
ثمة فرق جوهري بين أن نكون بإزاء كائن حي أصابه اعتلال في بعض وظائفه البيولوجية، وبين أن نكون بإزاء نوع بأكمله أصبح يحمل، في بنيته النفسية والمعرفية والسلوكية، آثار تحول تطوري استثنائي، لم تقتصر نتائجه على أفراد بعينهم، وإنما امتدت لتشمل النوع قاطبة، حتى غدا من المتعذر فهم ما آل إليه هذا النوع دون استحضار ذلك التحول الذي اعترى مسيرته التطورية.
ولعل هذا التمييز هو ما ينبغي أن نستحضره ونحن نحاول فهم الطبيعة البشرية، وما تنطوي عليه من تناقضات يصعب حصرها، فضلاً عن العثور على علة واحدة تجمع بينها وتفسر اجتماعها في كائن واحد. فالإنسان، هذا الكائن الذي استطاع أن يحقق من الإنجازات المعرفية والتقنية ما جعله يتبوأ مكانة استثنائية بين الكائنات الحية، هو نفسه الذي لا يكاد يتوقف عن الإتيان بما يناقض مقتضيات هذه الإنجازات، حتى ليبدو وكأن قدراته قد تجاوزت، في كثير من الأحيان، حدود ما تستطيع منظومته النفسية أن تضبطه من آثارها!
وإذا كان من الممكن تفسير بعض هذه التناقضات بالاستناد إلى اعتلالات فردية، أو اضطرابات نفسية، أو ظروف اجتماعية وتاريخية، فإن السؤال الذي يظل قائماً هو: كيف نفسر اجتماع هذا القدر من التناقضات في الطبيعة البشرية نفسها، واستمرار ظهورها في مجتمعات متباعدة، وعصور مختلفة، وبيئات ثقافية لا يجمع بينها سوى انتمائها إلى النوع الإنساني؟
أليس من المشروع، والحال هذه، أن نتساءل عما إذا كنا نبحث عن العلة في غير موضعها، حين ننشغل بتفسير الاعتلالات الفردية، بينما قد تكون الظاهرة الأعمق كامنة في تحول تطوري شمل النوع بأسره؟!
والآن، لنبدأ بمفهوم الاعتلال التطوري. فالاعتلال، بالمعنى الذي نستخدمه هنا، يشير إلى اختلال يطرأ على خاصية أو وظيفة أو منظومة من الوظائف لدى كائن حي، ويؤثر في قدرته على أداء بعض ما تقتضيه حياته البيولوجية. وقد يكون هذا الاعتلال وراثياً أو نمائياً، وقد يتصل بظروف بيئية، أو ينشأ عن تفاعل عوامل متعددة. ولكن ما يميز الاعتلال، من حيث المبدأ، هو إمكان النظر إليه بوصفه حالة يمكن مقارنتها بحالات أخرى لا يظهر فيها الاختلال ذاته. فحين نقول إن وظيفة بيولوجية قد اعتلَّت، فإننا نفترض وجود معيار وظيفي يتيح لنا التعرف إلى ذلك الاعتلال، سواء أكان هذا المعيار مستمداً من المقارنة بين أفراد النوع الواحد، أم من دراسة الوظيفة ذاتها وآثار اضطرابها.
وهذا يعني أن الاعتلال، مهما بلغت خطورته، لا يستلزم بالضرورة إعادة النظر في التاريخ التطوري للنوع الذي ظهر فيه. فقد يصاب أفراد من نوع معين باعتلالات شديدة، دون أن يترتب على ذلك أن يصبح النوع كله ظاهرة تطورية جديدة. أما إذا كنا بإزاء تحول أصبح جزءاً من البنية المشتركة لأفراد النوع، فإن الحديث عن اعتلال بالمعنى الفردي المعتاد قد لا يعود كافياً لتوصيف ما حدث.
