لماذا لا ينبغي لما يُسمّى بالإعجاز العلمي للقرآن أن يكون النموذج الوحيد للعلاقة بين العلم والقرآن؟

ثمة مفارقة معرفية تستحق التأمل في ذلك المسار الطويل الذي سلكته المحاولات الرامية إلى إقامة علاقة بين القرآن والعلم الحديث؛ إذ يبدو أن كثيرًا ممن تصدّوا لهذه المهمة قد انطلقوا من افتراض لم يخضع، في الغالب، لما يستحقه من مساءلة، وهو أن إثبات الحضور العلمي للقرآن لا يكون إلا بالعثور في آياته على ما يتطابق مع اكتشافات العلم الحديث ونظرياته. وهكذا نشأ ما اصطلح على تسميته بـ«الإعجاز العلمي للقرآن»، ثم ما لبث أن غدا هذا المصطلح، في نظر قطاع واسع من المؤمنين به، النموذج الأبرز، بل النموذج الوحيد تقريبًا، الذي يمكن من خلاله الحديث عن علاقة معرفية بين القرآن والعلم.
ولكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه هو موضع الخلل؟ وماذا لو أن إخفاق كثير من المحاولات التي انتظمت تحت عنوان «الإعجاز العلمي» لم يكن دليلًا على افتقار القرآن إلى حضور معرفي وعلمي، وإنما كان نتيجة طبيعية لاختيار منهج غير ملائم للكشف عن هذا الحضور؟
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو ليس: كيف نثبت أن القرآن قد سبق العلم الحديث إلى اكتشاف ما اكتشفه؟ وإنما: ما الصيغ المعرفية والمنهجية التي يمكن أن تقوم عليها علاقة بين القرآن والعلم، من دون أن نضطر إلى إخضاع أحدهما للآخر، أو أن نجعل صدقية أحدهما مرهونة بما يقرره الآخر؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا، ابتداءً، أن نعيد النظر في المشروع الذي احتكر طويلًا تمثيل هذه العلاقة.
لعل المأزق الأكبر الذي وقع فيه كثير من القائلين بالإعجاز العلمي للقرآن أنهم، وهم يسعون إلى إثبات المصدر الإلهي للنص القرآني، انتهوا إلى جعل النظريات العلمية الحديثة معيارًا تُقاس به دلالة النص نفسه!
فما أن تظهر نظرية علمية، أو يُعلَن عن اكتشاف جديد، حتى تبدأ رحلة البحث في القرآن عن آية يمكن حمل ألفاظها على ما انتهى إليه العلماء! وإذا عُثر على ما يبدو أنه توافق بين الآية والنظرية، أُعلن أن القرآن قد سبق العلم إلى هذا الاكتشاف بقرون طويلة. ولكن المشكلة أن هذا المسلك لا يبدأ من القرآن بوصفه نصًا له بناؤه الدلالي وسياقاته الخاصة، وإنما يبدأ من النتيجة العلمية، ثم يعود إلى القرآن باحثًا عما يمكن أن يستوعبها من ألفاظه وتعبيراته.
وهنا تحديدًا يحدث انقلاب معرفي بالغ الدلالة؛ إذ لا تعود الآية هي التي تقود الباحث إلى استنتاج علمي، وإنما تصبح النتيجة العلمية هي التي تقوده إلى معنى لم يكن قد استخرجه من الآية قبل معرفته بتلك النتيجة! وليس من الصعب إدراك ما ينطوي عليه هذا المنهج من إشكال. فالنظريات العلمية، مهما بلغت من القوة التفسيرية، تظل مفتوحة على المراجعة والتعديل، بل والاستبدال أحيانًا. فإذا جعلنا معنى الآية تابعًا لنظرية بعينها، فماذا سنفعل حين تتغير النظرية؟ هل نعيد تفسير الآية لتتوافق مع النظرية الجديدة؟! وإذا فعلنا ذلك، فبأي معنى يمكن القول إن الآية كانت قد أخبرتنا أصلًا بما لم يكن العلم يعرفه؟
والمفارقة أن هذا المشروع، الذي نشأ في جانب مهم منه دفاعًا عن القرآن، قد ينتهي إلى إضعاف استقلاله المعرفي، لأنه يجعل ما يُنسب إليه من معرفة يتغير تبعًا لما يستجد في المختبرات ومراكز البحث العلمي! وليس المقصود بهذا النقد إنكار إمكان وجود توافق حقيقي بين بعض الدلالات القرآنية والمعارف العلمية، وإنما الاعتراض على تحويل التوافق، بمجرده، إلى برهان على سبق علمي، وعلى تحويل التأويل اللاحق للاكتشاف إلى اكتشاف سابق عليه.
