
ثمة مفارقات معرفية في المنظومة المعرفية البشرية تبلغ من عمق تجذرها في طرائق تفكيرنا حدًّا يجعلنا لا نكاد ننتبه إليها، حتى حين تكون حاضرة في أبسط أحكامنا وأكثرها تداولًا. ولعل واحدة من أكثر هذه المفارقات إثارة للتأمل تلك المتعلقة بهوية الإنسان، وبما يفعله العقل البشري حين يتعامل مع هذه الهوية بوصفها كيانًا ثابتًا، يحتفظ بماهيته ومقوماته الجوهرية على امتداد الزمن، مهما طرأ على صاحبه من تحولات نفسية ووجدانية ومعرفية، ومهما تعرض له من تبدلات جسدية وعصبية قد لا تُبقي من الإنسان الذي كانه يومًا إلا اسمه وتاريخه وبعض ملامحه!
ولكي نستبين ما تنطوي عليه هذه المفارقة من دلالات إبستمولوجية عميقة، فلنستحضر مثالًا نموذجيًا من التاريخ الأدبي الحديث، يتعلق بواحد من أشهر أدباء القرن العشرين: أرنست هيمنغواي. فحين نقرأ في سيرته أنه أقدم على الانتحار في الثاني من يوليو/تموز عام 1961، وهو في الحادية والستين من عمره، فإننا نتلقى هذه المعلومة بوصفها واقعة تاريخية واضحة لا تستدعي منا شيئًا من التوقف أو المراجعة. فلقد انتحر أرنست هيمنغواي، وانتهى الأمر!
ولكن، هل كان الذي انتحر هو أرنست هيمنغواي حقًا؟ وهل كان الإنسان الذي أقدم على إنهاء حياته في ذلك اليوم هو ذاته الذي عرفناه في شبابه، والذي جاب ميادين الحروب، وخاض المغامرات، وكتب رواياته الشهيرة، وأصبح واحدًا من أبرز رموز الأدب العالمي؟ أم أن الذي أقدم على ذلك الفعل كان إنسانًا آخر، ليس بمعنى أنه شخص مغاير له في هويته القانونية أو البيولوجية، وإنما بمعنى أنه كان ما آلت إليه ذاتٌ إنسانية تعرضت من التحولات والتداعيات والانهيارات لما يجعل افتراض تطابقها النفسي والوجودي مع ذاتها السابقة افتراضًا يحتاج إلى برهان، وليس حقيقةً يجوز التسليم بها ابتداءً؟
ولعل السؤال الأكثر إثارة هنا هو: ماذا لو أننا استطعنا أن نعود بالزمن إلى الوراء، فنسأل هيمنغواي حين كان في الثامنة والعشرين من عمره، أو حين كان في الرابعة والأربعين، وهو في أوج نشاطه الإبداعي وحضوره الأدبي: ما رأيك في الانتحار؟ وهل تتصور أنك قد تقدم عليه يومًا؟ فهل كانت إجابته، أيًّا تكن، لتعيننا على فهم ما حدث له بعد ذلك بعقود؟ وهل كان بوسعنا أن نستدل من مواقفه وتصوراته آنذاك على موقف الإنسان الذي سيحمل اسمه في الحادية والستين من عمره؟
إننا لا نعرف على وجه اليقين ماذا كان سيجيب في هاتين المرحلتين، ولا ينبغي أن ننسب إليه جوابًا لم يقله. ولكن هذا الجهل نفسه يكشف جانبًا من المفارقة؛ ذلك أننا نفترض استمرار الهوية حيث لا نملك بالضرورة ما يثبت استمرار الموقف أو الشعور أو القدرة على الحكم والاختيار بالصورة ذاتها. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة المعرفية التي تستحق منا التأمل.