وهنا يبدأ افتراق مفهوم الاعتلال التطوري عن مفهوم الوباء التطوري.
إذا كان الاعتلال يشير إلى اختلال يمكن تحديده بمقارنته بما لا يعاني منه، فإن الوباء التطوري، وفق الفرضية التي نقترحها، يشير إلى تحول بلغ من الشمول ما جعل آثاره جزءاً من الخصائص المشتركة للنوع الذي أصابه.
وبهذا المعنى، لا يكون الوباء مجرد اعتلال أصاب أعداداً كبيرة من الأفراد، وإنما تحولاً نوعياً في البنية التطورية نفسها. فالاعتلال يمكن أن يكون استثناءً داخل النوع، أما الوباء التطوري فقد يصبح، بعد استقراره وانتشاره، جزءاً مما نعدّه الطبيعة المعتادة لذلك النوع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فحين تصبح آثار التحول التطوري شاملة لجميع أفراد النوع، أو للمنظومة التي يشتركون فيها، فإننا نفقد، إلى حد بعيد، إمكانية الاستدلال على استثنائيتها من خلال المقارنة بين أفراد النوع الواحد. ذلك أن ما ينبغي أن يكون موضوعاً للتفسير يصبح هو نفسه المعيار الذي نقيس به ما نعدّه طبيعياً!
ومن هنا، فإن واحدة من أبرز الصعوبات التي تواجه دراسة النفس البشرية قد لا تتمثل في تعقيدها وحده، وإنما في أننا اعتدنا اتخاذ خصائصها المشتركة معياراً للطبيعة الإنسانية، دون أن نتساءل بما يكفي عما إذا كانت هذه الخصائص قد نشأت في سياق انعطافة استثنائية تستوجب تفسيراً مستقلاً.
ولذلك فإن مفهوم الوباء التطوري يختلف عن مفهوم الاعتلال، ليس في درجة الانتشار فحسب، وإنما في طبيعة السؤال الذي يطرحه. فالاعتلال يدفعنا إلى التساؤل عما أصاب هذا الفرد أو تلك الجماعة. أما الوباء التطوري فيدفعنا إلى التساؤل عما أصاب المسار التطوري الذي أفضى إلى ظهور النوع بأسره.
في إطار الميتابايولوجيا، تكتسب فرضية الانعطافة التطورية الأولى قيمتها المعرفية من كونها تحاول أن تقدم تفسيراً جامعاً لما يتميز به الإنسان من خصائص لا يبدو من اليسير ردها جميعاً إلى وظائفها التطورية السابقة.
فليس المقصود أن الإنسان قد خرج من التاريخ الطبيعي للحياة، أو أنه أصبح كائناً منفصلاً عن أسلافه البيولوجيين. وإنما المقصود أن مسيرة نشوئه وارتقائه ربما شهدت تحولاً استثنائياً ترتبت عليه إعادة تشكيل العلاقة بين قدراته الإدراكية ودوافعه الغريزية ومنظومته السلوكية.
وهنا ينبغي أن نميز بين الانعطافة والوباء. فالانعطافة التطورية الأولى تمثل، في الفرضية المقترحة، الحدث أو المسار التحولي الذي أفضى إلى نشوء منظومة جديدة من الخصائص، أما الوباء التطوري فيمثل الحالة البنيوية الشاملة التي ترتبت على ذلك التحول واستمرت آثاره من خلالها.
وبهذا التمييز لا يعود المفهومان مترادفين. فالانعطافة تجيب عن سؤال: ما الذي حدث في المسيرة التطورية للإنسان؟ أما الوباء فيجيب عن سؤال آخر: كيف أصبح ما حدث علة مستمرة التأثير في النوع الإنساني قاطبة؟
ولعل هذا هو ما يمنح مفهوم الوباء قدرة تفسيرية أوسع من مفهوم الاعتلال، وذلك لأنه لا يكتفي بالإشارة إلى وجود خلل وظيفي، وإنما يحاول تفسير الكيفية التي أصبحت بها نتائج الانعطافة جزءاً من البنية التي تنتج السلوك البشري وتعيد إنتاجه.