فثمة فارق لا يجوز إغفاله بين أن نجد في نص قديم عبارة يمكننا اليوم تفسيرها على ضوء معرفة حديثة، وبين أن يكون النص قد قدم فعلًا معرفة محددة لم تكن متاحة في زمن ظهوره.
وهنا لابد من التذكير، وفي معرض الاعتراض على دعاوى الإعجاز العلمي، بأنه كثيراً ما يقال إن القرآن ليس كتابًا في الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء أو الفلك. وهذه عبارة صحيحة إذا كان المقصود بها أن القرآن لا يقدم نظريات علمية مصاغة وفق الاصطلاحات والمناهج المعتمدة في العلوم الحديثة. ولكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الحقيقة إلى افتراض آخر مفاده أن القرآن، ما دام ليس كتابًا متخصصًا في العلوم الطبيعية، فلا يمكن أن يكون له حضور معرفي في ميدان البحث العلمي. فليس كل خطاب معرفي مضطرًا إلى أن يكون كتابًا علميًا متخصصًا حتى تكون له قيمة في تطور المعرفة. كما أن العلاقة بين النصوص المؤسسة للفكر الإنساني وبين العلوم لا تقتصر على احتوائها على معلومات علمية جاهزة. فقد تكون القيمة المعرفية للنص كامنة في الأسئلة التي يثيرها، أو في المنهج الذي يدعو إلى اتباعه، أو في نوع العلاقة التي يؤسس لها بين الإنسان والعالَم، أو في الطريقة التي يوجه بها العقل إلى النظر في الظواهر واستقصاء انتظامها.
ومن هنا فإن حصر العلاقة بين القرآن والعلم في ما يسمى بالإعجاز العلمي ينطوي على اختزال مزدوج: اختزال القرآن إلى مستودع لمعلومات علمية يُفترض أن نكتشفها بعد أن يكتشفها العلماء، واختزال العلم نفسه إلى مجموعة من النتائج النهائية، مع أن العلم، قبل أن يكون نتائج، هو نشاط معرفي يقوم على الملاحظة والاستقصاء والمقارنة والاستدلال والاختبار!
ولعلنا إذا تحررنا من هذا الاختزال أمكننا أن نتبين في القرآن أكثر من صيغة محتملة لعلاقته بالمعرفة العلمية.
فمن أكثر ما يستوقف القارئ المتدبر للقرآن ذلك الإلحاح المتكرر على النظر في العالم، لا بوصفه مشهدًا يُكتفى بالتأمل فيه، وإنما بوصفه مجالًا ينبغي للعقل أن يشتغل به.
فنحن نقرأ في القرآن: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (يونس: 101). ونقرأ أيضاً: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: 17-20). كما ونقرأ فيه أيضاً: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20).
ولعل الآية الأخيرة تستحق أن نوليها اهتمامًا خاصًا؛ لأنها لا تكتفي بدعوة الإنسان إلى الإقرار بأن الخلق قد حدث، وإنما تدعوه إلى السير في الأرض والنظر في كيفية بدئه.
وهنا نجد أنفسنا أمام توجيه معرفي يمكن أن نستخلص منه معنى منهجيًا ينطوي على دلالات معرفية قَيِّمة قوامها أن معرفة العالم لا تتحقق بمجرد التسليم بأحكام مسبقة بشأنه، وإنما تقتضي الذهاب إلى الظواهر نفسها، وملاحظتها، واستقصاء ما يمكن أن تكشفه.
وليس بعيدًا عن هذا المعنى أن نجد القرآن يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الحج: 46). فالسير في الأرض هنا مقترن بإعمال العقل، وكأن المعرفة ليست مجرد نشاط ذهني منعزل عن العالم، وإنما هي حصيلة تفاعل بين الإنسان والواقع الذي يحيط به.
