
ثمة أوهام رافقت العقل البشري منذ أن شرع الإنسان يتساءل عن نفسه وعن العالم الذي وجد نفسه فيه. ولعل واحدًا من أكثرها رسوخًا واستعصاءً على المراجعة ذلك الوهم الذي جعل الإنسان يعتقد أن المعرفة البشرية، على ما تتضمنه من تنوع هائل في موضوعاتها، وتباين بالغ في مناهجها، وتعقيد يكاد لا ينتهي في أسئلتها، ليست في حقيقتها سوى بناء مغلق متعدد الأبواب، وأن ما ينقص الإنسان لكي يلج إلى حجراته جميعًا ليس إلا العثور على المفتاح المناسب! فما إن يعثر الإنسان على ذلك المفتاح المزعوم حتى تنفتح أمامه الأبواب المغلقة، وتتدفق عليه المعارف، وتتكشف له الأسرار، ويغدو بمقدوره أن يجيب عن الأسئلة التي شغلت أسلافه، وعن تلك التي تشغله اليوم، بل وحتى عن الأسئلة التي لم تخطر بعد على بال أحد من أبناء جنسه!
ولعل التعبير الفرنسي passe-partout، الذي يشير إلى المفتاح القادر على فتح أقفال متعددة، يقدم لنا استعارة بالغة الدلالة لهذا الوهم المعرفي الذي لم يكف الإنسان عن مطاردته عبر تاريخه الطويل.
فالإنسان، فيما يبدو، لم يكن يبحث عن المعرفة فحسب، وإنما كان يبحث، في الوقت ذاته، عن وسيلة تعفيه من مشقة البحث المتجدد عنها! ولم يكن يطمح إلى فهم الظواهر واحدة بعد أخرى بقدر ما كان يتطلع إلى العثور على ذلك المبدأ الكلي الذي يكفل له فهمها جميعًا، من دون أن يضطر في كل مرة إلى إعادة النظر في أدواته ومناهجه وافتراضاته!
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة؛ إذ إن العقل الذي أتاح للإنسان أن يكتشف ما اكتشفه من قوانين الطبيعة، وأن يطور ما طوره من أدوات المعرفة، هو نفسه العقل الذي لا يزال يستدرجه إلى الاعتقاد بأن تعدد الظواهر لا بد أن يخفي وراءه وحدة تفسيرية مطلقة، وأن اختلاف الأسئلة لا ينبغي أن يحول دون وجود إجابة تأسيسية واحدة تتفرع عنها الإجابات جميعها!
وليس عسيرًا علينا أن نتبين تجليات هذا الميل في تاريخ الفكر البشري. فمنذ المحاولات الفلسفية الأولى للبحث عن أصل الأشياء، حين سعى بعض فلاسفة اليونان إلى رد تعدد الموجودات إلى عنصر أول أو مبدأ تأسيسي واحد، مرورًا بالمشروعات الفلسفية الكبرى التي حاولت إقامة أنساق عقلية شاملة، ووصولًا إلى النظريات العلمية التي تطمح إلى توحيد القوى الأساسية للطبيعة، ظل حلم الوحدة المعرفية حاضرًا بأشكال مختلفة. غير أن علينا هنا أن نميز بين أمرين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: البحث المشروع عن وحدة كامنة وراء ظواهر تبدو متباينة، والاعتقاد بأن هذه الوحدة، متى اكتُشفت، ستغدو صالحة لتفسير كل ظاهرة والإجابة عن كل سؤال! فليس ثمة ما يعيب العقل العلمي حين يبحث عن قانون يوحد ظواهر متعددة؛ بل إن بعض أعظم إنجازاته قد تحقق بفضل هذا المسعى. ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول نجاح منهج في تفسير طائفة بعينها من الظواهر إلى مبرر للاعتقاد بأنه قادر على تفسير الوجود كله!