والآن، إذا ما استحضرنا ما أطلقنا عليه فائض التمثّل وفائض العدوان وفائض الجنس، أمكن لنا أن ندرك لماذا لا يكفي النظر إلى كل منها بوصفه اعتلالاً مستقلاً.
ففائض التمثّل لا يظهر لدى الإنسان في صورة اضطراب معرفي محدود، وإنما يتجلى في قدرة واسعة على إنتاج التصورات الذهنية، وإقامة العلاقات بينها، وتشييد عوالم رمزية قد تتجاوز الواقع الذي نشأت القدرة على تمثله.
وفائض العدوان لا يقتصر على حالات من السلوك العدواني المرضي، وإنما يتجلى في قدرة الإنسان على تحويل العدوان إلى مشروع جماعي، وإلى منظومة قيمية ومؤسساتية، وإلى ممارسة قد تستقل عن الوظائف الدفاعية والتنافسية التي نعرفها لدى الكائنات الأخرى.
أما فائض الجنس، فلا يقتصر على الاضطرابات الجنسية الفردية، وإنما يتجلى في اتساع العالم النفسي والرمزي والاجتماعي الذي أصبحت الرغبة الجنسية جزءاً منه، وفي قدرتها على التداخل مع دوافع الاستحواذ والهيمنة والتنافس.
وليس في وجود هذه الخصائص، كل على حدة، ما يكفي لإثبات وقوع انعطافة تطورية استثنائية. ولكن ما يستحق التأمل هو اجتماعها في منظومة واحدة، وتفاعلها بصورة تجعل من الصعوبة فصل آثار إحداها عن آثار الأخريين.
ففائض التمثّل يستطيع أن يمنح العدوان مبرراته، وأن يجعل من الرغبة الجنسية موضوعاً لتمثلات لا حصر لها.
وفائض العدوان يستطيع أن يحوّل التمثلات إلى موضوع للصراع، وأن يجعل من الرغبة الجنسية وسيلة للهيمنة.
أما فائض الجنس، فيستطيع أن يستثير منظومات التمثّل والعدوان، وأن يدخل معهما في علاقات معقدة تتجاوز الوظائف البيولوجية المباشرة.
وهكذا لا نكون بإزاء ثلاثة اعتلالات منفصلة، وإنما بإزاء ثلاثة مظاهر محتملة لمنظومة تطورية واحدة. ومن هنا تنشأ فرضية أن الوباء التطوري، وليس الاعتلالات الفردية، هو ما ينبغي البحث فيه بوصفه العلة الجامعة التي تفسر اجتماع هذه الفوائض وتفاعلها.
والآن، أرى أنه من الضروري ان نتساءل عن العلة من وراء عدم تخلص الإنسان من آثار هذا الوباء؟ فقد يبدو هذا السؤال محرجاً للفرضية التي أقترحها. فإذا كان الوباء التطوري قد أفضى إلى منظومة من الخصائص التي تجعل الإنسان أكثر استعداداً لتقويض شروط بقائه، فلماذا لم تعمل آليات الانتقاء الطبيعي على استبعاد هذه الخصائص؟!
