
ثمة مفارقة معرفية بالغة الدلالة في تاريخ الإنسان، لعلها من أكثر المفارقات إسهامًا في تفسير ذلك المسار الطويل والمتعرج الذي سلكته المعرفة البشرية منذ أن بدأ الإنسان يتساءل عما يحيط به من ظواهر، وما يعتمل في داخله من أحوال، وما يستعصي عليه فهمه من أسرار العالم الذي وجد نفسه فيه. وتتمثل هذه المفارقة في أن واحدًا من أهم المعاملات التي تكفلت بارتقاء المعرفة البشرية وتطورها لم يكن ذا طبيعة أحادية، وإنما كان، ولا يزال، ذا طبيعة مزدوجة، يتجلى أحد وجهيها في المواظبة على إيراد المزيد من الأسئلة وإيجادها، فيما يتجلى وجهها الآخر في المحاولة الحثيثة للعثور على إجابات لهذه الأسئلة.
غير أن هذين الوجهين، على الرغم من تكاملهما الوظيفي، لا يتحركان بالسرعة ذاتها، ولا ينتجان حصيلة متكافئة. فالعقل البشري يبدو أكثر اقتدارًا على توليد الأسئلة منه على العثور على إجاباتها، حتى ليخيل إلينا أن كل تقدم معرفي يحرزه الإنسان لا يفعل سوى أن يضاعف عدد الأسئلة التي تنتظر الإجابة، بدلًا من أن يقلصها!
ولعل ما يستحق التأمل هنا ليس مجرد هذا التفاوت الكمي بين الأسئلة والإجابات، وإنما ما ينطوي عليه من دلالة إبستمولوجية عميقة، تتعلق بطبيعة المعرفة البشرية نفسها، وبالآلية التي تتطور بمقتضاها، وبحدود ما يستطيع العقل البشري بلوغه من معرفة. فهل نحن إزاء قصور معرفي يحول دون ملاحقة الإجابات للأسئلة؟ أم أننا إزاء واحد من أهم الشروط التي تجعل ارتقاء المعرفة البشرية ممكنًا أصلًا؟
ولكي نستبين طبيعة هذه المفارقة، ينبغي لنا أن نتحرر أولًا من تصور شائع، وإن لم يكن معلنًا على الدوام، مفاده أن المعرفة البشرية تتقدم كلما نجح الإنسان في تقليص المسافة الفاصلة بين ما يطرحه من أسئلة وما يعثر عليه من إجابات. فهذا التصور يفترض ضمنًا أن للأسئلة مخزونًا محدودًا، وأن المهمة المعرفية للعقل البشري تتمثل في استنفاد هذا المخزون، سؤالًا بعد سؤال، حتى يبلغ يومًا تكون فيه الإجابات قد لحقت بالأسئلة جميعها، فلا يبقى منها شيء ينتظر الإجابة!
غير أن تاريخ المعرفة البشرية لا يقدم لنا ما يسوغ الاطمئنان إلى مثل هذا التصور. بل لعل ما يقدمه يدفعنا إلى استنتاج يكاد يكون نقيضه تمامًا!
فلقد كان الإنسان، حين أخذ يتساءل عن طبيعة المادة التي يتكون منها العالم، بعيدًا كل البعد عن تصور ذلك الفيض الهائل من الأسئلة الذي ستفضي إليه محاولاته للإجابة عن سؤاله الأول. وحين انتهى به الأمر إلى تصور الذرة بوصفها وحدة أساسية في بنية المادة، لم يكن ذلك خاتمة لمسار التساؤل، وإنما كان بداية لمسار آخر، أفضى إلى اكتشاف مكونات الذرة، ثم إلى التساؤل عن طبيعة هذه المكونات، والقوى التي تحكم تفاعلاتها، والبنى الأعمق التي يمكن أن تكشف عنها.
وهكذا لم تكن الإجابة عن سؤال المادة إغلاقًا لباب معرفي، وإنما كانت فتحًا لأبواب أخرى، لم يكن وجودها متصورًا قبل العثور على تلك الإجابة.
