروع أو مقبول. فثمة فارق جوهري بين أن يختار الإنسان لنفسه ما يعتقده، وبين أن يجعل من اختياره وسيلة للاعتداء على غيره أو مصادرة حقوقه. واحترام الإرادة لا يعني تعطيل المسؤولية، ولا إلغاء القواعد التي تنظم الحياة المشتركة، ولا ترك المعتدي يعتدي بحجة أنه يمارس حريته. وإنما يعني، في الحد الأدنى، ألا تتحول مجرد مخالفة الآخر لنا في الاعتقاد أو الرأي إلى مسوغ لإكراهه. فالحرية التي نطالب بها لأنفسنا لا يمكن أن تكون امتيازًا خاصًا بنا، ثم تصبح خطرًا ينبغي منعه حين يمارسها الآخرون! ومن هنا فإن احترام إرادة الإنسان ليس مجرد فضيلة في التعامل، وإنما هي امتحان لمدى اتساقنا مع المبادئ التي نعلن الإيمان بها!
ولعل المفارقة الكبرى أن الإنسان، حين يسعى إلى إكراه أخيه الإنسان على الإيمان بالله، قد ينتهي به الأمر إلى مناقضة ما يفهم من تلك الآيات التي يستند إليها في إيمانه بالله! فهو يريد أن يحقق بالقسر ما جعل القرآن طريقه البيان والتذكير، وأن ينتزع بالسلطة ما لا يكتسب قيمته إلا بالاقتناع، وأن يحسم بإرادته هو ما تُرِك للإنسان أن يتخذ فيه موقفًا يتحمل مسؤوليته أمام الله! وليس معنى ذلك أن الله يحترم إرادة الإنسان بالمعنى البشري الذي قد يوحي بأن الإرادة الإنسانية سلطة مستقلة تحد من سلطان الله. فالله، في التصور القرآني، لا تعجزه إرادة أحد من خلقه. وإنما المقصود أن الله، مع كمال قدرته وسلطانه، لم يجعل الإكراه سبيلًا عامًا إلى إيمان البشر، وأبقى لهم مجالًا للاختيار والابتلاء والمساءلة.
وهذا هو المعنى الذي يجعل عنوان هذه المقالة استفهامًا يستحق أن يواجه به الإنسان نفسه قبل أن يواجه به غيره. فإذا كان الله، وهو الأعلم بما في النفوس، والأقدر على تغييرها، قد خاطب الإنسان بالحجة، وترك له أن يتخذ موقفه، وحمّله مسؤولية اختياره، فلماذا يجد الإنسان، وهو الأقل علمًا والأضعف قدرة والأشد عرضة للخطأ، صعوبة بالغة في أن يقبل لأخيه الإنسان حقًا مماثلًا في الاختيار؟! ولماذا يظن أن يقينه يمنحه من السلطة على ضمير غيره ما لم يجعله القرآن حتى للرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم في دعوته الناس إلى الإيمان؟
إن السؤال، في نهاية المطاف، ليس لماذا يختلف الناس في معتقداتهم وآرائهم؛ فالاختلاف حقيقة ملازمة للوجود الإنساني. وإنما السؤال هو لماذا يعجز بعض الناس عن احتمال هذا الاختلاف، ولماذا يتحول إيمانهم بما يعتقدون أنه الحق إلى رغبة في انتزاع حق الآخرين في أن يعتقدوا غيره؟!
ولعل أكثر ما يستحق أن نتأمله هنا أن الإنسان لا يكتفي أحيانًا بأن يريد من أخيه الإنسان أن يؤمن بما يؤمن به، وإنما يريد أن يسلبه حقه في ألا يؤمن به!
وهنا نعود إلى المفارقة التي بدأنا بها. فإذا كان الله لم يشأ أن يجعل الإنسان مؤمنًا بالإكراه، فمَن الذي خوّل الإنسان أن يجعل من نفسه وصيًا على إرادة أخيه الإنسان؟!
وهل ثمة مفارقة أشد غرابة من أن يدّعي الإنسان الدفاع عن حق الله، بأن يصادر من أخيه الإنسان حرية الاختيار التي جعلها الله جزءًا من ابتلائه ومسؤوليته؟!