وهذه الدعوات لا تعني أن القرآن قد صاغ المنهج العلمي الحديث بكل أدواته التجريبية والإحصائية، فذلك ادعاء لا يقل تعسفًا عن كثير من دعاوى الإعجاز العلمي. ولكنها تسمح لنا بالحديث عن توجه منهجي قرآني يمنح الملاحظة والاستقصاء وإعمال العقل منزلة أساسية في تحصيل المعرفة. وهذا حضور معرفي مستقل عن محاولة إثبات أن آية بعينها قد سبقت نيوتن أو داروين أو أينشتاين إلى اكتشافاتهم. بل لعل قيمته تكمن في أنه يحث العقل على أن يذهب إلى العالم، بدلًا من أن يكتفي بالبحث في النص عن إجابات جاهزة لكل سؤال يطرحه العلم!
كما أن ثمة مستوى آخر من الحضور المنهجي للقرآن، لا يتعلق بالدعوة إلى ملاحظة الظواهر فحسب، وإنما بإمكان الانتقال من تعدد الظواهر إلى البحث عن انتظامها ووحدتها. فالإنسان حين ينظر إلى العالم يجد نفسه أمام تنوع هائل من الموجودات والحوادث، ولكن النشاط العلمي لا يقف عند حدود وصف كل ظاهرة على حدة؛ بل يسعى إلى اكتشاف العلاقات والانتظامات التي تجعل من الممكن فهم ظواهر متعددة في إطار تفسيري واحد.
ولعل من الآيات التي يمكن أن نستحضرها في هذا السياق قوله تعالى: ﴿مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ۝ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك: 3-4). وما يستوقفنا هنا، من زاوية معرفية، ليس تقرير انتظام الخلق فحسب، وإنما الدعوة إلى إعادة النظر وتكراره. فالنص لا يكتفي بملاحظة أولى، بل يستدعي النظر مرة أخرى، وكأن الملاحظة الواحدة ليست نهاية المطاف. ومع ضرورة الانتباه إلى أن السياق القرآني سياق استدلال على إحكام الخلق، فإن من الممكن أن نستخلص منه قيمة معرفية أوسع تتمثل في وجوب إعادة الفحص، وعدم الاكتفاء بالانطباع الأول. وإذا أضفنا إلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ (فصلت: 53)، أمكننا أن نتبين اتساع المجال الذي يدعو القرآن الإنسان إلى النظر فيه، من العالم المحيط به إلى نفسه. غير أن علينا هنا أن نميز بين أمرين: أن نستخلص من هذه الآيات توجهًا معرفيًا يشجع على النظر في انتظام العالم، وأن نزعم أنها تتضمن، بصورة مسبقة، قوانين الفيزياء أو نظريات البيولوجيا الحديثة. فالأول هو مقاربة تفسيرية يمكن مناقشتها والدفاع عنها، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة مستقلة لا يوفرها مجرد التشابه بين التعبير القرآني والمصطلح العلمي.
والآن، إذا كان من الضروري نقد مشروع الإعجاز العلمي، فليس من الضروري، ولا من المنهجية في شيء، أن ننتهي من هذا النقد إلى نفي إمكان وجود سبق معرفي أو علمي في القرآن. فالمسألة لا ينبغي أن تُحسم سلفًا: لا بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق. غير أن إثبات السبق العلمي يقتضي شروطًا أشد صرامة بكثير من تلك التي اعتمدتها غالبية المحاولات الشائعة في مجال ما يسمى بـ “الاعجاز العلمي”. فليس كافيًا أن نجد عبارة قرآنية يمكن أن نقرأها اليوم قراءة منسجمة مع حقيقة علمية. بل ينبغي أن نسأل: هل تدل العبارة على هذه الحقيقة دلالة واضحة من داخل لغتها وسياقها؟ وهل كانت هذه المعرفة غائبة فعلًا عن البيئة المعرفية التي ظهر فيها النص القرآني؟ وهل كان بالإمكان استنباطها من هذا النص قبل أن يكشفها العلم الحديث؟ وهل يتعلق الأمر بحقيقة راسخة أم بفرضية لا تزال موضع بحث؟
ولعل المعيار الأخير الذي ينبغي إضافته إلى هذه المعايير هو أن تكون الدعوى قابلة للمراجعة النقدية، لا أن تتحول إلى اعتقاد محصّن ضد الاعتراض لمجرد نسبته إلى القرآن!
