مقاربة في السياق الوجودي والوظيفي للسلطة الرئاسية الأمريكية

ثمة جانب من جوانب الرئاسة الأمريكية قلّما يحظى بما يستحقه من اهتمام حين نحاول فهم العقلية التي قد تتشكل لدى الإنسان الذي يتولى هذا المنصب الاستثنائي. فنحن اعتدنا أن نقرأ الرئاسة الأمريكية من خلال الدستور، والمؤسسات، والصلاحيات، والتوازنات السياسية، والعلاقات الدولية، وما يملكه الرئيس من أدوات القوة والنفوذ. غير أننا نكاد نغفل عن سؤال ربما كان أكثر جذرية من هذه الأسئلة جميعًا: ماذا يحدث للإنسان نفسه حين يجد أنه أصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية؟! وليس المقصود هو ما يطرأ على حياته الشخصية من تغيرات، ولا ما يستجد عليه من مسؤوليات وأعباء، وإنما ذلك التحول الوجودي العميق الذي يمكن أن يحدث في إدراكه لذاته، وللعالم من حوله، ولحدود ما يستطيع أن يفعله، بل ولحدود ما ينبغي له ألا يفعله!
فالرئيس الأمريكي ليس مجرد رئيس دولة بين رؤساء الدول، وإنما هو إنسان يجد نفسه على رأس دولة تمتلك من أسباب القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والنفوذ الدولي ما يجعل قراراته قادرة على التأثير في مصائر شعوب بأكملها، بل وفي مستقبل البشرية نفسها.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة التي نريد مقاربتها. فماذا يحدث للضمير الإنساني حين تصبح القدرة على الفعل أعظم بكثير من القدرة المتاحة للآخرين على منع هذا الفعل أو محاسبة صاحبه عليه؟ وهل يستطيع الإنسان، أي إنسان، أن يظل محتفظًا بتصوره السابق لذاته حين يجد أن إرادته باتت قادرة على تحريك الجيوش، وإشعال الحروب، وإصدار القرارات التي قد يترتب عليها موت عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، من البشر؟!
إننا هنا لا نتحدث عن الرئيس الأمريكي بوصفه شخصية سياسية بعينها، وإنما عن الإنسان الذي يوضع في سياق وجودي ووظيفي بالغ الاستثنائية، قد لا يكون لتاريخ البشرية كله نظير مطابق له.
لعل أول ما ينبغي الانتباه إليه أن الإنسان الذي يدخل المكتب البيضاوي لا يخلع إنسانيته عند بابه، ولا يتخلص من تلك التركيبة النفسية والإدراكية المعقدة التي لازمته منذ أن كان فردًا عاديًا في المجتمع. فهو لا يزال الإنسان نفسه، بكل ما ينطوي عليه من مخاوف، ورغبات، وأوهام، ونزعات إلى التفوق، وحاجات نفسية إلى تبرير أفعاله وإضفاء المشروعية على قراراته. غير أن الذي تغير هو مقدار القوة التي أصبحت في متناول يده. وهذا التغير ليس مجرد إضافة كمية إلى قدرته السابقة على الفعل، وإنما قد ينتهي إلى تحول نوعي في علاقته بنفسه وبالعالم. فالإنسان الذي اعتاد أن يجد فوقه سلطة ما، سواء أكانت سلطة القانون، أم المؤسسة، أم المجتمع، أم سلطة إنسان آخر، قد يجد نفسه وقد بلغ موقعًا لا تعود فيه هذه السلطات حاضرة في وعيه بالكيفية نفسها التي اعتادها. صحيح أن الدستور الأمريكي أقام نظامًا من الضوابط والتوازنات، وأن الكونغرس والقضاء يمتلكان صلاحيات فعلية لمساءلة الرئيس وتقييد بعض قراراته، لكن وجود السلطة الرقابية شيء، وقدرتها على التدخل الفوري والفعال في كل قرار رئاسي شيء آخر. بل إن بعض القرارات، وخصوصًا تلك المتصلة بالحرب والأمن القومي، قد تُنفَذ وتترتب عليها نتائج لا رجعة فيها قبل أن تتمكن أي مؤسسة من إخضاعها لمساءلة ذات أثر عملي!
