الإنسان الذي يندم على أمسه… ولا يخشى أن يندم على يومه غدًا!

ثمة مفارقات وجودية في حياة الإنسان تبلغ من غرابتها حدًّا يجعلنا نتساءل عما إذا كان هذا الكائن الذي يفاخر بعقله، ويتباهى بقدرته على التعلم من تجاربه، يدرك حقًا ما الذي يفعله بنفسه حين يجعل من ماضيه موضوعًا دائمًا لندمه، بينما يمضي في حاضره غير مكترث بما قد يستدعي منه الندم عليه في مستقبل لم يأتِ بعد! فالإنسان، هذا الكائن العجيب، لا يكاد يتوقف عن التحسر على ما فاته من فرص، وما أضاعه من إمكانات، وما ارتكبه من أخطاء، وما اتخذه من قرارات يتمنى لو أنه لم يتخذها. وقد يقضي سنوات طويلة يستعيد حادثة بعينها، أو موقفًا كان بوسعه أن يتصرف فيه على نحو مختلف، أو فرصة لم يغتنمها حين كانت متاحة له. ومع ذلك، فإنه لا يبدو حريصًا بالقدر ذاته على ألا يفوته اليوم ما سيندم على فواته غدًا، ولا على أن يتجنب في حاضره ما سيصبح، بعد سنوات، موضوعًا جديدًا لتحسره وندمه! وكأن الإنسان لا يتعلم من الندم إلا كيف يندم مرة أخرى!
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب في هذه المفارقة أن الإنسان لا يجهل أن الزمن يمضي في اتجاه واحد، وأن ما انقضى من عمره قد انقضى إلى غير رجعة، وأن الفرص التي ضاعت منه بالأمس لا يمكن استعادتها بمجرد استحضارها في الذاكرة، مهما بلغت شدة الحسرة عليها. ومع ذلك، فإنه يمنح الماضي من اهتمامه وطاقته الوجدانية ما لا يمنحه للحاضر، مع أن الحاضر هو المجال الوحيد الذي لا تزال فيه بعض إمكانات الفعل والتغيير متاحة له!
فما الذي يجعل الإنسان أشد انشغالًا بما لم يعد بمقدوره تغييره، وأقل انشغالًا بما لا يزال بمقدوره أن يفعل شيئًا حياله؟ ربما كان علينا، حتى نفهم هذه المفارقة، أن نستحضر واحدة من أكثر خصائص العقل البشري تعقيدًا، وأعني بها قدرته على التمثّل؛ تلك القدرة التي لا تكتفي باستحضار ما وقع بالفعل، وإنما تعيد بناءه في الذهن، وتمنحه صورًا بديلة، وتنسج حوله احتمالات لم تتحقق، ثم تتعامل مع هذه الاحتمالات كما لو أنها كانت حقائق تنتظر منه مجرد أن يختارها! فالإنسان حين يندم على قرار اتخذه قبل سنوات لا يستحضر القرار وحده، وإنما يستحضر معه حياة أخرى يتخيل أنه كان سيحياها لو أنه اتخذ قرارًا مختلفًا! وحين يتحسر على فرصة ضاعت منه، فإنه لا يتذكر الفرصة كما كانت في ظروفها الواقعية، وإنما يعيد تمثّلها من خلال ما يعرفه اليوم من نتائج لم يكن يعرفها حين كانت تلك الفرصة متاحة له.
وهكذا يغدو الماضي، في مخيلة الإنسان، أكثر وضوحًا مما كان عليه حين كان حاضرًا، وتغدو البدائل التي لم يخترها أكثر إغراءً مما كانت عليه حين كان عليه أن يختار بينها!
وهنا تكمن واحدة من أخطر خدع الوعي البشري؛ فالإنسان يحاكم قرارات أمسه بمعرفة اليوم، وينسى أنه حين اتخذها لم يكن يمتلك تلك المعرفة التي بات يمتلكها الآن. بل إنه كثيرًا ما يفترض أن الطريق الذي لم يسلكه كان سيقوده حتمًا إلى حياة أفضل، مع أنه لا يملك أي وسيلة لمعرفة ما كان سينتهي إليه ذلك الطريق لو أنه سلكه فعلًا!
ولذلك فإن الندم لا يكون دائمًا تعبيرًا عن إدراك متأخر لخطأ حقيقي، وإنما قد يكون أحيانًا ثمرة مقارنة بين واقع حدث بالفعل، وواقع افتراضي لم يحدث قط، لكنه يبدو في مخيلة صاحبه أجمل وأفضل وأقل كلفة!