لقد اعتاد العقل البشري أن يتعامل مع هوية الإنسان كما لو أنها حقيقة ثابتة، لا يطالها التغير إلا في حدود ما لا يمس جوهرها المفترض. فالطفل الذي كانه الإنسان في الخامسة من عمره، والشاب الذي صار إليه في الخامسة والعشرين، والشيخ الذي يغدو عليه في الخامسة والسبعين، جميعهم، في تصورنا المعتاد، إنسان واحد، لا لأننا تحققنا من استمرار منظومته النفسية والمعرفية والوجدانية، وإنما لأننا نملك ما يكفي من القرائن البيولوجية والاجتماعية والقانونية لكي ننسب هذه المراحل جميعًا إلى صاحب اسم واحد. وليس في هذا النمط من تعيين الهوية خطأ بالضرورة، ما دمنا ندرك حدوده الوظيفية. فالهوية القانونية والبيوغرافية تتيح لنا تتبع الإنسان عبر الزمن، وربط أفعاله وتجاربه بتاريخ شخصي متصل. ولكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الاستمرارية الوظيفية إلى افتراض معرفي أوسع، يجعلنا نتصور أن استمرار الاسم يعني استمرار الذات، وأن بقاء الجسد يعني بقاء الإنسان كما عرفناه، وأن الاتصال الزمني بين مراحل حياته يكفي لإثبات اتصال جوهره النفسي والوجداني من دون انقطاع أو تحول جذري.
وهكذا يقع العقل البشري في ما يمكن أن نسميه “وهم الثبات الهوياتي”؛ وهو الوهم الذي يجعلنا نخلط بين استمرار الإنسان بوصفه كيانًا بيولوجيًا وتاريخيًا، واستمرار ما كان عليه من مقومات نفسية ومعرفية ووجدانية. فالإنسان لا يعيش الزمن كما يعيش الحجر وجوده في المكان؛ فهو يتغير بفعل ما يختبره، وما يتعلمه، وما يفقده، وما يصيبه من أمراض، وما يتعرض له من صدمات، وما يطرأ على دماغه وجسمه من تبدلات. وقد يبلغ هذا التغير حدًّا لا يعود معه السؤال عن مقدار ما بقي من ذاته السابقة سؤالًا بلاغيًا، وإنما يصبح سؤالًا معرفيًا يستحق البحث.
ولنعد إلى هيمنغواي. فلقد عرف العالَم هيمنغواي الكاتب والمغامر والمراسل الحربي، الذي استطاع أن يحول تجاربه الإنسانية إلى أعمال أدبية خلدت اسمه. وعرفه كذلك صاحب «العجوز والبحر»، الذي نال جائزة نوبل في الأدب عام 1954. ولكن السنوات الأخيرة من حياته شهدت تدهورًا صحيًا ونفسيًا شديدًا، صاحبته معاناة أثرت في قدراته وحياته اليومية، وأصبحت موضوعًا لدراسات ذات صلة بسيرته الحياتية وطبية لاحقة.
وهنا لا ينبغي أن نقع في تبسيط آخر، فنزعم أن مرضه وحده يفسر انتحاره، أو أن معاناته قد ألغت هويته الإنسانية، أو أن الإنسان الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا يغدو بالضرورة فاقدًا لذاته. فهذه أحكام تتجاوز ما تسمح به معرفتنا، فضلًا عما تنطوي عليه من اختزال لتعقيد الإنسان. لكن ما يمكننا التساؤل بشأنه هو: هل كان هيمنغواي الذي عاش أيامه الأخيرة يمتلك المنظومة ذاتها من التصورات والمشاعر والقدرات التي كان يمتلكها قبل عشرين أو ثلاثين عامًا؟ وهل يجوز لنا أن نستحضر صورته في أوج مجده، ثم نتعامل مع الفعل الأخير في حياته بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن الإنسان الذي تمثله تلك الصورة؟ إن مجرد طرح هذين السؤالين يكشف مقدار ما تختزله العبارة التاريخية المألوفة: “انتحر أرنست هيمنغواي”. فهي عبارة صحيحة من حيث تعيين الشخص الذي أقدم على فعل الانتحار، لكنها لا تخبرنا بما يكفي عن الإنسان الذي كان عليه في اللحظة التي وقعت فيها.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن التاريخ يحتفظ لنا باسم الإنسان الذي مات، بينما قد يعجز عن أن يخبرنا بما بقي فيه، عند موته، من الإنسان الذي عاش!