فنجاح الفيزياء في تفسير حركة الأجرام السماوية لا يعني أنها تمتلك، بالضرورة، الأدوات الكافية لتفسير نشوء المعتقدات الدينية. ونجاح البيولوجيا التطورية في تفسير جوانب من نشوء الأنواع وتكيفها لا يجعلها، وحدها، قادرة على حسم كل سؤال يتعلق بالأخلاق والجمال والمعنى. كما أن قدرة علم النفس على تفسير بعض دوافع السلوك البشري لا تخوله أن يحل محل التاريخ أو علم الاجتماع أو الفلسفة حين نريد فهم ظاهرة إنسانية تتداخل في نشوئها عوامل لا تُختزل في الحياة النفسية للفرد.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الإنسان لا يكاد يحقق نجاحًا معرفيًا كبيرًا في مجال بعينه حتى يستدرجه ذلك النجاح إلى المبالغة في تقدير القدرة التفسيرية للمنهج الذي أفضى إليه!
فإذا نجح في تفسير ظاهرة بالاستناد إلى قوانين المادة، راح يتطلع إلى تفسير الوعي والأخلاق والثقافة بالقوانين ذاتها. وإذا وجد في الصراع الاقتصادي أداة نافعة لفهم بعض التحولات التاريخية، مال إلى الاعتقاد بأن التاريخ كله ليس إلا تجليًا لهذا الصراع! وإذا اكتشف أثر الدوافع النفسية الخفية في السلوك، أغرته الفكرة بأن يجعل منها مفتاحًا لفهم كل ما يصدر عن الإنسان، حتى في أكثر نشاطاته العقلية تجريدًا!
وهكذا تتحول الأداة المعرفية، التي كان يفترض أن تكون وسيلة محددة الصلاحية، إلى ما يشبه العقيدة التفسيرية الشاملة!
وما كان ينبغي أن يكون مفتاحًا لباب بعينه يغدو، في تصور صاحبه، مفتاحًا لكل الأبواب! والأغرب من ذلك أن هذه النزعة لا تقتصر على العلماء والفلاسفة، وإنما نجدها حاضرة كذلك في المقاربات التدينية والأيديولوجية، بل وفي الحياة اليومية للإنسان العادي. فكم من إنسان يعتقد أنه ما إن اهتدى إلى فكرة بعينها، أو تبنى اعتقادًا مخصوصًا، أو اقتنع بنظرية معينة، حتى أصبح يمتلك المرجع الذي ينبغي أن تُعرض عليه سائر الأفكار والنظريات والتصورات، فما وافقه كان صحيحًا، وما خالفه كان موضع شبهة أو بطلان! وكم من مقاربة تدينية تتحول، لدى بعض أصحابها، من إطار للإيمان وفهم الوجود إلى منظومة يُراد لها أن تقدم الإجابة التفصيلية عن كل سؤال علمي أو تاريخي أو اجتماعي، حتى في المجالات التي تستدعي بطبيعتها البحث التجريبي والاستقصاء المستقل!
وليس الأمر مختلفًا كثيرًا حين يتعلق بالفلسفات والأيديولوجيات التي تنتهي إلى الاعتقاد بأنها اكتشفت القانون الحاكم للتاريخ، أو المحرك الخفي للمجتمعات، أو المبدأ الذي يفسر السلوك الإنساني في جميع تجلياته. فما إن يقع العقل في أسر هذا الاعتقاد حتى يكف، تدريجيًا، عن التعامل مع النظرية بوصفها فرضية تفسيرية ينبغي اختبار حدود صلاحيتها، ويبدأ بالتعامل مع الواقع نفسه بوصفه مادة ينبغي تطويعها لكي تتوافق مع النظرية!
وهنا تنقلب العلاقة بين المعرفة وموضوعها. فبدلًا من أن تكون النظرية أداة لفهم الواقع، يغدو الواقع مطالبًا بأن يقدم الشواهد التي تؤكد صحة النظرية! وبدلًا من أن تستدعي الظاهرة الجديدة مراجعة ما نعتقد أننا نعرفه، يجري إخضاعها لتأويل يكفل إبقاء البناء المعرفي القائم بمنأى عن المراجعة!
ولعلنا هنا نقترب من أحد أهم الأسباب النفسية والمعرفية التي تجعل الإنسان شديد التعلق بفكرة المفتاح الواحد. فالإنسان لا يستريح كثيرًا إلى عالَم مفتوح على احتمالات تفسيرية متعددة، ولا يطمئن إلى معرفة تظل قابلة للمراجعة والتصحيح، ولا يجد دائمًا في الاعتراف بحدود ما يعرفه ما يشبع حاجته إلى اليقين. فالإنسان يريد أن يعرف، ولكنه يريد كذلك أن ينتهي من عبء السؤال! ويريد أن يفهم، ولكنه يتطلع أيضًا إلى بلوغ ذلك الموضع الذي لا يعود فيه مضطرًا إلى الاعتراف بأن فهمه لا يزال ناقصًا!