والأمر ذاته يمكن أن نلحظه في تاريخ المعرفة المتعلقة بالحياة. فما إن أخذ الإنسان يقترب من فهم بعض الآليات التي تقوم عليها الظواهر الحية، حتى وجد نفسه أمام أسئلة جديدة تتعلق بالوراثة، والتطور، والتنظيم الخلوي، ونشوء الوعي، والعلاقة بين البنية الفيزيائية للكائن الحي وما يظهر فيه من وظائف وخصائص لا يمكن فهمها بمجرد الاكتفاء بوصف مكوناته. وليس في هذا ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الإجابات التي جرى التوصل إليها كانت ناقصة بالضرورة أو خاطئة، وإنما فيه ما يعيننا على إدراك أن الإجابة المعرفية لا تقتصر وظيفتها على إشباع السؤال الذي استدعاها، بل قد تتمثل إحدى أهم وظائفها في تمكين العقل من طرح أسئلة لم يكن بوسعه طرحها من قبل.
وهنا تتجلى الطبيعة المزدوجة لمعامل ارتقاء المعرفة البشرية في أوضح صورها. فالسؤال يستدعي الإجابة، والإجابة تستدعي أسئلة أخرى، ولكن العلاقة بينهما ليست علاقة تبادل متكافئ، بحيث يقابل كل سؤال جواب واحد، ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد. إنها علاقة توليدية مفتوحة، قد تفضي فيها الإجابة الواحدة إلى نشوء أسئلة عديدة، بعضها متفرع عن السؤال الأصلي، وبعضها الآخر ينتمي إلى مجالات معرفية لم تكن تبدو ذات صلة به أصلًا. وبذلك يغدو ما نسميه تقدمًا معرفيًا عملية ذات نتائج مزدوجة: فهو يزيد ما نعرفه، ولكنه يزيد أيضًا ما ندرك أننا لا نعرفه!
ولعل هذا التمييز بين الجهل وعدم إدراك الجهل من أهم ما ينبغي استحضاره لفهم المفارقة التي نحن بصددها. فالإنسان الذي لا يعرف شيئًا عن ظاهرة معينة قد لا يمتلك حتى القدرة على التساؤل عن كثير من جوانبها. وليس ذلك لأنه يمتلك إجابات ضمنية عنها، وإنما لأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من المعرفة الذي يجعله قادرًا على إدراك وجود تلك الجوانب أصلًا. أما حين تتسع معرفته بالظاهرة، فإن هذا الاتساع نفسه يكشف له عن مزيد من المساحات التي لم تكن مرئية له من قبل. وهكذا فإن المعرفة لا تبدد الجهل فحسب، وإنما تكشف عن وجود جهل لم يكن الإنسان يدرك أنه يجهله!
ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا لا ينبغي أن يُقاس ارتقاء المعرفة البشرية بعدد الإجابات التي راكمتها وحدها، وإنما ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار أيضًا ما أتاحته هذه الإجابات من إمكانات جديدة للتساؤل. فليس بالضرورة أن تكون المنظومة المعرفية الأكثر ارتقاءً هي تلك التي تمتلك أكبر عدد من الإجابات قياسًا إلى أسئلتها، وإنما قد تكون تلك التي استطاعت أن ترتقي بنوعية الأسئلة التي تطرحها، وأن تنتقل من التساؤل عما يظهر لها من الظواهر إلى التساؤل عما يجعل هذه الظواهر ممكنة، وعن الشروط التي تحكم وجودها، وعن حدود الأدوات والمفاهيم التي تستخدمها في دراستها.
ولعل الفرق بين السؤال الذي يطرحه الإنسان عن سبب حدوث ظاهرة طبيعية، والسؤال الذي يطرحه لاحقًا عن طبيعة السببية نفسها، يقدم لنا مثالًا نموذجيًا على هذا الارتقاء. ففي الحالة الأولى ينشغل العقل بالعثور على تفسير لظاهرة بعينها، أما في الثانية فإنه يجعل من الأداة المفهومية التي استخدمها في تفسير الظواهر موضوعًا للتساؤل والمراجعة. وهذه نقلة معرفية لا يمكن تقدير قيمتها الابستمولوجية بمجرد إحصاء ما أضيف إلى رصيد الإجابات البشرية.