وليس هيمنغواي إلا مثالًا نموذجيًا لمشكلة تتجاوز سيرته الشخصية إلى عموم التجربة الإنسانية. فكم من إنسان نعرفه في شبابه مؤمنًا بفكرة، ثم نجده في شيخوخته من أشد المعارضين لها؟! وكم من إنسان نعرفه شجاعًا مقدامًا، ثم تغيره تجربة قاسية حتى يغدو شديد الخوف والحذر؟! وكم من إنسان يقضي سنوات طويلة يدافع عن منظومة قيمية، ثم تأتي عليه مرحلة من حياته لا يعود فيها يرى العالم من خلال تلك المنظومة نفسها؟!
ومع ذلك، فإننا لا نتردد في القول إن فلانًا قد غير رأيه، أو إن فلانًا قد تخلى عن مبادئه، أو إن فلانًا قد خان ما كان يؤمن به!
ولكن ماذا لو كان هذا الإنسان لم يغير رأيه فحسب، وإنما تغيرت المنظومة النفسية والمعرفية التي كانت تنتج آراءه أصلًا؟
وماذا لو أن ما نسميه تبدلًا في الموقف ليس إلا مظهرًا من مظاهر تحول أعمق أصاب الكيان الإنساني الذي كان يتخذ ذلك الموقف؟! إن الفرق بين الحالتين بالغ الدلالة، وذلك لأن الأولى تفترض ذاتًا ثابتة تغير ما تفكر فيه، بينما تفتح الثانية احتمال أن الذات نفسها قد تعرضت لتحول جعلها تفكر وتشعر وتستجيب على نحو مغاير! ولا يعني ذلك أن كل تحول في الأفكار ينتج إنسانًا جديدًا، أو أن الهوية تتلاشى مع كل تجربة. وإنما يعني أن استمرار الذات ليس مرادفًا لثبات جميع خصائصها، وأن مقدار التغير الذي يمكن أن تحتمله الهوية من دون أن نفقد حقنا في الحديث عن استمرارها يظل سؤالًا فلسفيًا ومعرفيًا مفتوحًا.
وهنا نصل إلى ما أراه جوهر هذه المفارقة المعرفية. فالعقل البشري يعرف أن الإنسان يتغير. بل إن معرفتنا العلمية الحديثة تؤكد أن الدماغ نفسه ليس بنية جامدة، وأن الخبرات والتعلم والتقدم في العمر والإصابات والأمراض يمكن أن تؤثر في وظائفه وطرائق استجابته. ومع ذلك، فإن العقل الذي يقر بهذه الحقيقة يعود، حين يتعامل مع هوية الإنسان، إلى اعتماد تصور مبسط للاستمرارية، وكأن كل ما يطرأ على الإنسان من تغيرات إنما يحدث لذات ثابتة تحتفظ على الدوام بخصائصها الجوهرية!
وهذه مفارقة لا تتعلق بنقص المعلومات بقدر ما تتعلق بكيفية تنظيم العقل للمعلومات التي يمتلكها. فالعقل يحتاج إلى الهوية الثابتة لكي ينظم العالم، ويعيِّن الأشخاص، ويربط الأحداث بأصحابها، ويقيم علاقات المسؤولية والذاكرة والسيرة والتاريخ. ولكنه، في سبيل تلبية هذه الحاجة المعرفية والوظيفية، قد يضحي بجانب من تعقيد الواقع الذي يحاول فهمه. فهو يستبدل بالإنسان المتغير صورةً ذهنية مستقرة عنه، ثم يتعامل مع هذه الصورة كما لو أنها الإنسان نفسه!
وهنا تتجلى واحدة من أكثر خصائص التمثل البشري إثارة للمفارقة. فالعقل لا يكتفي بتمثل الواقع، وإنما قد ينتهي به الأمر إلى مطالبة الواقع بأن يظل مطابقًا للتمثل الذي سبق أن كوّنه عنه.
ولعل هذا ما يفسر لماذا نستغرب أحيانًا أن يقدم إنسان على فعل يناقض كل ما عرفناه عنه، بدل أن نتساءل عما إذا كان الإنسان الذي عرفناه قد بقي، بالفعل، على ما عرفناه عليه. فنحن نندهش من الفعل لأنه لا ينسجم مع صورة صاحبه في أذهاننا، مع أن ما يستحق التساؤل قد يكون استمرار صلاحية تلك الصورة نفسها.