ومن هنا فإن البحث عن المفتاح الواحد لا يعبر بالضرورة عن طموح معرفي خالص؛ فقد ينطوي كذلك على رغبة نفسية عميقة في التخلص من القلق الذي يولده تعدد التفسيرات، ومن المشقة التي يفرضها استمرار البحث، ومن التواضع الذي يقتضيه الاعتراف بأن العالم أعقد من أن تستوعبه نظرية واحدة.
ولعل ما يزيد هذه النزعة رسوخًا ما يتمتع به العقل البشري من قدرة على التمثل؛ فهو لا يكتفي بتلقي العالم كما يظهر له، وإنما يعيد بناءه في صور ذهنية، وينسج بين ظواهره علاقات قد تكون موجودة فعلًا، وقد تكون من صنع خياله التفسيري. وحين تتعاظم هذه القدرة التمثلية، قد يجد الإنسان نفسه أمام بناء معرفي بالغ الاتساق في داخله، فيتوهم أن اتساقه المنطقي هو دليل كافٍ على مطابقته للواقع!
ولكن ما أكثر الأبنية الفكرية التي بدت لأصحابها محكمة البناء، متماسكة الأجزاء، قادرة على الإجابة عن كل اعتراض، ثم تبين لاحقًا أن المشكلة لم تكن في ضعف اتساقها الداخلي، وإنما في الافتراضات التي تأسست عليها، وفي ما استبعدته من الواقع لكي تحافظ على ذلك الاتساق!
فليس كل تفسير شامل تفسيرًا صحيحًا، وليس كل بناء فكري قادر على استيعاب الظواهر بوسعه أن يفهمها. وقد تكون قدرة النظرية على تفسير كل شيء، مهما اختلف وتناقض، سببًا يدعونا إلى الارتياب فيها، لا إلى التسليم بصحتها؛ ذلك أن النظرية التي لا تسمح لنا بتصور واقعة يمكن أن تكشف خطأها قد لا تكون قد بلغت الكمال المعرفي، وإنما تكون قد حصنت نفسها ضد الاختبار!
غير أن الاعتراف باستحالة العثور على مفتاح واحد لكل أبواب المعرفة لا ينبغي أن يستدرجنا إلى الوهم المقابل، أي الاعتقاد بأن مجالات المعرفة جزر منعزلة، وأنه ليس ثمة ما يجمع بينها، أو أن كل ظاهرة تستدعي بالضرورة منهجًا لا صلة له بغيره! فالمعارف الإنسانية تتداخل، والمناهج تتكامل، والاكتشافات التي تتحقق في مجال قد تفتح آفاقًا غير متوقعة في مجال آخر. بل إن تاريخ العلم نفسه يقدم لنا شواهد كثيرة على أن أعظم التحولات المعرفية حدث بعضها حين أمكن الربط بين ظواهر كانت تبدو متباعدة. ولكن التكامل شيء، والاختزال شيء آخر. والوحدة المنهجية الممكنة شيء، والهيمنة التفسيرية المطلقة شيء آخر. فقد نحتاج إلى الفيزياء والكيمياء لفهم بعض العمليات التي تجري في الدماغ، وإلى البيولوجيا لفهم تاريخه التطوري، وإلى علم النفس لفهم وظائفه الإدراكية، وإلى الفلسفة لمناقشة ما يثيره الوعي من أسئلة مفهومية. وليس في اجتماع هذه المقاربات ما يلزمنا بالاعتقاد بأن إحداها تستطيع الاستغناء عن الأخريات، أو أنها تملك وحدها الإجابة النهائية!
وحتى لو تمكنت الفيزياء يومًا من الوصول إلى نظرية موحدة تصف القوى الأساسية للطبيعة، فلن يترتب على ذلك تلقائيًا أنها قد أجابت عن كل سؤال يمكن للإنسان أن يطرحه بشأن التاريخ أو الأخلاق أو المعنى أو الخبرة الذاتية. فليس كل سؤال سؤالًا فيزيائيًا، وليس كل اختلاف بين الأسئلة مجرد اختلاف في درجة التعقيد.
