منهجٌ عابر للتخصصات… كيف علمني طبيبٌ فرنسيٌّ من القرن التاسع عشر كيف أفكر في فيزياء الجسيمات الأولية؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك برزخاً ًواسعاً يفصل بين عالم الطب المنهجي ومختبرات الأحياء في القرن التاسع عشر، وبين عالم فيزياء الجسيمات الأولية والطاقات العالية في العصر الحديث. فالأول يتعامل مع أنسجة حية، وسوائل بيولوجية، وكائنات معقدة؛ بينما يتعامل الثاني مع مكونات المادة دون الذرية، ومسرعات الجسيمات، وقوانين الكم وميكانيكا التناظر.
لكن تجاربي البحثية أثبتت لي أن الحدود بين العلوم ليست سوى خطوط وهمية نرسمها لسهولة التنظيم الأكاديمي، وأن روح المنهج العلمي الصارم لا تتغير بتغير موضوع البحث. لقد كان كتاب “مدخل إلى دراسة الطب التجريبي” للطبيب الفرنسي كلود برنار هو البوابة التي فتحت لي أفقاً جديداً في كيفية صياغة وتطوير منهج بحثي صلابته لا تقل عن القوانين التي تحكم المادة نفسها.
من أعمق الأفكار التي غرسها كلود برنار في كتاباته، هي أن “الملاحظة تمنح الباحث الفكرة، والفرضية توجه التجربة، والتجربة تختبر الفكرة”. فمن وجه نظر باحث فيزيائي يدرس الجسيمات الأولية والطاقات العالية، حيث نراقب انحرافات ضئيلة جداً في كاشفات الجسيمات أو شذوذاً في البيانات الإحصائية بين مليارات التصادمات، فإن هذا التمييز كان حاسماً.
ولقد تعلّمت من برنار أن البيانات الصماء لا تعني شيئاً بدون “فرضية ذكية” توثق المسار. فالجسيمات المشحونة لا تفصح عن طبيعتها بنفسها، بل نرى أثرها لأننا نصمم التجربة بناءً على حدس منهجي وفرضية مسبقة، تماماً كما كان برنار يعزل المتغيرات البيولوجية في تجاربه وقياساته.
وحين ناضل كلود برنار لإثبات أن الظاهرة الحية تخضع لحتمية علمية يمكن قياسها وتكرارها، فإنه كان يحارب التفسيرات الحيوية الغامضة. وفي فيزياء الطاقات العالية، نواجه أحياناً ظواهر تبدو للوهلة الأولى عصية على الفهم أو غير متوقعة في نواتج التصادم. هنا، كانت “حتمية برنار المنهجية” تسعفني دائماً؛ إذ لا توجد عشوائية بلا سبب، بل يوجد نقص في المتغيرات الضابطة أو فهم غير مكتمل للشروط الابتدائية.
كما أن مفهوم “البيئة الداخلية” عند برنار يوازي في عمقه مفهوم “الأنظمة المغلقة وقوانين الحفظ” (مثل حفظ الطاقة والزخم والشحنة) في الفيزياء؛ فكلما ضبطت بيئة التجربة وعزلت المؤثرات الخارجية، كلما كانت النتيجة قاطعة ونقية.
ولقد كان كلود برنار يكرر دائماً في كتابه آنف الذكر، عبارة مركزية مفادها: “إذا تعارضت الفكرة مع التجربة، فعليك أن تتخلّى عن الفكرة، حتى لو كانت صادرة عن أعظم الأدمغة”! ففي مجال فيزياء الجسيمات، حيث تطارد النظريات الأنيقة (مثل التناظر الفائق أو أبعاد الأبعاد الممتدة) التأكيد التجريبي، قد يقع الباحث في فخ “التعصب للنظرية”. علمني برنار التواضع المعرفي أمام النتيجة التجريبية؛ فالمسرّع أو الكاشف هو الحكم النهائي، والتجربة الصارمة هي الخبير الوحيد الذي يملك حق نقض أجمل المعادلات النظرية!
إن تجربتي الشخصية مع كتاب كلود برنار أعادت لذهني حقيقة أن المعرفة الإنسانية شجرة واحدة ذات أغصان متعددة. فأنا لم أقرأ الكتاب لأتعلم كيف أقوم بتشريح أجنّة أو أقيس أداء العضلات، بل قرأته لأتعلم كيف يفكر العلماء. فالمنهج العلمي ليس ملكاً للبيولوجيا، ولا للفيزياء، ولا للكيمياء؛ بل هو طريقة في رؤية العالم والتثبت من حقيقته. ولعل هذا بالذات هو السر الذي جعل كتاباً في “الطب التجريبي” يصنع فارقاً جوهرياً في مسار باحث في “فيزياء الجسيمات الأولية”، ليظل شاهداً على أن الفكر العلمي الأصيل لا يحده تخصص ولا يبليه زمان.

اترك تعليقًا