غير أن هذه ليست سوى إحدى جهتي المفارقة. أما جهتها الأخرى، ولعلها الأشد غرابة، فتتجلى في أن الإنسان الذي يمتلك هذه القدرة الهائلة على إعادة تمثّل ماضيه، لا يوظفها بالقدر نفسه في استباق ندمه المستقبلي! فلماذا لا يسأل الانسان نفسه، وهو على وشك اتخاذ قرار مصيري: هل سأندم بعد عشر سنوات على ما أنا مقدم عليه الآن؟ ولماذا لا يسأل نفسه، وهو يؤجل أمرًا مهمًا للمرة العاشرة: هل سأتحسر يومًا على أنني لم أفعله حين كانت الفرصة لا تزال متاحة؟ ولماذا لا يتساءل، وهو يهدر سنوات عمره في خصومات عبثية أو انشغالات تافهة: هل سيأتي يوم أتمنى فيه لو أنني أنفقت هذا الوقت فيما كان يستحق أن أعيشه حقًا؟
إنه لأمر عجيب أن يكون الإنسان قادرًا على استحضار الندم بعد وقوع أسبابه، لكنه كثيرًا ما يعجز عن استحضار إمكان الندم قبل أن يُقدِم على ما سيستدعيه! وليس المقصود بهذا أن الإنسان يستطيع أن يعرف مسبقًا عواقب أفعاله جميعًا، أو أن بوسعه أن يتجنب كل خطأ محتمل. فالحياة أعقد من أن تكون سلسلة من القرارات التي يمكن حساب نتائجها سلفًا، كما أن بعض ما نندم عليه اليوم ربما لم يكن بالإمكان تجنبه بالأمس. وإنما المقصود أن الإنسان لا يبذل، في كثير من الأحيان، جهدًا متناسبًا مع ما يعرفه من تجاربه السابقة في الحيلولة دون تكرار ما يؤلمه. والأشد إثارة للتأمل أن الندم نفسه قد يتحول إلى واحد من الأسباب التي تجعل الإنسان يفوّت على نفسه فرصًا جديدة! فكم من إنسان ظل منشغلًا بالتحسر على علاقة إنسانية انتهت، حتى غفل عن علاقات أخرى كان بمقدوره أن يبنيها! وكم من إنسان أمضى سنوات يندب فرصة مهنية ضاعت منه، حتى ضاعت منه فرص أخرى لم ينتبه إليها! وكم من إنسان استغرق في لوم نفسه على سنوات أهدرها، حتى أهدر سنوات إضافية في مجرد التحسر على تلك السنوات!
وهكذا لا يعود الندم مجرد استجابة وجدانية لما حدث، وإنما يتحول إلى قوة فاعلة في إنتاج ما سيستدعي مزيدًا من الندم! وهنا نكون أمام مفارقة داخل المفارقة: فالإنسان قد يندم على إهدار عمره، ثم يهدر ما تبقى منه في الندم على ما أهدره!ولعلنا نستطيع أن نفهم جانبًا من هذا السلوك إذا أدركنا أن الندم على الماضي، على قسوته النفسية، قد يكون أيسر على الإنسان من مواجهة مسؤوليات الحاضر! فالماضي، وقد انتهى، لا يطالبه باتخاذ قرار جديد، ولا يضعه أمام مخاطرة جديدة، ولا يضطره إلى مواجهة احتمال الفشل مرة أخرى. أما الحاضر فإنه يطالبه بالفعل والاختيار، وبأن يتحمل مسؤولية ما يترتب على اختياراته. وبذلك قد يصبح الانشغال بالماضي، على نحو يبدو متناقضًا، ملاذًا نفسيًا يلوذ به الإنسان من مشقة الحاضر؛ فهو يستطيع أن يلوم نفسه بلا نهاية على ما فعله بالأمس، من دون أن يضطر بالضرورة إلى تغيير ما يفعله اليوم! بل إن الندم قد يمنحه أحيانًا شعورًا خادعًا بأنه قد أدى ما عليه تجاه خطئه، وكأن مجرد التألم على ما حدث يعفيه من واجب التعلم منه، أو أن قسوة محاسبته لنفسه تغنيه عن اتخاذ موقف مختلف حين تتكرر الظروف ذاتها! وهذا ما يجعلنا نميز بين نوعين مختلفين من الندم: ندم يستحضر الماضي ليحرر الإنسان من تكراره، وندم يستحضر الماضي ليحبس الإنسان داخله. فالندم الأول فعل معرفي وأخلاقي، لأنه يعيد النظر في الخطأ من أجل استخلاص ما يمكن أن يغير السلوك اللاحق. أما الندم الثاني فهو دوران وجداني حول حدث منقضٍ، لا ينتج معرفة جديدة، ولا يفضي إلى قرار مختلف، ولا يحقق لصاحبه سوى مزيد من الألم.