ومن هنا يمكننا أن نميز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما اختلطت في خطاب الإعجاز العلمي: التوافق بين النص والمعرفة العلمية، والسبق المعرفي الذي يتضمن تقريرًا لمعلومة غير متاحة في سياقها التاريخي، والسبق العلمي بالمعنى الأدق الذي يقتضي وجود معرفة محددة بظاهرة طبيعية يمكن التحقق منها استقلالًا. فليس كل توافق سبقًا، وليس كل سبق معرفي اكتشافًا علميًا.
ولعل في هذا التمييز ما يفتح الباب أمام دراسة جادة لما يمكن أن يتضمنه القرآن من معارف عن العالم والإنسان، من دون أن نكرر الخطأ الذي وقع فيه من حاولوا أن يجدوا في كل اكتشاف علمي جديد آية تنتظر أن يُكشف معناها. بل إن المنهج الأكثر انضباطًا يقتضي أن نبدأ من النص القرآني، وأن نحدد ما يقوله قبل أن نعرف ما نريد منه أن يقوله، ثم نبحث في إمكان إخضاع الدلالة المستخلصة منه للمقارنة مع المعرفة العلمية والتاريخية. وإذا لم نجد ما يكفي لإثبات السبق، فلا ينبغي أن نعد ذلك انتقاصًا من القرآن؛ لأن قيمة القرآن المعرفية ليست مرهونة بإثبات أنه موسوعة للاكتشافات العلمية.
ولعل من أكثر النتائج دلالةً معرفية لتحرير العلاقة بين القرآن والعلم من هيمنة نموذج الإعجاز العلمي أننا نستطيع عندئذ أن نتعامل مع القرآن بوصفه مصدرًا محتملًا لأسئلة معرفية تستحق البحث، لا مجرد نص نعود إليه بعد أن يكتشف العلماء شيئًا لنعلن أنه كان القرآن قد أخبرنا به.
وهذا تحول ذو قيمة معرفية بالغة. فبدلًا من أن ننتظر ظهور نظرية علمية جديدة ثم نبحث عن آية تتوافق معها، يمكننا أن نتساءل عما إذا كانت بعض الإشارات القرآنية تثير أسئلة لم نولها الاهتمام الكافي، أو تدعونا إلى إعادة النظر في افتراضات ألفنا التعامل معها بوصفها بديهيات! ولا يعني ذلك أن كل سؤال يستلهمه الباحث من القرآن سيكون سؤالًا علميًا، أو أن كل فرضية مستوحاة منه ستكون صحيحة. فالعلم لا يعترف بصحة الفرضيات استنادًا إلى مصدر الإلهام الذي أنتجها، وإنما استنادًا إلى قدرتها على التفسير والاختبار ومواجهة الأدلة. ولكن تاريخ النشاط العلمي نفسه يبين أن مصادر الإلهام التي تقود إلى صياغة الأسئلة والفرضيات ليست مضطرة إلى أن تكون علمية بالمعنى الاصطلاحي. فقد تبدأ الفكرة العلمية من تأمل فلسفي، أو ملاحظة عابرة، أو تصور ذهني، ثم لا تكتسب صفتها العلمية إلا حين تُصاغ بصورة تسمح باختبارها.
وهنا لابد من أن نسأل: ولماذا لا يكون القرآن، للباحث الذي يؤمن به، واحدًا من المصادر التي يستلهم منها أسئلة جديدة عن العالم؟ إن الفارق الجوهري هنا أن القرآن لا يُستدعى ليحسم مسبقًا نتيجة البحث، وإنما ليساعد على توسعة أفقه.
وبذلك لا يعود العالِم مطالبًا بأن يثبت صحة فرضية لأنها مستوحاة من آية، بل يصبح مطالبًا بأن يختبرها بالوسائل نفسها التي يختبر بها سائر الفرضيات.
وهذه، في تقديري، علاقة أكثر خصوبة بين القرآن والعلم من العلاقة التي لا ترى في الاكتشاف العلمي إلا فرصة جديدة للإعلان عن إعجاز قرآني.