ولعل الإجابة تبدأ من ضرورة التحرر من تصور شائع يجعل الانتقاء الطبيعي قوة تتولى تخليص الكائنات الحية من كل ما يضرها. فالانتقاء الطبيعي لا يعمل وفق معيار أخلاقي أو غاية بعيدة المدى، ولا يستبعد بالضرورة كل خاصية تنطوي على تكاليف. فقد تستمر خاصية معينة إذا كانت منافعها الإنجابية في ظروف محددة تفوق تكاليفها، وقد ترتبط خصائص نافعة بأخرى مكلفة، وقد تتغير البيئة بصورة تجعل ما كان مفيداً في الماضي يصبح مصدراً للمشكلات في الحاضر. وعليه، فإن استمرار الفوائض الثلاثة، إذا ثبت وجودها بالمعنى الذي نفترضه، لا يمثل في ذاته دليلاً على أن الطبيعة قد أخفقت في تصحيح خطأ تطوري. ولكنه يفتح الباب أمام سؤال أكثر تحديداً مفاده: هل يمكن أن تكون هذه الفوائض قد اقترنت بقدرات منحت الإنسان مزايا تكيفية كبيرة، في الوقت الذي أفضت فيه إلى نتائج نفسية واجتماعية مدمرة؟
ففائض التمثّل، مثلاً، قد يكون قد أتاح للإنسان قدرة استثنائية على التخطيط والتوقع والابتكار، بينما منحه أيضاً القدرة على إنتاج الأوهام والتعصب لها! وفائض العدوان قد يكون قد اقترن بقدرات على المنافسة والدفاع وتنظيم الصراع، بينما أتاح أيضاً إمكانات للتدمير تتجاوز مقتضيات هذه الوظائف! وبذلك لا تكون المفارقة أن خصائص مكلفة قد استمرت رغم الانتقاء الطبيعي، وإنما أن الخصائص نفسها ربما جمعت بين منافع تطورية كبيرة وتكاليف وجودية هائلة.
ثمة خاصية أخرى تجعل مفهوم الوباء التطوري، وفق تصورنا، أكثر ملاءمة من مفهوم الاعتلال لفهم الظاهرة البشرية. وتتمثل هذه الخاصية في قدرة الإنسان على إعادة إنتاج الآثار النفسية والسلوكية للمنظومة التي ورثها، ليس عن طريق الوراثة البيولوجية وحدها، وإنما عن طريق الثقافة والتنشئة والتعليم والمؤسسات. فالإنسان لا يولد حاملاً منظومة مكتملة من المعتقدات والأوهام والمواقف العدوانية، ولكنه يولد مزوداً بقدرات واستعدادات تتيح له اكتسابها وإنتاج المزيد منها. ومن خلال التفاعل الاجتماعي، تتحول بعض هذه الاستعدادات إلى أنماط جماعية، ثم إلى منظومات ثقافية وقيمية تنتقل بين الأجيال. وهكذا يصبح ما نفترض أنه أثر لانعطافة تطورية قديمة قادراً على إنتاج آثار جديدة لا تتوقف عند الحدود البيولوجية للنوع. فقد تتحول القدرة على التمثّل إلى منظومات فكرية مغلقة، وتتحول النزعة العدوانية إلى مؤسسات للصراع، وتتحول الرغبات والدوافع الجنسية إلى علاقات اجتماعية معقدة تعيد تشكيل حياة الأفراد والجماعات.