ولعل هذه الحقيقة البسيطة هي ما ينبغي للعقل البشري أن يستوعبه قبل أن يواصل مطاردته للمفتاح المعرفي المزعوم. فالعالم ليس بناءً شُيد لكي يتوافق مع تصنيفاتنا المعرفية، ولا الطبيعة ملزمة بأن تنتظم ظواهرها وفق ما يرضي ميلنا إلى البساطة والاختزال، ولا التاريخ البشري مطالب بأن يكشف لنا عن قانون واحد يفسر جميع منعطفاته. فنحن من يبتكر المناهج، ونصوغ المفاهيم، ونضع النظريات، ونحدد المجالات التي تصلح هذه الأدوات لفهمها. ولذلك فإن نجاح أداة معرفية في مجال معين لا ينبغي أن يحملنا على الاعتقاد بأن الواقع كله قد أصبح قابلًا لأن يُقرأ من خلالها!
وربما كان الأجدر بنا أن نعيد النظر في الصورة التي نتمثل بها المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست بالضرورة قصرًا مغلقًا نبحث عن مفتاحه الرئيسي، وإنما هي نشاط إنساني متجدد، تتغير أسئلته بتغير ما نكتشفه، وتتطور أدواته كلما تكشفت حدود الأدوات السابقة، وتتسع آفاقه أحيانًا على نحو يجعل ما حسبناه يومًا إجابة نهائية مجرد بداية لسلسلة جديدة من الأسئلة.
والمفارقة هنا أن تقدم المعرفة لا يؤدي دائمًا إلى تقليص مساحة المجهول؛ فقد يكشف لنا، في كثير من الأحيان، عن مجاهيل لم نكن نعلم حتى بوجودها! فكل باب ننجح في فتحه قد يفضي بنا إلى أبواب أخرى، وكل سؤال نجيب عنه قد يكشف عن أسئلة جديدة، وكل نظرية نعتقد أنها بلغت من الشمول مبلغًا عظيمًا قد يتبين لنا، مع اتساع معرفتنا، أنها لا تصف إلا جانبًا من واقع أشد تعقيدًا مما تصورناه.
وهنا لا يعود تعدد المفاتيح علامة على قصور المعرفة، وإنما يصبح تعبيرًا عن طبيعة النشاط المعرفي نفسه. فقد يكون مفتاح فهم ظاهرة في منهج تجريبي، ومفتاح فهم أخرى في تحليل تاريخي، وثالثة في استدلال رياضي، ورابعة في مقاربة فلسفية، وقد تستدعي الظاهرة الواحدة اجتماع أكثر من مفتاح لكي نقترب من فهمها!
وليس في ذلك ما ينتقص من العقل البشري أو من طموحه إلى المعرفة، بل لعل فيه ما يحرره من واحد من أكثر أوهامه إعاقة لتقدمه، وهو وهم أن بلوغ المعرفة يقتضي العثور على إجابة واحدة نهائية، بدلًا من امتلاك القدرة الدائمة على طرح أسئلة أفضل، واختيار أدوات أنسب، ومراجعة ما حسبناه حقائق لا تقبل المراجعة!
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه لم يعد: أين نجد ذلك المفتاح الذي يفتح لنا كل أبواب المعرفة البشرية؟ وإنما: لماذا لا نزال نعتقد أن أبواب المعرفة جميعها ينبغي أن تُفتح بمفتاح واحد؟!
ولعل العقل البشري لن يبلغ طورًا أكثر نضجًا في علاقته بالمعرفة إلا حين يدرك أن عظمة العقل لا تكمن في امتلاكه تفسيرًا لكل شيء، وإنما في قدرته على التمييز بين ما يستطيع تفسيره وما لا يزال عاجزًا عن تفسيره، وبين ما يعرفه حقًا وما يتوهم أنه يعرفه.
فليس ثمة ما يضمن لنا أن للمعرفة البشرية مفتاحًا واحدًا يفتح أبوابها جميعًا، ولكن ثمة ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن إصرارنا على البحث عن ذلك المفتاح قد يجعلنا نغفل عن المفاتيح الكثيرة التي أصبحت بين أيدينا بالفعل!
وربما كانت الخطوة الأهم في مسيرة العقل البشري نحو المعرفة ألا يعثر أخيرًا على مفتاحه الشامل، وإنما أن يتخلى عن وهم حاجته إليه أصلًا.