لعل العلاقة الأعمق بين القرآن والعلم لا تكمن في ما يخبرنا به القرآن عن ظواهر العالم فحسب، وإنما في ما يمكن أن نستخلصه منه بشأن الإنسان الذي يحاول معرفة هذا العالَم. فالقرآن لا يخاطب عقلًا مجردًا، ولا يفترض أن الإنسان كائن معرفي محصّن ضد الخطأ والانحياز، وإنما يقدم صورة مركبة لإنسان قد تؤثر في أحكامه ورغباته ومخاوفه ومعتقداته السابقة وما ألفه من تصورات.
يقول الله تعالى في قرآنه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: 36). كما ويقول أيضاً: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).
إن هذه الآيات، وإن وردت في سياقات قرآنية مخصوصة، تتيح لنا أن نستخلص منها جملة من المبادئ المعرفية مفادها: عدم الجزم بما لا نملك عليه دليلًا، والتمييز بين الظن والمعرفة، والاعتراف بحدود ما نعلم.
وهذه ليست نظريات علمية، لكنها ضوابط إبستمولوجية يمكن أن تكون ذات صلة وثيقة بالسلوك العلمي الرشيد. بل لعل من المفارقات أن كثيرًا من المحاولات التي ادعت الدفاع عن القرآن بالإعجاز العلمي قد وقعت فيما يمكن أن نستخلص من هذه الآيات ضرورة الحذر منه. إذ انتقلت من التشابه المحتمل إلى اليقين القاطع، ومن التأويل الممكن إلى الجزم بأن النص قد قرر حقيقة علمية بعينها.
وهكذا يصبح القرآن، من منظور معرفي، قادرًا على مساءلة المنهج الذي يدّعي الانتصار له!
وهنا يتجلى شكل آخر من الحضور المعرفي للقرآن، وهو حضور لا يقوم على منافسة المختبر في اكتشاف الظواهر، وإنما على مساءلة الإنسان الذي يدخل المختبر، وعلى تذكيره بأن امتلاك أدوات المعرفة لا يعصمه من إساءة استخدامها أو من المبالغة في ما تسمح له نتائجه باستنتاجه!
قد يبدو أن الحل الأسهل للإشكالات التي أثارها مشروع الإعجاز العلمي هو الفصل التام بين القرآن والعلم، بحيث يُترك للعلم تفسير الظواهر الطبيعية، وتقتصر الاستفادة من القرآن على مسائل الإيمان والأخلاق والعبادة.
غير أن هذا الفصل، على ما يبدو عليه من قدرة على تجنب التعارض، قد يكون هو الآخر تبسيطًا لعلاقة أكثر تعقيدًا. فالقرآن نفسه يتحدث عن العالم الطبيعي، وعن الإنسان، وعن الحياة والموت، وعن نشأة الموجودات، وعن انتظام الظواهر. ومن ثم لا يمكن تجاهل إمكان وجود تقاطع بين بعض موضوعاته وبين ما تتناوله العلوم. ولكن وجود هذا التقاطع لا يعني أن الطرفين يتحدثان دائمًا باللغة نفسها، أو يسعيان إلى الإجابة عن الأسئلة نفسها. فقد تتناول الآية القرآنية ظاهرة طبيعية بغرض الاستدلال على قدرة الله، بينما يتناولها العالِم بغرض تفسير آليتها الفيزيائية. وقد يكون الموضوع واحدًا، ولكن مستوى السؤال مختلفًا.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين موضوع المعرفة وطبيعة الادعاء المعرفي بشأنه. فحين يقدم العلم تفسيرًا لآلية حدوث ظاهرة، فإنه لا يكون بالضرورة قد أجاب عن كل الأسئلة الفلسفية والوجودية المتعلقة بها. وحين يذكر القرآن الظاهرة في سياق ديني أو معرفي، لا يكون قد قدم بالضرورة تفسيرًا تجريبيًا لآليتها. ولذلك فإن العلاقة الممكنة بين القرآن والعلم ليست مضطرة إلى أن تكون علاقة تطابق، كما أنها ليست مضطرة إلى أن تكون علاقة انفصال كامل! بل قد تكون علاقة تكامل في بعض المستويات، أو حوار في مستويات أخرى، أو تقاطع قابل للفحص حين يتضمن النص ادعاءً يتعلق بالعالَم الطبيعي. ولكن هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مثمرة إلا إذا احترمنا الفارق بين ما يقوله النص فعلًا وما نستنتجه نحن منه، وبين ما أثبته العلم وما لا يزال يبحث فيه.