وهنا تنشأ المفارقة الوجودية الكبرى، والتي مفادها أن يكون الإنسان مسؤولًا من الناحية الدستورية، لكنه قد يستشعر في لحظة اتخاذ القرار أنه أبعد من أن تطاله مساءلة قادرة على منعه مما يريد! وليس من الضروري أن يصرح الرئيس لنفسه بأنه أصبح فوق القانون حتى يقع تحت تأثير هذا الشعور؛ فقد يكفي أن يعتاد أن تُنفذ أوامره، وأن تتحول تصوراته إلى سياسات، وأن تتعامل المؤسسات المحيطة به مع إرادته بوصفها نقطة الانطلاق التي ينبغي البحث عن الوسائل الكفيلة بتحقيقها.
وعندئذ قد لا يعود السؤال الذي يواجهه هو: هل يحق لي أن أفعل هذا؟ بل يصبح: كيف أستطيع أن أفعله؟ وما أعظم الفارق بين السؤالين!
وهنا يمكن استدعاء ما نسميه «فائض التمثّل» بوصفه إطارًا تفسيريًا يساعدنا على فهم الكيفية التي يستطيع بها العقل البشري إعادة تشكيل الواقع في وعي صاحبه، بحيث يغدو ما يرغب فيه متوافقًا، في تصوره، مع ما ينبغي فعله. فالعقل الإنساني لا يكتفي بإدراك الواقع كما هو، وإنما يمتلك قدرة هائلة على إعادة تمثّله، وصياغة المعاني التي تحيط به، وإيجاد المبررات التي تجعل أفعال صاحبه مقبولة لديه، حتى حين تتعارض مع المبادئ الأخلاقية التي يعلن التزامه بها. وهذه القدرة لا تختفي حين يصبح الإنسان رئيسًا، بل قد تتسع مجالات عملها كلما اتسعت قدرته على التأثير في الواقع. فالرئيس الذي يفكر في اتخاذ قرار عسكري يفضي إلى مقتل أعداد هائلة من المدنيين ليس مضطرًا لأن يقول لنفسه إنه يريد قتل الأبرياء. فبوسعه أن يعيد تمثّل القرار بوصفه “ضرورة لحماية الأمة”، أو وسيلة لإنقاذ أرواح أكثر، أو تضحية مؤلمة لا بد منها من أجل تحقيق سلام مستقبلي، أو حتى واجبًا أخلاقيًا يفرضه عليه موقعه الاستثنائي!
وهكذا قد تتحول الوسيلة التي تستدعي أشد درجات المساءلة الأخلاقية إلى فعل يجد صاحبه في تصوره الخاص ما يكفي لتبريره. والمشكلة ليست في أن كل تبرير من هذا النوع زائف بالضرورة؛ فبعض القرارات الصعبة قد تكون لها بالفعل مبررات قابلة للنقاش والدفاع العقلاني. وإنما تكمن المشكلة في قدرة الإنسان على الخلط بين المبرر الذي يخضع للفحص المستقل، والمبرر الذي يصنعه عقله ليحمي به قراره من ذلك الفحص. فأخطر ما يمكن أن يفعله فائض التمثّل ليس أن يجعل الإنسان يرتكب فعلًا يعرف أنه شر، وإنما أن يعينه على ارتكاب فعل مؤذٍ وهو مطمئن إلى أنه يفعل الخير!
