كيف تحكم العين الثالثة على مستر إدغار هوفر؟

ثمة شخصيات في التاريخ البشري لا تكاد تستقر في الوعي الجمعي على صورة واحدة، ولا يتفق الناس بشأنها على حكم بعينه، حتى ليُخيَّل إلينا أن هؤلاء لم يعيشوا حياة واحدة، ولم يصدر عنهم ما يمكن إخضاعه لمعيار واحد من معايير التقييم التاريخي والأخلاقي! فالشخصية التي يراها بعض الناس نموذجاً للقيادة الفذة، والعبقرية التنظيمية، والإخلاص الذي لا يعرف الكلل، هي نفسها التي يراها آخرون مثالاً للاستبداد، والتسلط، والانحطاط الأخلاقي، وإساءة استعمال السلطة!
ولعل السيد جون إدغار هوفر (J. Edgar Hoover)، الذي تولى إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، المعروف اختصاراً بـ(FBI)، منذ تأسيسه بهذه التسمية عام 1935 حتى وفاته عام 1972، بعدما كان قد تولى إدارة سلفه، مكتب التحقيقات، منذ عام 1924، يقدم لنا واحداً من أكثر النماذج التاريخية دلالة على هذه المفارقة.
فهذا الرجل، الذي بقي على رأس واحد من أهم أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة قرابة ثمانية وأربعين عاماً، كان في نظر محبيه واحداً من أعاظم القادة الإداريين والأمنيين الذين عرفتهم أميركا في تاريخها الحديث. بينما لم يتردد مبغضوه في اعتباره واحداً من أكثر الرجال الذين أساؤوا استعمال السلطة، وانتهكوا الحريات، وألحقوا أفدح الضرر بالمؤسسات الديمقراطية التي كانوا يزعمون الدفاع عنها. فأي الصورتين هي صورة هوفر الحقيقية؟ وأي الحكمين هو الحكم الذي ينبغي أن يستقر عليه العقل حين يستحضر هذا الرجل وتاريخه؟ أم أن السؤال نفسه ينطوي على خلل معرفي، لأنه يفترض ابتداءً أن الحقيقة لا بد أن تكون كامنة في إحدى الصورتين المتعارضتين، وأن علينا أن نختار إحداهما ونطرح الأخرى جانباً؟
وهنا يحسن بنا أن نستذكر ذلك البيت البليغ من الشعر العربي القديم، المنسوب إلى الإمام الشافعي:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا
ولعل ما يجعل هذا البيت بالغ الدلالة المعرفية أنه لا يتحدث عن اختلاف الناس في أحكامهم فحسب، وإنما يضع أيدينا على واحدة من أكثر خصائص العقل البشري تأثيراً في طبيعة أحكامه، والتي تتمثل في أن الرضا والسخط لا يكتفيان بالتأثير في الحكم الذي نصدره على الأشياء والأشخاص، بل يتدخلان في الكيفية التي نرى بها موضوع الحكم ابتداءً!
فعين الرضا لا تنكر المساوئ بالضرورة، ولكنها قد تفقد القدرة على إدراك مضامينها ودلالاتها، أو تعمل على تصغيرها، أو إيجاد المبررات التي تجعلها أقل استحقاقاً للإدانة! أما عين السخط فلا تكتفي بإبراز المساوئ، بل قد تستأثر هذه المساوئ بمجمل الصورة، حتى لا يعود في وسع صاحبها أن يرى ما عداها!
وهكذا لا نعود أمام حكمين مختلفين على موضوع واحد جرى إدراكه بالكيفية ذاتها، وإنما أمام صورتين مختلفتين للموضوع نفسه، صاغت كل واحدة منهما طبيعة العلاقة الوجدانية التي تربط صاحبها به.