غير أن ثمة جانبًا آخر لهذه المفارقة يستحق منا عناية خاصة. فإذا كانت قدرة العقل البشري على إنتاج الأسئلة تتجاوز قدرته على العثور على إجاباتها، فإن هذا التفاوت لا ينبغي أن يدفعنا إلى افتراض أن كل سؤال يطرحه العقل البشري لا بد أن تكون له إجابة يستطيع هذا العقل العثور عليها، أو حتى أن تكون له إجابة بالمعنى الذي يتصوره السائل. ذلك أن القدرة على صياغة السؤال ليست دليلًا على إمكان الإجابة عنه. فقد ينشأ السؤال عن افتراض خاطئ، أو عن تركيب مفهومي ملتبس، أو عن إسقاط تصورات مألوفة على مجال لا تصلح هذه التصورات لتفسيره. وقد يكون السؤال مشروعًا من الناحية المنطقية، ولكن الأدوات المعرفية المتاحة للإنسان لا تسمح بالإجابة عنه. بل قد يكون السؤال من طبيعة تجعل الإجابة عنه متعذرة من حيث المبدأ، ضمن حدود معينة للمعرفة البشرية.
وهنا تبرز وظيفة معرفية أخرى لا تقل قيمة ابستمولوجية عن طرح الأسئلة والبحث عن إجاباتها، تتمثل في إخضاع السؤال نفسه للفحص والنقد، قبل الانصراف إلى البحث عن إجابته. فليس كل سؤال جديرًا بأن يستمر العقل في ملاحقة إجابة له، كما أن عجزنا عن الإجابة عن سؤال ما لا يعني بالضرورة أننا لم نبذل ما يكفي من الجهد المعرفي. فقد تكون المشكلة كامنة في السؤال ذاته، وفي الافتراضات التي جعلت صياغته ممكنة. ولذلك فإن ارتقاء المعرفة البشرية لا يتمثل في زيادة عدد الأسئلة والإجابات وحدها، وإنما يتمثل أيضًا في ارتقاء قدرة العقل على التمييز بين السؤال المنتج معرفيًا والسؤال الذي لا يفعل سوى استنزاف الجهد في ملاحقة إجابة لا تستقيم مع مقدماته. ومع ذلك، فإن هذا كله لا ينفي الحقيقة الأساسية التي تكشف عنها الطبيعة المزدوجة لمعامل الارتقاء المعرفي. فالعقل البشري لا يستطيع أن يتوقف عن التساؤل انتظارًا للعثور على إجابات الأسئلة التي سبق له أن طرحها. كما أنه لا يستطيع أن يجعل من عجزه عن الإجابة عن بعضها مبررًا للامتناع عن طرح المزيد منها. ولو أنه فعل ذلك، لأصاب المعرفة البشرية من الجمود ما يكفي لتعطيل أحد أهم محركات تطورها. بل إن تاريخ المعرفة يوحي بأن بعضًا من أعظم انعطافاتها لم يحدث حين عثر الإنسان على إجابة طال انتظارها، وإنما حين تمكن من طرح سؤال لم يكن مطروحًا من قبل، أو حين اكتشف أن السؤال الذي ظل يبحث عن إجابته لم يكن مصوغًا على النحو الذي ينبغي له أن يكون عليه.
ولعل هذا ما يجعلنا نعيد النظر في ذلك التصور الذي يربط اكتمال المعرفة باكتمال الإجابات. فما الذي يدعونا أصلًا إلى افتراض أن المعرفة البشرية تسير نحو لحظة نهائية يتوقف فيها العقل عن التساؤل، بعدما يكون قد عثر على إجابة عن كل سؤال يمكن أن يخطر له؟ أليس في هذا الافتراض نفسه تجلٍّ آخر من تجليات نزعة العقل البشري إلى تصور نهايات مكتملة للعمليات التي قد لا تكون قابلة للاكتمال أصلًا؟ ثم أليس من المفارقة أن يتخيل الإنسان أن الغاية القصوى من ارتقائه المعرفي تتمثل في بلوغ حالة تنتفي فيها الحاجة إلى ممارسة النشاط الذي جعل هذا الارتقاء ممكنًا، أي التساؤل؟
إننا هنا إزاء مفارقة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا: فلو أن العقل البشري استطاع يومًا أن يعثر على إجابة عن كل سؤال يمكن أن يطرحه، فهل نكون عندئذ أمام ذروة الارتقاء المعرفي، أم أمام نهاية أحد أهم الشروط التي جعلت ذلك الارتقاء ممكنًا؟
ولعل ما يعيننا على مقاربة هذه المسألة هو أن نميز بين المعرفة بوصفها رصيدًا من الإجابات، والمعرفة بوصفها نشاطًا عقليًا مستمرًا في إعادة تشكيل ما نعرفه، وما نجهله، وما نعتقد أننا نعرفه. ففي التصور الأول تبدو الأسئلة عوائق ينبغي التخلص منها بالإجابة عنها، بينما تبدو في التصور الثاني مقومات لا غنى عنها لاستمرار الفعل المعرفي نفسه. وبهذا المعنى لا يكون السؤال مجرد تعبير عن نقص في المعرفة، وإنما يغدو أيضًا تعبيرًا عن قدرتها على تجاوز حدودها القائمة.