قد يبدو أن ثمة سلطة أخيرة لا يستطيع الرئيس، مهما بلغت قوته، أن يتجاوزها، وهي سلطة الله في وعي الإنسان المؤمن به. غير أن استحضار هذه السلطة لا يعني بالضرورة أنها ستشكل رادعًا فعالًا يحول دون اتخاذ قرار غير أخلاقي. فالإنسان لا يتعامل دائمًا مع تصوره لله بمعزل عن رغباته ومصالحه وأوهامه، وإنما قد يعيد تشكيل فهمه للإرادة الإلهية نفسها بما يجعلها منسجمة مع ما يريد هو فعله! وهنا يبلغ فائض التمثّل واحدة من أكثر تجلياته خطورة. فبدلًا من أن يسأل صاحب السلطة نفسه عما إذا كان فعله يتوافق مع ما يعتقد أنه أمر إلهي، قد ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأن ما يريد فعله هو نفسه ما تقتضيه الإرادة الإلهية!
وعندئذ لا تعود المرجعية الدينية سلطة مستقلة يحاكم الإنسان أفعاله إليها، وإنما تتحول في وعيه إلى مصدر إضافي للمشروعية التي يضفيها على تلك الأفعال. وهذا الاحتمال لا يختص بالرؤساء الأمريكيين، ولا بالمؤمنين بدين بعينه، وإنما يمثل قابلية إنسانية أوسع، عرفتها المجتمعات عبر تاريخها، حين أضفى أصحاب السلطة على قراراتهم طابعًا “مقدسًا”! ولكن اجتماع هذه القابلية مع القوة التي تتيحها الرئاسة الأمريكية يجعل النتائج المحتملة أشد خطورة. فما الذي يمنع إنسانًا يمتلك قدرة هائلة على التدمير من أن يقنع نفسه بأنه إنما ينفذ “مشيئة الله”، أو يدافع عن الخير، أو يحمي الحضارة، أو ينقذ البشرية من شر أعظم؟!
إن السؤال هنا ليس عما إذا كان الله يجيز هذا الفعل أو ذاك، وإنما عن قدرة الإنسان على أن ينسب إلى الله ما هو، في حقيقة الأمر، من صنع تصوره هو!
ولعل قرار الرئيس الأمريكي هاري ترومان باستخدام القنبلتين الذريتين ضد هيروشيما وناغازاكي في أغسطس/آب 1945 يقدم لنا حالة تاريخية بالغة الدلالة لفحص هذه الإشكالية. فالرئيس الذي اتخذ القرار كان يعلم أنه يأذن باستخدام سلاح ذي قدرة تدميرية غير مسبوقة ضد مدينتين يقطنهما عدد كبير من المدنيين. ومع ذلك، لم يُقدَّم القرار في الخطاب الأمريكي الرسمي بوصفه فعلًا يستهدف إيقاع كارثة إنسانية، وإنما بوصفه وسيلة لإنهاء الحرب، وإجبار اليابان على الاستسلام، وتجنب خسائر بشرية أكبر كان يمكن أن تترتب على غزو الجزر اليابانية! ولا تزال الضرورة العسكرية لهذا القرار، ومدى توافر بدائل له، وطبيعة تأثير القصف الذري في استسلام امبراطورية اليابان، مسائل موضع خلاف تاريخي تختلط فيه الحقيقة المجردة مع الأكاذيب التي يتقن مصاصو دماء الشعوب كيفية نسجها والترويج لها وجعلها الحقيقة التي يتعذر الشك فيها! ولكن ما يعنينا هنا يتجاوز الفصل في هذا الخلاف.
فالسؤال الذي ينبغي أن يستوقفنا هو: كيف استطاع الإنسان الذي أصدر الأمر أن يستوعب أخلاقيًا النتائج الكارثية لقراره، وأن يجد في تصوره للضرورة العسكرية ما يجعله قادرًا على الدفاع عنه؟ فليس في وسعنا أن نستخرج من القرار وحده حقيقة ما كان يجري في أعماق ترومان، أو أن نجزم بأنه كان مدفوعًا بأوهام نفسية بعينها. غير أن بوسعنا أن ندرس البنية التبريرية التي أحاطت بالقرار، وأن نتساءل عن الدور الذي تؤديه مثل هذه البنى في جعل أفعال بالغة التدمير قابلة للتقبل في وعي أصحابها.
