
ثمة مفارقات وجودية في حياة الإنسان لا تكمن غرابتها في عجزه عن معرفة الواقع، وإنما في ذلك الاستعداد العجيب الذي يبديه عقله للتصرف في هذا الواقع، وكأنه ليس ملزمًا بأن يتقبله كما هو، بل إن من حقه أن يعيد ترتيبه وصياغته، وأن يستبقي منه ما يتفق مع تصوره عنه، ويستبعد ما يتعذر عليه إدخاله في ذلك التصور! ولعل واحدة من أكثر هذه المفارقات التصاقًا بتاريخ المعرفة البشرية هي تلك النزعة التي تجعل الإنسان، حين ينكب على دراسة ظاهرة من الظواهر، فإنه لا يكتفي بمحاولة فهم مفرداتها والعلاقات التي تنتظمها، وإنما يجد نفسه، أحيانًا، مدفوعًا إلى تنحية بعض هذه المفردات وإقصائها، لا لشيء إلا لأنها تأبى الانسجام مع الصورة التي سبق لعقله أن تمثل بها تلك الظاهرة!
فبدلًا من أن يعيد النظر في تصوره حين يجد في الواقع ما يناقضه، تراه يعيد النظر في الواقع نفسه، وكأن الخلل لا يمكن أن يكون في تصوره، وإنما لا بد أن يكون في تلك المفردة الناشزة التي أبت أن تجد لنفسها مكانًا مناسبًا في البناء المعرفي الذي أقامه!
وهنا تتجلى المفارقة في صورتها الأكثر إثارة للتأمل: فالإنسان الذي يفترض أنه يدرس الظاهرة ليعرف حقيقتها، قد ينتهي به الأمر إلى استبعاد بعض حقيقتها حتى تستقيم له دراستها!
ولعلنا لا نحتاج، لتبين الآلية الذهنية التي تعمل بمقتضاها هذه النزعة، إلى استدعاء مثال معقد من تاريخ الفلسفة أو العلم؛ إذ يكفينا أن نستحضر حادثة مألوفة من عالم الطفولة، قد نكون خبرناها بأنفسنا، أو شهدناها لدى غيرنا، أو سمعنا عنها في حكايات الأطفال الذين يستبد بهم الفضول لمعرفة كيفية عمل الأشياء. فقد يعمد طفل يتمتع بقدر لافت من الفضول والمهارة التقنية إلى تفكيك لعبة ذات تركيب ميكانيكي أو إلكتروني معقد نسبيًا، لا لشيء إلا لأنه يريد أن يعرف كيف تعمل. وبعد أن يفرغ من تفكيكها، ويستعرض قطعها، ويعاين العلاقات التي يفترض أنها تجمع بينها، يشرع في إعادة تركيبها، مستعينًا بما انتهى إليه فهمه لبنيتها وآلية عملها. غير أنه قد يجد نفسه، بعد الفراغ من إعادة تركيب اللعبة، أمام مفاجأة لم تكن في حسبانه: ثمة قطعة، أو بضع قطع، بقيت خارج التركيب! وحين يُسأل عن سبب بقائها، أو عن الموضع الذي كان ينبغي أن تشغله، فإنه لا يجد غضاضة في أن يجيب، بمنتهى الثقة والاطمئنان، بأنها قطع زائدة، وأن اللعبة ليست بحاجة إليها أصلًا!
وما يستوقفنا في هذا المشهد الطفولي ليس عجز الطفل عن إعادة تركيب اللعبة على النحو الذي كانت عليه، فذلك أمر مفهوم ومتوقع، وإنما ذلك الانتقال المدهش من عدم معرفة موضع القطعة ووظيفتها إلى الجزم بأنها لا موضع لها ولا وظيفة على الإطلاق! فما عجز الطفل عن فهم ضرورته، انتهى به الأمر إلى اعتباره غير ضروري!
وهذه، في تقديري، ليست مجرد طرفة من طرائف الطفولة، وإنما نموذج مصغر لآلية ذهنية يمكن أن نجد لها تجليات أكثر تعقيدًا في تاريخ المعرفة البشرية.
فالطفل، في هذه الحادثة، لم يكن يفتقر إلى القطعة، بل كان يفتقر إلى المعرفة التي تعينه على تحديد موقعها في البنية الكلية للعبة. غير أن عقله، بدلًا من أن يعترف بهذا النقص المعرفي، عمد إلى تحويله إلى حكم على القطعة نفسها. وهكذا لم تعد المشكلة أن تصوره للعبة ناقص، وإنما أصبحت المشكلة أن اللعبة تحتوي على ما لا حاجة لها إليه!
