على مدى قرون طويله، وقع الفكر الإنساني في أسر الوهم الأفلاطوني، مفترضاً أن الكائنات الرياضية تقطن عوالماً أزلية مستقلة عن الوعي، وأن الرياضي ليس سوى منقبٍ يحفر في صخور الغيب ليكتشف حقائق جاهزة. غير أن التمحيص النقدي يجلّي الحقيقة العارية التي مفادها أن الكائنات الرياضية ليست سوى مخترعات ذهنية خالصة، صاغها الخيال الإنساني ببراعة فائقة، ليغرق في سحرها وفتنتها إلى الحد الذي بات فيه من الصعب التحرر منها إلا بشق الأنفس.
وهنا لابد وأن نستذكر الإنجاز الفكري المتميز الذي تجلى في ما قام به عالم الرياضيات الألماني إرنست زميريدي، وذلك حين نتأمل المحطات التأسيسية لأسس علم الرياضيات التي فصلها هذا العالِم بحديثه الذي تمخض عن بديهياته التي سعت لإنقاذ الرياضيات من انهيار المفارقات. فـ “مبرهنة الترتيب الحسن” وبديهية الاختيار لا تقدم كائنات عينية محسوسة، بل تفرض بنى تجريدية فائقة التعقيد على مجموعات لامتناهية تعجز الحواس والحدس البشري عن إدراكها. وهنا يبلغ “السحر الرياضي” ذروته؛ إذ يبني العقل أنساقاً مغلقة متسقة داخلياً، ويقيم صرحاً من اليقين الصارم، معتقداً أنه يلمس جوهر الكون، بينما هو في الواقع يتأمل مرآة إبداعه الخاص! فالانحياز إلى البنائية الرياضية واعتبار هذه العوالم مخترعات عقلية، يحررنا من وهم التبعية لكائنات مفارقة، لكنه يضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال الحقيقة خارج هذه الأروقة الآمنة. فالرياضيات، بهذا المعنى، هي محاولة الهروب العذبة التي يبتكرها العقل ليحتمي بها من فوضى الواقع؛ حيث أنها تمثل جزيرة أمان منيعة من الاتساق المطلق. غير أن الحقيقة، بمعناها الأعمق والتجذري، ترفض الانصياع لقوالب المعادلات!
وهنا لابد من التذكير بالحقيقة التي لا ينبغي ان نتهرب من الإقرار بها، والمتمثلة بأنه خارج أسوار النسق الرياضي المغلق، تطل الحقيقة برأسها المتشعب لا بوصفها قالباً منطقياً مستنبتاً، بل باعتبارها لقاءً تصادمياً ومأساوياً مع الوجود المعيش؛ فهي تتجلى في هشاشة التاريخ، وفي قسوة الفقد، وفي أعماق التجربة الإنسانية التي لا تروّضها الجبريات. وحين ندرك أن الرياضيات إبداع بشري استثنائي سَحرنا بكماله، نتحرر في الوقت ذاته لنعانق حقيقة أرحب وأكثر عمقاً، تقف خارج شباك الأرقام، وتنتظرنا في رحابة المجهول الإنساني.