فحين يصبح قتل أعداد هائلة من البشر وسيلة يقال إنها “ضرورية لإنقاذ أعداد أكبر”، فإننا نكون أمام واحدة من أعقد المعضلات الأخلاقية التي يمكن أن يواجهها الإنسان. وهي معضلة تزداد خطورة حين يكون صاحب القرار نفسه أحد أبرز المشاركين في تحديد معنى الضرورة، وفي تقدير البدائل، وفي صياغة الرواية التي ستقدم لاحقًا لتبرير ما حدث.
وهنا يتجلى أحد أخطر وجوه العلاقة بين السلطة وفائض التمثّل: أن يمتلك الإنسان القدرة على اتخاذ القرار، وأن يمتلك معها نفوذًا استثنائيًا في تشكيل المعنى الذي سيُفهم القرار من خلاله.
قد يعيننا استحضار فرعون، بوصفه نموذجًا قرآنيًا للطغيان وادعاء العلو، على إدراك المفارقة التي نحن بصددها. ففرعون الذي بلغ به الشعور بالسلطة أن يقول: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ» لم يكن يمتلك، مهما بلغت قوته في زمانه، شيئًا يقارب القدرة التدميرية التي أصبحت متاحة لرئيس الولايات المتحدة في العصر النووي. فلقد كان طغيانه محكومًا بحدود عالمه التاريخي والجغرافي، وبما تتيحه له أدوات القوة في عصره. أما الرئيس الأمريكي المعاصر، فإنه يقف على رأس منظومة عسكرية تمتلك أسلحة تستطيع إحداث دمار يتجاوز حدود الدول والقارات، بل قد تهدد آثار استخدامها الواسع مستقبل الحضارة الإنسانية.
غير أن هذه المقارنة لا تعني أن الرئيس الأمريكي فرعون بالضرورة، ولا أن امتلاك القوة يجعله طاغية، وإنما تعني شيئًا أكثر إثارة للقلق مفاده أن القدرات التي كان الطغاة القدماء يعجزون حتى عن تخيلها أصبحت متاحة لإنسان معاصر لا تختلف طبيعته البشرية الأساسية عن طبيعتهم. فالإنسان لم يتخلص، بمجرد تقدمه العلمي والتكنولوجي، من قابليته للغرور، أو الوهم، أو العدوان، أو تضخيم الذات، أو اختراع المبررات التي تجعله يرى أفعاله في صورة مغايرة لحقيقتها.
وإذا كنا نستعين بمفهوم «فائض العدوان» لتفسير بعض تجليات السلوك البشري التي تتجاوز مقتضيات البقاء والدفاع عن النفس، فإن اجتماع هذا الفائض، بوصفه فرضية تفسيرية، مع فائض التمثّل يتيح لنا تصورًا بالغ الدلالة لما قد يحدث حين تقترن الرغبة في إخضاع الآخرين بالقدرة على إضفاء المشروعية الأخلاقية على إخضاعهم. وهنا لا يعود الخطر مقتصرًا على امتلاك أدوات القوة، وإنما يمتد إلى امتلاك القدرة النفسية على استخدامها من دون أن يشعر صاحبها بأنه يتخلى عن صورته الأخلاقية لنفسه.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن فرعون القديم كان يحتاج إلى إعلان علوه على الآخرين، أما صاحب القوة المعاصر فقد لا يحتاج إلى إعلان شيء من ذلك؛ إذ قد يكفيه أن يعتقد أنه يؤدي واجبه، ويحمي أمته، وينقذ العالم!