ولعل هذا هو عين ما يحدث، وإن بصور أشد تعقيدًا وأعظم أثرًا، حين يتصدى العقل البشري لدراسة ظاهرة طبيعية أو تاريخية أو اجتماعية أو نفسية، فيجد بين مفرداتها ما يتعذر عليه إدخاله في النسق التفسيري الذي ارتضاه لها. فبدلًا من أن يستبقي هذه المفردة في موضعها بوصفها جزءًا من الظاهرة التي يتعين عليه تفسيرها، فإنه قد يعمد إلى إخراجها من دائرة الاعتبار، أو التقليل من قيمتها، أو وصفها بأنها استثناء لا يُعتَد به، أو أنها مجرد حالة شاذة لا ينبغي أن تعكر صفو القاعدة العامة.
وهنا لا يعود الاستثناء وصفًا لخاصية موضوعية في الظاهرة، وإنما يغدو أداة دفاعية يستعين بها العقل لحماية تصوره عنها! وليس من الصعب أن نجد لهذه النزعة شواهد في تاريخ العلوم والمعارف البشرية.
ففي تاريخ علم الفلك، على سبيل المثال، لم يكن النموذج البطلمي مجرد محاولة اعتباطية لفرض تصور على السماء، بل كان بناءً رياضيًا بالغ التعقيد، استطاع أن يقدم تنبؤات فلكية ذات قيمة في زمانه. غير أن التمسك ببعض افتراضاته الأساسية استدعى إدخال تعديلات هندسية متراكمة لاستيعاب حركات الكواكب كما تبدو للراصد الأرضي. ولم تكن هذه التعديلات استبعادًا مباشرًا للمشاهدات المخالفة، لكنها تكشف وجهًا آخر من وجوه المشكلة: ذلك الميل إلى المحافظة على الإطار التفسيري القائم، حتى حين تتزايد الصعوبات التي تستدعي إعادة النظر في أسسه.
وفي تاريخ الطب، نجد مثالًا آخر في طول المدة التي احتفظت فيها بعض التصورات القديمة عن المرض والجسم بسلطتها المعرفية، رغم ظهور مشاهدات لم يكن من اليسير التوفيق بينها وبين تلك التصورات. فلم يكن العائق دائمًا غياب الملاحظة، وإنما كان أحيانًا الطريقة التي يجري بها تأويل الملاحظة، أو التقليل من شأنها، حين تتعارض مع ما استقر في الأذهان من مبادئ تفسيرية.
أما في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فإن تجليات هذه النزعة قد تكون أشد خفاءً، لأن الظاهرة الإنسانية لا تقدم نفسها عادة في صورة يمكن عزل مفرداتها وتحديد وظائفها بسهولة. فقد ينطلق الباحث من تصور معين للطبيعة البشرية، ثم يجد نفسه أمام سلوك إنساني لا يستقيم مع ذلك التصور. وحينئذ يكون أمام خيارين: إما أن يعيد النظر في تصوره، وإما أن يعمد إلى اعتبار السلوك المخالف حالة استثنائية أو انحرافًا لا يستحق أن يدخل في صلب تفسيره للطبيعة البشرية! وقد يكون ما استبعده هو بالذات ما كان ينبغي أن يستوقفه أكثر من غيره!
فكم من مقاربة للإنسان انطلقت من افتراض أنه كائن عقلاني في جوهره، ثم اضطرت إلى التعامل مع مظاهر اللاعقلانية بوصفها انحرافات طارئة عن طبيعته الأصلية، بدلًا من التساؤل عما إذا كانت هذه المظاهر نفسها جزءًا أصيلًا من بنيته النفسية والمعرفية! وكم من تصور للتاريخ الإنساني جرى بناؤه على أساس من الانتظام والتقدم والتراكم، ثم استُبعدت منه، أو هُمشت في تفسيره، وقائع الانقطاع والتراجع والانهيار، لأنها لم تجد موضعًا مريحًا في المسار الذي افترضه العقل للتاريخ! وليس معنى ذلك أن كل استثناء يستدعي إسقاط النظرية، أو أن كل ظاهرة مخالفة تنقض بالضرورة القاعدة العامة؛ فالعلم لا يستقيم أصلًا من دون التمييز بين ما هو جوهري وما هو عَرَضي، وبين ما يدخل في نطاق الظاهرة وما يقع خارجه، وبين المشاهدة الموثوقة والخطأ في القياس أو التفسير.
غير أن الفارق الحاسم يكمن في الأساس الذي يجري بمقتضاه هذا التمييز. فثمة فرق بالغ الدلالة بين أن نستبعد مفردة لأن البحث أثبت أنها لا تنتمي إلى الظاهرة، وبين أن نستبعدها لأن تصورنا للظاهرة لم يستطع أن يجد لها موضعًا فيه!