وليس ثمة ما يوجب علينا أن نعد عدم التكافؤ بين تدفق الأسئلة وتراكم الإجابات عيبًا في المنظومة المعرفية البشرية. فقد يكون هذا الاختلال الظاهري هو ما يمنع المعرفة من الانغلاق على نفسها، وما يحول دون تحول الإجابات التي توصل إليها الإنسان إلى يقينيات نهائية تستعصي على المراجعة. ومع ذلك، ينبغي لنا ألا نحول هذا التصور إلى قانون كمي صارم، نزعم بمقتضاه أن عدد الأسئلة يتزايد بالضرورة، وفي كل مجال وزمان، بمعدل يفوق عدد الإجابات. فليست لدينا قاعدة عامة تتيح إثبات ذلك، فضلًا عن أن السؤال والإجابة ليسا وحدتين معرفيتين متجانستين يمكن إحصاؤهما ومقارنتهما على نحو بسيط. فما يهمنا هنا ليس إثبات تفوق عددي مطلق للأسئلة، وإنما إدراك اللاتماثل الوظيفي بين القدرة على التساؤل والقدرة على الإجابة، وما يترتب على هذا اللاتماثل من نتائج تتعلق بطبيعة ارتقاء المعرفة البشرية. فالسؤال يستطيع أن يفتح أفقًا معرفيًا جديدًا، أما الإجابة فتحتاج إلى ما يسوغها من ملاحظة أو برهان أو اختبار أو اتساق مفهومي. وقد يكفي أن يدرك العقل إمكان وجود ظاهرة أو علاقة مجهولة حتى يطرح بشأنها أسئلة عديدة، بينما قد يستغرق التحقق من إجابة واحدة عنها عقودًا، بل قرونًا! ومن هنا فإن التفاوت بينهما ليس تفاوتًا في العدد فحسب، وإنما هو تفاوت في الشروط التي تحكم إنتاج كل منهما.
ولعلنا نستطيع، في ضوء ما تقدم، أن ننتهي إلى تصور مغاير لما اعتدنا عليه بشأن الغاية من المعرفة البشرية. فليست هذه الغاية بالضرورة أن نصل إلى يوم لا تعود فيه لدينا أسئلة تنتظر الإجابة، وإنما أن نرتقي باستمرار في قدرتنا على طرح الأسئلة الأجدر بأن تُطرح، وعلى ابتكار الوسائل الأقدر على الإجابة عنها، وعلى مراجعة الإجابات التي حسبنا يومًا أنها نهائية. وعندئذ لن يكون ما تبقى من أسئلة بلا إجابات دليلًا حاسمًا على إخفاق المعرفة البشرية، مثلما لن يكون ما تراكم لدينا من إجابات دليلًا كافيًا على اكتمالها. فالإنسان لا يرتقي معرفيًا لأنه يجيب عن أسئلته فحسب، وإنما لأنه يكتسب، بفضل بعض تلك الإجابات، القدرة على طرح أسئلة لم يكن يستطيع حتى تخيلها من قبل.
ولعل المفارقة الأعمق في هذا كله أن الإنسان كلما تقدم في معرفة العالم، ازداد إدراكًا لاتساع ما لا يعرفه عنه بعد؛ حتى ليبدو أن واحدة من أعظم ثمار المعرفة هي ليست أن تجعلنا نعرف المزيد فحسب، وإنما أن تجعلنا أكثر وعيًا بضخامة ما لا نعرف!
وهكذا فإن ارتقاء المعرفة البشرية لا يبدو مسيرة تتناقص خلالها الأسئلة حتى تنعدم، وإنما مسيرة يتجدد فيها السؤال كلما تقدمت الإجابة. فليست عظمة العقل البشري في أن يكون قادرًا على الإجابة عن كل ما يتساءل عنه، وإنما في ألا يجعل من عجزه عن الإجابة نهايةً لقدرته على التساؤل!