كثيرًا ما يُقال إن التاريخ سيحكم على الرؤساء والقادة، وإن ما يفلت من المحاسبة في الحاضر لن يفلت من محكمة الأجيال القادمة. ولكن ماذا تعني هذه المحكمة بالنسبة إلى إنسان يتخذ اليوم قرارًا لا يمكن التراجع عن نتائجه غدًا؟ فمحكمة التاريخ ليست مؤسسة قضائية تملك سلطة المنع أو الإيقاف أو العقاب. إنها استعارة لما ستنتهي إليه أحكام المؤرخين والأجيال اللاحقة، وهي أحكام قد تختلف وتتغير تبعًا للمعارف والقيم والسياقات التي تصدر عنها. وليس ثمة ما يضمن أن يكون الخوف من حكم التاريخ أقوى من إغراء السلطة في لحظة اتخاذ القرار. بل إن فائض التمثّل يستطيع أن يقدم لصاحب السلطة مخرجًا آخر يجعله يتوهم أن التاريخ سينصفه، وأن الأجيال القادمة ستدرك حكمته، وأن ما يبدو اليوم قاسيًا أو غير أخلاقي سيُفهم غدًا بوصفه ضرورة تاريخية.
وهكذا قد تتحول محكمة التاريخ، من رادع مفترض، إلى وعد متخيل بالبراءة المستقبلية! وما أكثر ما يستطيع الإنسان أن يجد في المستقبل المجهول من مبررات لما يريد فعله في الحاضر! ولكن التاريخ، مهما أنصف أو أدان، لن يستطيع إعادة الحياة إلى ضحايا قرار كان بالإمكان تجنبه!
هنا نصل الى السؤال الأكثر قيمة معرفي في هذه المقاربة. هل الرئاسة الأمريكية هي التي تخلق لدى شاغلها هذا الشعور الاستثنائي بالقوة، أم أنها لا تفعل سوى الكشف عن إمكانات نفسية وإدراكية كانت كامنة فيه أصلًا؟ لعل الإجابة الأقرب إلى فهم الطبيعة البشرية هي أن الأمر لا يخضع لهذه الثنائية البسيطة. فالسلطة لا تخلق الإنسان من عدم، لكنها تستطيع أن تغير البيئة التي تتجلى فيها نزعاته، وأن تزيل بعض العوائق التي كانت تحول دون تحول رغباته إلى أفعال، وهي، في الوقت نفسه، قد تعيد تشكيل إدراكه لذاته من خلال التجربة المتكررة لنجاح إرادته في تغيير الواقع.
فالإنسان الذي اعتاد أن يواجه الرفض والاعتراض والمساءلة، ثم يجد نفسه محاطًا بمن ينفذون أوامره، ويبحثون عن المسوغات لقراراته، ويؤكدون له أهمية رؤيته الاستثنائية، قد يبدأ تدريجيًا في التعامل مع أحكامه الخاصة بوصفها أكثر صوابًا مما كانت تبدو له من قبل! ومع ذلك، فليس هذا التحول حتميًا. إذ يمكن للسلطة نفسها أن تدفع إنسانًا آخر إلى مزيد من التواضع والحذر، حين يدرك ضخامة النتائج المترتبة على قراراته.
ومن هنا فإن الرئاسة الأمريكية ليست قدرًا نفسيًا واحدًا يفرض على كل من يتولاها المصير نفسه، وإنما هي سياق استثنائي يختبر قدرة الإنسان على الاحتفاظ بالمسافة الضرورية بين ما يستطيع فعله وما يحق له فعله! وهذا التمييز ذو قيمة معرفية بالغة؛ لأنه يمنعنا من تحويل مقاربتنا إلى إدانة مسبقة لكل رئيس أمريكي، ويجعلها بدلًا من ذلك محاولة لفهم أحد أخطر الامتحانات التي يمكن أن يتعرض لها الضمير الإنساني.