ولكن ماذا لو افترضنا وجود عين ثالثة، لا تنظر بعين الرضا، ولا بعين السخط؟ وهي عين لا يهمها أن يكون هوفر عظيماً أو وضيعاً، ولا يعنيها أن تنتهي إلى تبرئته أو إدانته، وإنما يعنيها، قبل كل شيء، أن تعرف من كان هذا الرجل حقاً، وماذا فعل، ولماذا فعل ما فعل، وما الذي ترتب على أفعاله من نتائج؟ إنها العين التي لا تسأل: هل أُحب هوفر أم أُبغضُه؟ بل تسأل: ماذا أعرف عنه، وكيف عرفت ما أعرفه، وما الذي يخولني أن أصدر عليه هذا الحكم دون غيره؟
ولكي نستبين ما يمكن أن تراه هذه العين الثالثة، ينبغي لنا أن نستحضر هوفر من دون أن نبدأ بتحديد موقعه في سجل العظماء أو في قائمة الأشرار. فلقد كان الرجل، من دون شك، صاحب قدرات تنظيمية وإدارية استثنائية، مكّنته من الإسهام في تحويل جهاز تحقيقات محدود الإمكانات إلى مؤسسة اتحادية واسعة النفوذ، تمتلك مختبرات جنائية، وأنظمة متطورة نسبياً في زمانها لحفظ البصمات والسجلات، وشبكات لجمع المعلومات وتبادلها. كما ارتبط اسمه بتعزيز التدريب المهني لرجال التحقيق، وتوسيع قدرة الحكومة الفيدرالية على ملاحقة الجرائم التي تتجاوز حدود الولايات. وليس من مقتضيات الموضوعية أن ننكر هذه المنجزات لمجرد أن الرجل ارتكب أفعالاً أخرى تستحق الإدانة. فالمنجَز الإداري لا يفقد واقعيته التاريخية لأن صاحبه كان مستبداً، كما أن الكفاءة التنظيمية لا تتحول إلى وهم لمجرد أن من امتلكها أساء استعمالها. ولكن العين الثالثة، التي تقر بهذه المنجزات، لا يجوز لها أن تغض الطرف عن الوجه الآخر لتاريخ هوفر.
فقد ارتبطت إدارته بممارسات خطيرة من المراقبة السياسية، وجمع المعلومات عن المعارضين والنشطاء، وتجاوز الحدود التي ينبغي أن تقيد سلطة أجهزة إنفاذ القانون في مجتمع ديمقراطي. وكان برنامج مكافحة التجسس الداخلي المعروف باسم (COINTELPRO)، الذي بدأ عام 1956، واحداً من أبرز الشواهد على ذلك، إذ استُخدمت فيه وسائل سرية لتعطيل نشاط جماعات سياسية واجتماعية والتأثير فيها، بما شمل جماعات تناضل من أجل الحقوق المدنية.
كما أن استهداف مارتن لوثر كينغ الابن بالمراقبة والتنصت ومحاولات التشهير يمثل جانباً بالغ الخطورة من إرث هوفر، لأنه يكشف كيف يمكن أن تتحول مؤسسة أُنشئت لحماية القانون إلى أداة للنيل من أشخاص يمارسون حقوقاً يُفترَض أن القانون نفسه يكفلها لهم.
وهنا لا يكون من مقتضيات الموضوعية أن نخفف من فداحة هذه الأفعال بحجة أن الرجل قدم خدمات كبيرة لبلاده، كما لا يكون من مقتضياتها أن نمحو تلك الخدمات من التاريخ بحجة أنه انتهك الحريات. فالعين الثالثة لا تعمل وفق مبدأ المقايضة الأخلاقية الذي يجعل الحسنة تمحو السيئة، أو السيئة تلغي الحسنة؛ إذ أنها لا تتعامل مع التاريخ كما لو أنه دفتر حسابات نطرح فيه عدد المساوئ من عدد المحاسن لنحصل في النهاية على رقم يحدد لنا إن كان صاحبه عظيماً أم وضيعاً! بل إنها ترفض، من الأساس، هذا الاختزال الذي يحوّل الشخصية الإنسانية إلى حصيلة حسابية لأفعال متباينة في طبيعتها ونتائجها.
غير أن ثمة مسألة أعمق ينبغي للعين الثالثة أن تتوقف عندها. فهل كان هوفر الرجل الذي صنع المؤسسة، أم أن المؤسسة التي صنعها أعادت، بدورها، صناعة هوفر؟!
إن البقاء على رأس جهاز أمني بالغ النفوذ قرابة نصف قرن لا يمكن أن يكون مجرد واقعة إدارية عابرة. فمثل هذا الامتداد الزمني للسلطة كفيل بأن يغيّر طبيعة العلاقة بين صاحبها والمؤسسة التي يديرها، وبين هذه المؤسسة وبقية مؤسسات الدولة، بل وبين صاحب السلطة وتصوره عن نفسه.
فما يبدأ بوصفه التزاماً بحماية القانون قد يتحول، تحت تأثير السلطة الممتدة وغياب الرقابة الكافية، إلى اعتقاد بأن صاحب السلطة هو الأقدر على تحديد ما يقتضيه القانون، ثم إلى تصور أخطر مفاده أن حماية الدولة تقتضي حماية المؤسسة، وأن حماية المؤسسة تقتضي، في نهاية المطاف، حماية الشخص الذي يتصدرها! وعند هذه النقطة يصبح الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية بالغ الصعوبة، لا لأن صاحبه يعجز بالضرورة عن التمييز بينهما، وإنما لأنه قد يكون قد انتهى إلى تصور يجعلهما شيئاً واحداً!