وللمفارقة وجه آخر لا يقل قيمة ودلالة. فنحن نميل إلى استخدام ماضي الإنسان بوصفه مرجعًا لتفسير حاضره، بل وحتى لتوقع مستقبله. فإذا عرفنا عنه شجاعةً في شبابه، افترضنا أن الشجاعة ستظل صفة ملازمة له. وإذا عرفناه متمسكًا بمبدأ، استغربنا أن نراه يتخلى عنه. وإذا عرفناه محبًا للحياة، وجدنا صعوبة في تصور أن يأتي عليه يوم يفقد فيه قدرته على استشعار قيمتها! ولكن هذا الاستدلال لا يكون صحيحًا إلا بقدر ما تكون الشروط التي أنتجت تلك الصفات والمواقف قد استمرت. فالإنسان الذي كان شجاعًا في الثلاثين من عمره قد لا يمتلك في السبعين القدرة الجسدية أو النفسية ذاتها على مواجهة الأخطار. والإنسان الذي كان متفائلًا في شبابه قد تتغير استجاباته للحياة تحت تأثير معاناة طويلة. والإنسان الذي كان قادرًا على اتخاذ قراراته بوضوح قد تتأثر قدراته تلك بما يصيب وظائفه المعرفية من تراجع.
ومن هنا، فإن الماضي، على ما له من قيمة وجودية، لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة تفسيرية مطلقة على الحاضر. فليس كل ما صح لدينا بشأن الإنسان في مرحلة من حياته يظل صحيحاَ بشأنه في المراحل اللاحقة. وليس من المنهجية المعرفية السليمة أن نستدل من صورة الإنسان في زمن مضى على حقيقة ما أصبح عليه في زمن آخر، من دون أن نتحقق مما جرى بين الزمنين.
ولعلنا نستطيع أن نصوغ ذلك في قاعدة معرفية مفادها: إن وحدة التاريخ الشخصي لا تستلزم وحدة الحالة النفسية والمعرفية عبر ذلك التاريخ. وهذه القاعدة، على بساطتها الظاهرة، تنطوي على نتائج عميقة في ما يتعلق بفهمنا للسلوك البشري، وللكيفية التي نقرأ بها السير الشخصية والتاريخ الإنساني.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أين تكمن هوية الإنسان حقًا؟ أفي جسمه الذي يستمر عبر الزمن، رغم ما يطرأ عليه من تغيرات؟ أم في ذاكرته التي تربط حاضره بماضيه؟ أم في منظومته القيمية والمعرفية؟ أم في ذلك الشعور الداخلي الذي يجعله يقول عن نفسه، مهما تغير: أنا الشخص ذاته؟
لقد شغلت هذه الأسئلة الفلسفية الناس على مر الزمن، ولم تنتهِ إلى جواب واحد متفق عليه. ولكن ما يعنينا هنا ليس الفصل النهائي في مشكلة الهوية الشخصية، وإنما الكشف عن الكيفية التي يتعامل بها العقل البشري معها، وعن ميله إلى تجاوز تعقيدها باعتماد علامة واحدة للاستمرار، ثم تحميلها من الدلالات ما لا تستطيع أن تنهض به! فالاسم ليس الذات، والذاكرة ليست جميع الذات، والجسم، على ضرورته لاستمرار الشخص بوصفه كائنًا حيًا، لا يكفي وحده لوصف جميع تحولاته النفسية والوجودية.
ولذلك، فإن سؤالنا عما إذا كان الذي انتحر هو أرنست هيمنغواي حقًا لا يستهدف نفي هويته التاريخية، وإنما يستهدف مساءلة ما نضفيه على هذه الهوية من ثبات لا نملك ما يبرره دائمًا. فهيمنغواي الذي مات هو، بلا شك، الشخص نفسه الذي ولد عام 1899، وكتب رواياته، ونال جائزة نوبل. ولكن هذه الحقيقة لا تعني أنه ظل الإنسان نفسه من حيث بنيته النفسية، أو منظومته الوجدانية، أو قدراته المعرفية، أو علاقته بذاته والعالم! إنه الشخص نفسه من منظور الاستمرارية التاريخية، ولكنه ليس بالضرورة الذات نفسها من منظور التطابق النفسي والوجودي. وهذا التمييز هو ما يغيب عن كثير من أحكامنا على البشر.