لعل الوقت قد حان لكي نتوقف عن التعامل مع الإعجاز العلمي بوصفه الممثل الحصري للعلاقة بين القرآن والعلم. فإذا كانت التجارب السابقة قد كشفت عن إخفاقات منهجية واسعة في هذا المشروع، فإن الاستنتاج الذي ينبغي أن نخرج به ليس مفاده أن العلاقة بين القرآن والعلم مستحيلة، وإنما أن الصيغة التي حاولت احتكار تمثيل هذه العلاقة كانت أضيق من أن تستوعب إمكاناتها الكامنة.
ولعلنا نستطيع، في ضوء ما تقدم، أن نتحدث عن أربع صيغ أساسية لهذا الحضور المعرفي: حضور منهجي، يتمثل في الدعوة إلى النظر والاستقصاء وإعمال العقل والبحث في انتظام الظواهر. وحضور إبستمولوجي، يتمثل في الضوابط التي يمكن استخلاصها من القرآن بشأن المعرفة وحدودها، والتمييز بين العلم والظن، ومسؤولية الإنسان عن أحكامه. وحضور استكشافي، يتمثل في إمكان استلهام أسئلة وفرضيات جديدة من بعض الإشارات القرآنية، على أن تظل خاضعة لمعايير البحث العلمي المستقلة. وحضور معرفي سابق، يمكن بحثه في المواضع التي يُحتمل أن يتضمن فيها النص معلومات عن العالم لم تكن متاحة في سياق ظهوره، بشرط إخضاع دعاوى السبق لمعايير لغوية وتاريخية وعلمية صارمة.
وهذه الصيغ ليست بالضرورة نهائية أو حصرية، وإنما هي محاولة أولية لتحرير العلاقة بين القرآن والعلم من نموذج واحد استنفد كثيرًا من طاقته في البحث عن تطابقات لا تكفي لإثبات ما يُراد لها أن تثبته!
ولعل أهم ما في هذا التحرير أنه يعيد إلى القرآن استقلاله المعرفي، ويعيد إلى العلم استقلاله المنهجي، من دون أن يفرض على المؤمن بأحدهما أن يتعامل مع الآخر بوصفه خصمًا. فليس مطلوبًا من العلم أن يتحول إلى أداة لإثبات صحة القرآن، كما أنه ليس مطلوبًا من القرآن أن يتحول إلى كتاب تنبؤات علمية ننتظر المختبرات كي تكشف لنا معانيه. وإنما المطلوب أن نبحث، بعقل منفتح ومنهج منضبط، عن طبيعة العلاقة الممكنة بين خطاب قرآني يدعو الإنسان إلى النظر في العالم، ونشاط علمي جعل من النظر المنهجي في هذا العالم أساسًا لتراكم المعرفة البشرية.
ولعل المفارقة الأخيرة التي ينبغي أن نتأملها، في هذا السياق، هي أن مشروع الإعجاز العلمي، وهو يسعى إلى إثبات أن القرآن قد سبق العلم إلى نتائجه، ربما صرف أنظارنا عن إمكانية أبلغ قيمة معرفية مفادها أن يكون للقرآن ما يقدمه للنشاط المعرفي الإنساني قبل الوصول إلى النتائج، لا بعد الوصول إليها فحسب!.
فقد لا تكون القيمة المعرفية الأعمق للقرآن في أن نكتشف، بعد قرون، أن آية منه توافق ما انتهى إليه العلماء، وإنما في أن نقرأه قراءة تجعلنا نطرح أسئلة لم نكن لنطرحها لولاه، ونراجع افتراضات لم نكن لنشك فيها، وننظر إلى العالَم بعقل أكثر وعيًا بحدود معرفته وبما ينبغي له أن يبذله من جهد في سبيل توسيعها.
وحينئذ لن يعود السؤال: أين ذكر القرآن هذا الاكتشاف العلمي؟ بل سيصبح: كيف يمكن أن يعيننا القرآن على أن نعرف، وأن نفكر، وأن نبحث، وأن نميز بين ما نعرفه حقًا وما نتوهم أننا نعرفه؟
وربما كان هذا السؤال الأخير هو المدخل الأمثل إلى علاقة معرفية بين القرآن والعلم لم نستكشف إمكاناتها بعد.

اترك تعليقًا