وليس في هذا التفسير تبرئة لهوفر، ولا ادعاء بمعرفة يقينية بما كان يجري في أعماقه النفسية. فما هو إلا محاولة لفهم الكيفية التي يمكن أن تتداخل بها شخصية الإنسان مع البنية المؤسسية التي يتحكم فيها، حتى تغدو السلطة التي يمارسها عاملاً فاعلاً في إعادة تشكيل تصوراته عن ذاته وعن الآخرين.
ولعل هذا ما يعيننا على الانتقال من السؤال الأخلاقي التقليدي: هل كان هوفر رجلاً صالحاً أم طالحاً؟ إلى سؤال معرفي أشد تعقيداً: كيف أمكن لرجل يمتلك تلك القدرات التنظيمية والإدارية أن يوظف جانباً من قدراته في بناء مؤسسة قوية، وجانباً آخر في ممارسات قوّضت المبادئ التي يُفترض أن هذه المؤسسة وجدت لحمايتها؟!
والإجابة لا تقتضي بالضرورة افتراض وجود شخصيتين متناقضتين داخل الرجل الواحد. فليس من المستبعد أن تكون الخصائص النفسية والمعرفية نفسها التي جعلته قادراً على بناء مؤسسة شديدة الانضباط والفاعلية، قد أسهمت أيضاً في ميله وجنوحه إلى إحكام السيطرة، وتضييق مساحة الاختلاف، والتعامل مع بعض أشكال المعارضة بوصفها تهديداً ينبغي القضاء عليه.
فالقدرة على التنظيم قد تخدم القانون، وقد تخدم انتهاكه. والإصرار قد يكون فضيلة حين يتجه إلى غاية مشروعة، وقد يتحول إلى مصدر خطر حين يقترن بسلطة لا تجد من يردعها. وحتى الإخلاص الذي يفاخر به الإنسان قد يغدو مصدراً للضرر حين يختلط إخلاصه للمؤسسة بإخلاصه لتصوره الشخصي عما ينبغي أن تكون عليه.
ومن هنا فإن العين الثالثة لا تكتفي بإحصاء أفعال هوفر، وإنما تحاول أن تفهم البنية التي جعلت هذه الأفعال، على اختلافها وتناقض نتائجها، تصدر عن الإنسان نفسه! ولكن ينبغي لنا أن ننتبه إلى أن العين الثالثة ليست عيناً متسامحة بالضرورة، ولا عيناً تبحث عن منطقة وسطى بين الإدانة والتبرئة. فقد تنتهي، بعد فحص الوقائع والأدلة، إلى حكم أخلاقي شديد القسوة على فعل بعينه، أو على نمط متكرر من الأفعال. وقد ترى أن بعض الانتهاكات لا يمكن تبريرها مهما بلغت قيمة المنجزات التي حققها مرتكبها. فالحياد في منهج الوصول إلى الحقيقة لا يعني الحياد الأخلاقي إزاء ما تكشفه الحقيقة! وهذا التمييز بالغ الدلالة المعرفية، لأن بعض الناس يخلطون بين الموضوعية والاعتدال في الأحكام، حتى ليظنوا أن الباحث الموضوعي هو الذي ينبغي له أن يقف دائماً في منتصف المسافة بين المدح والذم! ولكن ماذا لو كانت الأدلة تجعل أحد الحكمين أقرب إلى الحقيقة من الآخر؟ وهل يكون من الموضوعية أن نساوي بين واقعة موثقة وادعاء لا يسنده دليل، لمجرد أننا نريد أن نبدو منصفين؟!
إن العين الثالثة لا تبحث عن “التوازن المصطنع”، وإنما عن التناسب بين الحكم وما يسنده من معرفة. وهي، لهذا السبب، لا تتردد في الاعتراف بأن هوفر كان صاحب منجزات مؤسسية مهمة، وأنه كان في الوقت نفسه مسؤولاً عن ممارسات تستحق إدانة أخلاقية وقانونية وتاريخية شديدة. وليس في اجتماع هذين الحكمين تناقض، لأنهما لا يتناولان بالضرورة الجانب نفسه من حياته وأفعاله! والأهم من ذلك أن العين الثالثة لا تسمح لما تعرفه عن الرجل بأن يتحول إلى ادعاء بأنها تعرفه معرفة كاملة. فما نملكه عن هوفر هو وثائق وشهادات ووقائع وسجلات وتفسيرات تاريخية متفاوتة في درجة موثوقيتها، وبالتالي مصداقيتها، أما هوفر الإنسان، بكل ما انطوت عليه تجربته من دوافع ومخاوف وتصورات وتحولات داخلية، فلا يمكن اختزالها اختزالاً كاملاً في هذه المادة التاريخية، مهما بلغت وفرتها.