ففي الحالة الأولى يكون الاستبعاد نتيجة للمعرفة، أما في الثانية فيكون بديلًا عن المعرفة التي لم نتمكن من بلوغها. وهذا الفارق، على دقته، قد يكون من أكثر الفوارق أثرًا في تحديد مصير مشروع معرفي بأكمله.
ولعل ما يجعل هذه النزعة أكثر استعصاءً على الانكشاف أن العقل البشري لا يمارسها، في الغالب، عن وعي صريح بأنه يتلاعب بالواقع. فالإنسان لا يقول لنفسه عادة إنه سيستبعد ما يناقض تصوره حتى يحافظ عليه، وإنما يجد من المبررات ما يجعله يعتقد أن ما استبعده لم يكن جديرًا بالاعتبار أصلاً!
وهنا يتدخل ما يمكن أن نسميه فائض التمثّل؛ أي تلك القدرة الذهنية على إنشاء صورة للواقع قد تستقل، في بعض أحوالها، عن الواقع الذي يفترض أنها تتمثله، حتى تصبح الصورة المتخيلة معيارًا يُحاكم الواقع على أساسه، بدلًا من أن يكون الواقع هو المعيار الذي تُختبر به الصورة. فالعقل لا يكتفي، والحال هذه، بأن ينتج تصورًا للظاهرة، وإنما يسبغ على هذا التصور سلطة معرفية تجعله يبدو وكأنه الظاهرة ذاتها! وما إن يتحقق هذا الالتباس حتى يصبح كل ما يتعارض مع التصور وكأنه يتعارض مع حقيقة الظاهرة، لا مع فهمنا الناقص لها!
ومن هنا تنشأ واحدة من أغرب صور الانقلاب المعرفي، وذلك بأن يغدو الواقع مطالبًا بأن يثبت أهليته للانتماء إلى الصورة التي رسمها العقل عنه!
وإذا كان طفل اللعبة قد استبعد القطعة التي لم يعرف موضعها، فإن العقل البشري، حين يمارس الآلية نفسها في حقول المعرفة، قد يستبعد وقائع تاريخية، أو خصائص سلوكية، أو علاقات سببية، أو عناصر بنيوية كاملة، لمجرد أنها لا تجد مكانًا في النموذج الذي اختاره لتفسير الظاهرة! والأخطر من الاستبعاد نفسه أن ما يجري إقصاؤه قد يكون من المفردات التي لا يمكن فهم الظاهرة فهمًا صحيحًا من دونها. فالقطعة التي يراها الطفل زائدة قد تكون هي التي تمنع احتكاك جزأين، أو تحفظ اتزان آلية معينة، أو تضمن استمرار عمل اللعبة بعد استخدامها مرات متكررة. وقد تبدو اللعبة، بعد إعادة تركيبها، وكأنها تعمل على نحو مقبول، لكن هذا النجاح الظاهري لا يثبت أن القطعة المستبعدة لم تكن ضرورية.
وهكذا الأمر في المعرفة البشرية؛ فقد ينجح نموذج تفسيري في تقديم صورة متماسكة لظاهرة ما، رغم استبعاده بعض مفرداتها، بل قد يحقق نجاحًا عمليًا محدودًا يعزز ثقة أصحابه به. غير أن هذا النجاح لا يكفي وحده لإثبات أن النموذج قد استوعب حقيقة الظاهرة في تكامل عناصرها وعلاقاتها! فالتماسك الداخلي للتصور شيء، ومطابقته للواقع شيء آخر!
ولعل هذا ما يعيننا على فهم الكيفية التي يمكن أن تستمر بها بعض المقاربات المعرفية زمنًا طويلًا، لا لأنها استوعبت كل ما ينبغي استيعابه، وإنما لأنها نجحت في بناء منظومة تفسيرية لا تسمح لما استبعدته بأن يعود لمساءلتها! وهنا تتجاوز المسألة حدود الخطأ الفردي لتصبح مشكلة تتعلق بتاريخ المعرفة ذاته. فما يبدأ باختيار تفسيري يتخذه باحث أو مفكر قد يتحول، بمرور الزمن، إلى مسلّمة تتوارثها الأجيال اللاحقة. وما كان في الأصل مفردة مستبعدة لعسر تفسيرها قد يغدو، بعد أجيال، شيئًا لا يخطر ببال أحد أن يبحث عنه، لأنه لم يعد حاضرًا أصلًا في التعريف المعتمد للظاهرة! وبذلك لا يكتفي العقل بإقصاء ما استعصى عليه فهمه، وإنما قد يورث الأجيال التالية ظاهرة مبتورة، ثم يعلمها كيف تدرسها بوصفها ظاهرة مكتملة!