ومن هنا، فإن المشكلة ليست في أن الإنسان يندم، فالندم قد يكون من أهم الوسائل التي يراجع بها المرء نفسه ويصحح بها مساره. وإنما المشكلة في أن الإنسان كثيرًا ما يفصل بين الندم بوصفه شعورًا، والندم بوصفه معرفة ينبغي أن يكون لها أثر في السلوك! فهو يتألم لما حدث، لكنه لا يسأل نفسه بالقدر الكافي عما ينبغي أن يفعله حتى لا يحدث ما يشبهه مرة أخرى!
ولعل هذه المفارقة تكشف لنا أيضًا عن خلل في علاقتنا بالزمن. فنحن نتصور الماضي والحاضر والمستقبل وكأنها ثلاثة مجالات منفصلة، مع أن حاضرنا ليس سوى الماضي الذي سنستحضره غدًا، وأن مستقبلنا ليس سوى الحاضر الذي ستنتهي إليه اختياراتنا وأفعالنا، إلى جانب ما تفرضه علينا الظروف والمصادفات الخارجة عن إرادتنا! فاللحظة التي نعيشها الآن، والتي قد لا نوليها ما تستحقه من اهتمام، ستكون ذات يوم جزءًا من ماضينا. وما نستهين به اليوم قد يغدو غدًا مصدرًا لحسرة عميقة. وما نؤجله الآن لأننا نظن أن الوقت لا يزال متسعًا له، قد يصبح بعد سنوات أمرًا نتمنى لو أننا لم نؤجله!
ولذلك فإن السؤال الأكثر جدارة بأن يطرحه الإنسان على نفسه ليس دائمًا: لماذا فعلت ما فعلته؟ وإنما أيضًا: ما الذي أفعله الآن، وقد أجد نفسي بعد سنوات أطرح السؤال نفسه بشأنه؟ وما الذي يفوتني في هذه اللحظة، بينما أنا منشغل بالتحسر على ما فاتني في لحظة سابقة؟ إن في هذا السؤال انتقالًا بالغ الدلالة من الندم بوصفه إقامة في الماضي، إلى الندم بوصفه خبرة نستعين بها على إدراك قيمة الحاضر. ولا يعني ذلك أن نعيش أسرى الخوف من الندم المستقبلي، فنمتنع عن المغامرة، ونتردد في اتخاذ القرارات، ونحول حياتنا إلى سلسلة من الاحتياطات التي لا تنتهي. فمثل هذا الخوف قد يكون هو نفسه سببًا لندم لاحق، حين نكتشف أننا لم نعش ما كان ينبغي أن نعيشه لأننا كنا نخشى أن نندم عليه! وإنما المطلوب أن نكتسب قدرًا من الوعي يجعلنا نميز بين ما يستحق أن نتحمل مخاطرة الإقدام عليه، وما ينبغي أن نحذر من عواقبه، وبين ما يمكن تأجيله من دون خسارة حقيقية، وما قد يكون تأجيله خسارة لا يمكن تعويضها.
ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من أخطائنا الماضية ليس أن نعرف كم كنا مخطئين، وإنما أن نكون أكثر قدرة على الانتباه حين نوشك أن نخطئ مرة أخرى. فليس ثمة فضيلة في أن يظل الإنسان يندب فرصة ضاعت منه، بينما يترك فرصة أخرى تضيع أمام عينيه. وليس ثمة حكمة في أن يقضي عمره يتحسر على قرارات اتخذها، بينما يواصل اتخاذ قرارات لا يمنحها ما تستحقه من تفكير وروية.
فنحن، في نهاية المطاف، لا نملك أن نعود إلى الأمس لنصلح ما أفسدناه فيه، لكننا نملك، ضمن حدود قدرتنا وظروفنا، أن نحاول ألا نجعل من يومنا هذا أمسًا آخر نتحسر عليه غدًا! وربما كانت إحدى أعظم علامات النضج الإنساني أن يكف المرء عن الاعتقاد بأن شدة ندمه على الماضي دليل كافٍ على أنه تعلم منه، وأن يبدأ بدلًا من ذلك في مساءلة نفسه عما إذا كانت خبرته بما مضى قد غيرت بالفعل طريقته في التعامل مع ما لم يمضِ بعد. فما أكثر الذين يندمون على ما فاتهم، وما أقل الذين ينتبهون إلى ما يفوتهم وهم يندمون!
ولعل المأساة الوجودية الأشد إيلامًا ليست أن يكتشف الإنسان، بعد فوات الأوان، أنه كان يستطيع أن يعيش حياة مختلفة؛ وإنما أن يكتشف أنه أمضى ما تبقى من حياته نادمًا على ما فاته، من دون أن ينتبه إلى أن الحياة نفسها كانت تفوته مرة أخرى!

اترك تعليقًا