وهنا تبلغ العين الثالثة درجة أخرى من النضج المعرفي، حين تدرك أن الاعتراف بحدود المعرفة ليس عجزاً عن إصدار الأحكام، وإنما شرط من شروط سلامتها. فليس علينا أن نعرف كل شيء عن هوفر لكي نحكم على ممارساته الموثقة، ولكن ليس من حقنا أيضاً أن نحول معرفتنا بهذه الممارسات إلى يقين شامل بكل ما كان عليه هذا الرجل.
ولعل المفارقة الأعمق تكمن في أن الإنسان، حين يحكم على غيره، كثيراً ما يتوهم أنه لا يفعل أكثر من وصف موضوع قائم خارج ذاته! بينما يكون في حقيقة الأمر قد أدخل في هذا الوصف جانباً من نفسه، ومن ميوله، ومن معتقداته، ومن حاجته النفسية إلى أن يكون موضوع حكمه على الصورة التي يفضلها. فمحب هوفر قد يكون، من حيث لا يدري، معجباً بفكرة السلطة الحازمة أكثر من إعجابه بهوفر نفسه. ومبغضه قد يكون رافضاً، بحق، للسلطة المنفلتة من الرقابة، لكنه قد يسمح لهذا الرفض بأن يحجب عنه بعض الوقائع التي لا تتفق مع الصورة التي استقرت في ذهنه! وفي الحالتين لا يكون هوفر وحده موضوع الحكم، وإنما تصبح منظومة القيم والتصورات التي يحملها الحاكم جزءاً خفياً من عملية إصدار الحكم.
أما العين الثالثة فإنها تحاول، قدر المستطاع، أن تكشف هذا الجزء الخفي، وأن تمنعه من التنكر في هيئة الحقيقة الموضوعية. وليس ذلك بالأمر اليسير، لأن العين الثالثة ليست عضواً معرفياً مستقلاً عن العقل البشري، وإنما هي استعارة لذلك الجهد النقدي الذي يبذله العقل حين يجعل من أحكامه هو نفسه موضوعاً للفحص والمساءلة! فالعين الثالثة ينبغي إذاً أن تراقب العينين الأخريين، وتراجع ما أغفلته عين الرضا، وما بالغت فيه عين السخط، ثم تراجع نفسها أيضاً، خشية أن يتحول ادعاؤها الموضوعية إلى صورة جديدة من صور الانحياز!
وهكذا، حين نسأل: كيف تحكم العين الثالثة على مستر إدغار هوفر؟ فإننا لا ننتظر منها أن تقول إنه كان عظيماً أو وضيعاً، أو أن تختار له موقعاً وسطاً بين هذين الوصفين، بل ننتظر منها أن تقدم لنا صورة تاريخية مركبة، تميز فيها بين الكفاءة والمشروعية، وبين الإنجاز والمسؤولية، وبين تفسير السلوك وتبريره، وبين ما تثبته الوقائع وما نفترضه عن الدوافع.
وقد يكون حكمها النهائي أن هوفر كان رجل دولة بالغ الكفاءة في بعض وجوه عمله، وبالغ الخطورة في وجوه أخرى من ممارسته للسلطة؛ وأن قيمته التاريخية لا تكمن في منجزاته أو انتهاكاته منفردة، وإنما في اجتماعهما داخل تجربة واحدة تكشف لنا كيف تستطيع القدرة المؤسسية أن تكون مصدراً للقوة ومصدراً للتهديد في آن واحد.
ولعل الدرس الذي ينبغي لنا أن نستخلصه من هذه المقاربة يتجاوز هوفر نفسه، ليمتد إلى كل شخصية تاريخية انقسم الناس بشأنها بين محب ومبغض، وبين ممجد ومدين.
فالتاريخ لا يحتاج إلى عين ثالثة لكي تجعل العظماء أقل عظمة، أو الأشرار أقل شراً، وإنما يحتاج إليها لكي تمنعنا من أن نجعل محبتنا وبغضنا معيارين للحقيقة.
وحين نبلغ هذه المرتبة من الوعي المعرفي، فلن يعود السؤال الأهم: هل كان هوفر رجلاً عظيماً أم رجلاً سيئاً؟ بل سيغدو السؤال الأجدر بنا أن نطرحه على أنفسنا: هل حكمنا على هوفر كما كان، أم كما أردنا نحن أن يكون؟
ولعل هذا هو الامتحان الحقيقي للعين الثالثة والمتمثل في أن لا تكتفي بتصحيح أحكامنا على الآخرين، وإنما أن تعيننا، قبل ذلك، على اكتشاف مقدار ما تسلل من أنفسنا إلى تلك الأحكام، ونحن نتوهم أننا لم نكن نفعل شيئاً سوى البحث عن الحقيقة!

اترك تعليقًا