ولعل المفارقة تبلغ ذروتها حين يصبح التمسك بهذا البتر علامة على الانضباط المنهجي، بينما تُعد محاولة استعادة المفردات التي تم إقصاؤها خروجًا على ما استقر عليه العلم أو الفكر من أصول ومبادئ!
غير أن الإنصاف يقتضي أن نميز بين هذه النزعة وبين ما يتطلبه البحث العلمي بالضرورة من تبسيط وتجريد وانتقاء. فليس في وسع أي نظرية أن تستوعب جميع تفاصيل الواقع دفعة واحدة، وليس كل إغفال لعنصر من عناصر الظاهرة دليلًا على انحياز أو قصور. بل إن النماذج العلمية كثيرًا ما تكتسب قوتها من قدرتها على عزل بعض المتغيرات مؤقتًا، لتتبين العلاقات التي يتعذر إدراكها في ظل التعقيد الكلي. لكن التبسيط المشروع يظل واعيًا بحدوده، ويقر بأن ما استبعده قد يستدعي العودة إليه، بينما يتحول التبسيط المضلِّل إلى مشكلة معرفية حين ينسى العقل أنه مارس الاستبعاد، ثم يتعامل مع النموذج الناتج وكأنه الواقع نفسه!
وهنا ينبغي أن نستعيد طفلنا الصغير، لا لنسخر من محاولته إعادة تركيب اللعبة، وإنما لنتساءل عما إذا كنا، نحن الكبار، قد تجاوزنا حقًا تلك الآلية الطفولية في تعاملنا مع العالم!
فما الفرق الجوهري بين طفل يرفع قطعة ميكانيكية ويقول إنها زائدة لأنه لا يعرف أين يضعها، وبين باحث يستبعد واقعة لا يستطيع تفسيرها ضمن نموذجه، ثم يقرر أنها لا تمثل قيمة حقيقية لفهم الظاهرة؟
فليس الفارق، بالضرورة، في طبيعة العملية الذهنية، وإنما قد يكون في مقدار التعقيد الذي اكتسبته، وفي اللغة الاصطلاحية التي أصبحت تستعين بها لتبرير نفسها، وفي السلطة المعرفية التي باتت تحتمي وراءها.
ولعل هذا يقودنا إلى تساؤل أبعد مدى: كم من ظاهرة نظن اليوم أننا أحطنا بحقيقتها، بينما لم ندرس في الواقع إلا ما أبقته تصوراتنا منها بعد أن استبعدنا ما استعصى علينا فهمه؟!
وكم من قطعة لا تزال ملقاة خارج البناء المعرفي البشري، لا لأنها زائدة فعلًا، وإنما لأننا لم نعرف بعد أين ينبغي أن نضعها؟!
إن النضج المعرفي للعقل لا يتجلى في قدرته على تقديم تفسير لكل شيء، ولا في مهارته في بناء منظومات متماسكة لا مكان فيها لما يناقضها، وإنما يتجلى، قبل ذلك كله، في استعداده لأن يعترف بأن ما لا يستطيع تفسيره قد يكون جزءًا أصيلًا مما يحاول فهمه!
فليس المطلوب من العقل أن يتخلى عن النمذجة والتجريد، فذلك مما لا غنى عنه في أي مشروع معرفي، وإنما أن يتخلى عن الوهم الذي يجعله يساوي بين حدود نموذجه وحدود الواقع. فليس كل ما لا يجد موضعًا في تصورنا للظاهرة زائدًا عن حاجتها، وليس كل ما يعجز العقل عن تفسيره فاقدًا لقيمته، وليس كل ما يبدو ناشزًا عن انتظام مفرداتها دخيلًا عليها. بل ربما كانت تلك المفردة التي أرهقتنا محاولات إدخالها في تصورنا هي المفتاح الذي كان بوسعه أن يكشف لنا أن تصورنا كله يحتاج إلى إعادة بناء.
وهكذا نعود إلى المفارقة الوجودية التي انطلقنا منها. فالإنسان، الذي امتاز بقدرته على تفكيك العالم وإعادة تركيبه في عقله، قد يصبح أسيرًا لهذه القدرة نفسها، حين ينسى أن العالم لم يُخلق على صورة التصور الذي انتهى إليه عنه!
ولعل أول ما ينبغي للعقل أن يتعلمه، بعد آلاف السنين من محاولاته فهم العالم، هو أن القطعة التي بقيت في يده بعد أن فرغ من إعادة تركيب اللعبة ليست بالضرورة قطعة زائدة؛ فقد تكون الدليل الوحيد المتبقي على أنه لم يفهم اللعبة بعد!