لعلنا اعتدنا أن نقيس عظمة المؤسسات السياسية بما تتيحه لشاغلي مناصبها من صلاحيات، وبما تملكه من قدرة على إنفاذ القرارات وتحقيق الأهداف. غير أن المقاربة الوجودية للرئاسة الأمريكية تدعونا إلى اعتماد مقياس آخر: مقدار ما تستطيع المؤسسة أن تفعله لحماية الإنسان الذي يتولى قيادتها من أوهام قوته الخاصة. فليست المشكلة دائمًا في الرئيس الذي يعرف أنه يتجاوز حدود الأخلاق، وإنما قد تكون في الرئيس الذي لم يعد قادرًا على التمييز بين إرادته الشخصية والضرورة التاريخية، أو بين مصلحة دولته ومصلحة الإنسانية، أو بين ما يراه صوابًا وما هو صواب فعلًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحاجة إلى المؤسسات الرقابية، وإلى استقلالية المشورة، وإلى النقد العلني، وإلى التواضع المعرفي، حاجة تتجاوز التنظيم الدستوري إلى حماية العقل البشري من بعض أخطر قابلياته للانحراف.
ولعل التطورات القانونية المعاصرة المتعلقة بالحصانة الرئاسية تضيف إلى هذا النقاش بعدًا آخر، حين تضعنا أمام السؤال عن الحدود التي ينبغي أن تفصل بين حماية استقلال القرار الرئاسي وبين ضمان خضوع صاحبه للمساءلة.
ولكن مهما بلغت دقة الضوابط القانونية، فإنها لا تستطيع وحدها أن تضمن سلامة العقل المدبر الذي يتخذ القرار. فالعقل المدبر لا يصبح أكثر رشدًا لمجرد أن صاحبه أصبح أكثر قوة، ولا يصبح الإنسان أكثر أخلاقية لمجرد أنه أصبح أكثر قدرة على التأثير في مصائر الآخرين.
وهنا نعود إلى المفارقة التي انطلقنا منها. إن الرئيس الأمريكي، مهما بلغت القوة التي أصبحت تحت تصرفه، لا يزال إنسانًا.
إنسانًا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من محدودية معرفية، وهشاشة نفسية، وقابلية للخطأ، واستعداد لإعادة تمثّل الواقع على نحو ينسجم مع رغباته ومصالحه. وقد يكون أخطر ما يواجهه هذا الإنسان ألا يدرك هذه الحقيقة، أو أن يبدأ في الاعتقاد بأن المنصب الذي يشغله قد حرره من القيود التي تحكم الطبيعة البشرية! فليس أخطر ما في الرئاسة الأمريكية أنها تمنح إنسانًا قوة لم يكن يحلم بها فراعنة التاريخ، وإنما أن هذه القوة تُمنح لإنسان لم يتخلص من شيء جوهري مما جعل أولئك الفراعنة طغاة مفسدين في الأرض!
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل من يدخل المكتب البيضاوي رئيساً للولايات المتحدة هو ليس: إلى أي مدى أستطيع أن أغيّر العالم؟ بل: إلى أي مدى أستطيع أن أمنع القوة التي أصبحت أمتلكها من أن تغيّر إدراكي لنفسي، وللآخرين، وللحدود التي لا ينبغي لي تجاوزها؟ فقد يكون أعظم انتصار يحققه رئيس أمريكي، في نهاية المطاف، هو ليس أن ينتصر على أعداء بلاده، وإنما أن ينجح في ألا يتحول امتلاكه للقوة الرئاسية المطلقة إلى مبرر يعفيه، في وعيه الخاص، من مساءلة نفسه. ذلك أن الإنسان حين يصبح قادرًا على فعل كل ما يريد، تكون حاجته إلى أن يعرف لماذا لا ينبغي له أن يفعل بعض ما يستطيع فعله، هي أعظم من أي وقت مضى.

اترك تعليقًا