وثمة نتيجة أخرى لهذه المفارقة تستحق التوقف عندها، تتعلق بكيفية إسناد الأفعال إلى أصحابها. فنحن حين نقول إن إنسانًا فعل شيئًا، فإننا نحدد الفاعل من خلال هويته الشخصية. وهذا أمر لا غنى عنه في الحياة الاجتماعية والقانونية والتاريخية. ولكن المشكلة تبدأ حين نفترض أن تعيين الفاعل يكفي لتفسير فعله. فأن نعرف أن هيمنغواي هو الذي أقدم على الانتحار لا يعني أننا عرفنا لماذا أقدم عليه، ولا يعني أننا أدركنا حقيقة حالته النفسية في تلك اللحظة، ولا يخولنا ذلك أن نعيد تفسير حياته كلها على ضوء نهايتها! فكم من قراءة لسيرة إنسان تقع في خطأ تحويل الفعل الأخير إلى مفتاح تفسيري لجميع الأفعال التي سبقته!
وكأن النهاية تكشف، بأثر رجعي، عن حقيقة كانت كامنة في الإنسان منذ البداية، تنتظر اللحظة المناسبة لكي تظهر! ولكن ماذا لو أن النهاية لم تكن تعبيرًا عن حقيقة قديمة ثابتة، وإنما كانت نتيجة تحولات متراكمة لم تكن موجودة أصلًا في مراحل سابقة؟! وماذا لو أن الإنسان الذي انتهى إلى ذلك الفعل لم يكن يحمل في شبابه ما يجعل فعله اللاحق محتومًا؟! إن هذا الاحتمال وحده يكفي لكي يدعونا إلى الحذر من تلك النزعة التي تجعلنا نقرأ الإنسان من نهايته، ثم نعيد ترتيب تاريخه بما يوهمنا أن كل ما جرى له كان يتجه بالضرورة إلى تلك النهاية. فالهوية التاريخية الواحدة لا تجعل الحياة مسارًا ذا نتيجة مقررة سلفًا.
وإذا كانت هذه المفارقة تتجلى بوضوح حين نتأمل الآخرين، فإنها تصبح أكثر إثارة حين نلتفت إلى أنفسنا. فنحن جميعًا نعيش، بدرجات متفاوتة، تحت تأثير تصور مفاده أننا الأشخاص أنفسهم الذين كناهم قبل عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين. ونحن نستحضر ماضينا كما لو أنه ماضٍ لذات لا تزال قائمة على حالها، ونقول: لقد كنت أفكر هكذا، ثم غيرت رأيي؛ وكنت أحب هذا، ثم كرهته؛ وكنت أخشى ذاك، ثم لم أعد أخشاه. ولكن قلما نسأل أنفسنا: هل الذي تغير هو أفكارنا ومشاعرنا وحدها، أم أننا نحن أيضًا قد تغيرنا بالقدر الذي يجعل تلك الأفكار والمشاعر الجديدة تعبيرًا عن ذات لم تعد مطابقة تمامًا لذاتها القديمة؟!
ولعل الإنسان لا يستطيع أن يدرك هذه التحولات كلها؛ لأنه لا يقف خارج ذاته لكي يراقب تغيرها، وإنما يعيش التغير من داخلها، فيستشعر الاستمرار حتى حين تكون مقوماته النفسية والمعرفية قد تعرضت لتبدلات عميقة.
وهنا تتجلى مفارقة أخرى. فالإنسان هو الكائن الذي يتغير باستمرار، ولكنه قد يكون آخر من يدرك مقدار ما تغير فيه!
ولعل ما يزيد هذه المفارقة تعقيدًا أن الذاكرة نفسها، التي نستعين بها لإثبات استمرار هويتنا، ليست سجلًا محايدًا لما كناه، وإنما هي عملية استحضار وإعادة بناء تتأثر بما أصبحنا عليه. فنحن لا نستعيد ماضينا كما كان بالضرورة، وإنما نستعيده من موقعنا الحاضر، وبما يتيحه لنا هذا الحاضر من تصورات ومشاعر وتأويلات. وبذلك يصبح الحاضر شريكًا في إعادة تشكيل صورة الماضي، مثلما كان الماضي شريكًا في تشكيل الحاضر!
لعل الوقت قد حان لكي نعيد النظر في واحد من أكثر افتراضاتنا المعرفية رسوخًا: ذلك الذي يجعل من الهوية الشخصية حقيقة مكتملة، تستمر عبر الزمن من دون أن يستدعي استمرارها منا مساءلة طبيعة ما بقي منها وما تغير. فليس المطلوب أن نتخلى عن مفهوم الهوية، أو أن ننكر استمرار الشخص عبر مراحل حياته، وإنما أن نتوقف عن الخلط بين الاستمرارية والتطابق.
فالإنسان يمكن أن يستمر من دون أن يبقى مطابقًا لما كانه. ويمكن أن يحتفظ باسمه وذكرياته وتاريخه، بينما تتغير في داخله منظومات كاملة من القيم والمشاعر والقدرات والتصورات. وإذا كان العقل البشري قد استطاع أن يطور أدوات بالغة الدقة لتتبع التغير في الظواهر الفيزيائية والبيولوجية، فإن من المفارقات اللافتة أن يظل، في كثير من أحكامه اليومية والتاريخية، يتعامل مع هوية الإنسان كما لو أنها استثناء من قانون التغير!
ولعل هذا الاستثناء ليس خاصية في الإنسان نفسه، وإنما هو نتاج حاجة العقل إلى تثبيت موضوع معرفته، حتى يستطيع الإحاطة به وتصنيفه وإصدار الأحكام بشأنه. ولكن الحاجة إلى تثبيت الموضوع لا تمنحنا الحق في افتراض ثباته.
وهنا تكمن المفارقة الإبستمولوجية في صورتها الأعمق. فالعقل البشري، الذي يحتاج إلى هوية ثابتة لكي يعرف الإنسان، قد يجعل من هذا الثبات المفترض عائقًا يحول بينه وبين معرفة الإنسان كما هو بالفعل: كائنًا يتشكل ويتحول باستمرار.
ولنعد، أخيرًا، إلى السؤال الذي انطلقنا منه. هل كان الذي انتحر في الثاني من يوليو/تموز عام 1961 هو أرنست هيمنغواي حقًا؟ نعم، إذا كنا نعني بذلك الشخص الذي حمل هذا الاسم وعاش ذلك التاريخ. ولكن هل كان هو ذاته هيمنغواي الذي عرفناه في الثامنة والعشرين، أو الرابعة والأربعين، أو حتى في الخامسة والخمسين من عمره؟ هنا لا تعود الإجابة بالبساطة نفسها.
فقد كان “هو”، من حيث استمرار الشخص، ولكن ما الذي بقي فيه من الإنسان الذي كانه يومًا؟ وما الذي تبدل؟ وما الذي انهار؟ وما الذي نشأ في داخله من معاناة وتصورات لم يكن يعرفها من قبل؟
فهذه أسئلة لا يجيب عنها الاسم، ولا تحسمها شهادة الميلاد، ولا تكفي للإجابة عنها وحدة الجسم أو اتصال السيرة.
وربما كانت إحدى أكثر أوهام العقل البشري رسوخًا أنه يتخيل أنه حين يعرف من هو الإنسان، فإنه يكون قد عرف أيضًا ما هو هذا الإنسان.
فليس السؤال دائمًا: من الذي فعل ذلك؟ وإنما قد يكون السؤال الأجدر بالمعرفة: أيُّ إنسان كان قد صار إليه ذلك الذي فعل ما فعل؟
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى: أننا نحرص على الاحتفاظ للإنسان بهوية واحدة طوال حياته، بينما لا نحرص بالقدر نفسه على أن نعرف كم مرة تغير الإنسان الذي يحمل تلك الهوية، وكم مرة لم يعد ما كانه، من دون أن يتغير اسمه!