وعندئذ لا يكون الوباء التطوري مجرد حدث وقع في الماضي، وإنما حالة مستمرة تتجدد آثارها عبر التاريخ.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى فارق بالغ الدلالة: إن انتقال الأفكار والسلوكيات اجتماعياً لا يثبت، في ذاته، أن أصلها يعود إلى وباء تطوري. ولكنه يمثل، إذا ثبتت الفرضية الأصلية، إحدى الآليات التي يمكن أن تفسر استمرار آثار ذلك الوباء واتساعها.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر دلالة معرفية في هذه المقاربة: هل يستطيع الوباء التطوري أن يتحمل المسؤولية منفرداً؟
إذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أفضت إلى نشوء منظومة الفوائض الثلاثة، وإذا كانت هذه المنظومة قد أصبحت جزءاً من الطبيعة البشرية المشتركة، فهل يمكن أن نعد الوباء التطوري العلة التي تتحمل، منفردة، المسؤولية عما آل إليه النوع الإنساني؟
يمكن لهذه الفرضية أن تمنح الوباء مكانة العلة البنيوية الجامعة، ولكن علينا أن نميز بين وحدة الأصل التفسيري وتعدد الأسباب المباشرة. فالحروب، والتعصب، والأوهام، والتناقضات النفسية، والصراعات الاجتماعية، لا تنشأ جميعاً عن سبب مباشر واحد. إذ تتدخل في نشوئها عوامل تاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية وبيئية متعددة. غير أن تعدد هذه العوامل لا يمنع، من حيث المبدأ، أن تكون هناك بنية نفسية تطورية مشتركة تجعل الإنسان مستعداً لإنتاج هذه الظواهر في ظروف مختلفة. وبهذا المعنى، يمكن أن نقترح أن الوباء التطوري يمثل العلة المؤسسة للاستعدادات التي تجعل هذه الظواهر ممكنة، بينما تمثل الظروف التاريخية والاجتماعية العوامل التي تحدد صور ظهورها ودرجاتها. غير أن إثبات مسؤوليته المنفردة عن مجمل ما آل إليه النوع الإنساني يستلزم أكثر من إظهار قدرته على استيعاب هذه الظواهر في إطار تفسيري واحد؛ إذ ينبغي البرهنة على أنه يقدم تفسيراً لا تستطيع النماذج المنافسة تقديمه بالكفاءة نفسها.
وهذا هو التحدي المعرفي الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه مشروع الميتابايولوجيا.
لعل أعظم ما تنطوي عليه فرضية الوباء التطوري من دلالة هو أنها تدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الطبيعة البشرية نفسه. فما اعتدنا وصفه بأنه طبيعة الإنسان قد لا يكون، وفق هذه الفرضية، مجرد حصيلة متجانسة لمسيرة تطورية متصلة، وإنما حصيلة انعطافة استثنائية أعادت تشكيل العلاقة بين قدراته ودوافعه وسلوكياته.
وعندئذ لا يعود السؤال متعلقاً بسبب إصابة بعض البشر باعتلالات نفسية أو سلوكية، وإنما بسبب اشتراك البشر جميعاً في بنية تسمح بإنتاج هذا القدر الهائل من التناقضات. فالاعتلال التطوري، مهما بلغت آثاره، يظل مفهوماً يتناول اختلالاً يمكن تمييزه داخل النوع أو في إحدى وظائفه. أما الوباء التطوري، كما نقترح فهمه، فيتناول احتمال أن يكون النوع نفسه قد أصبح حاملاً لآثار انعطافة شاملة، حتى غدت هذه الآثار جزءاً مما نطلق عليه طبيعته.
وليس معنى ذلك أن الإنسان محكوم عليه بأن يكون عدوانياً أو واهمًا أو أسيراً لرغباته، وإنما أن قدرته على إنتاج هذه الظواهر قد تكون متجذرة في البنية نفسها التي أتاحت له أعظم إنجازاته.
ولعل المفارقة الأعمق أن الإنسان استطاع أن يكتشف أمراضاً كثيرة، وأن يحدد أسبابها، وأن يبتكر الوسائل التي تعينه على الوقاية منها، ولكنه ربما لم يتساءل بالقدر الكافي عما إذا كانت بعض أبرز تناقضاته هي ليست أمراضاً طارئة أصابته، وإنما آثاراً لتحول تطوري قديم أصبح جزءاً من تكوينه.
وهكذا، فإن الفرق بين الاعتلال التطوري والوباء التطوري ليس مجرد فرق في المصطلحات، وإنما هو فرق بين مقاربتين للطبيعة البشرية:
مقاربة تبحث عن أسباب اختلالات الإنسان داخل طبيعة تفترض أنها مستقرة.
ومقاربة تتساءل عما إذا كانت هذه الطبيعة نفسها هي ما ينبغي أن يصبح موضوعاً لإعادة الفحص والتفسير.
فربما لم يكن الإنسان كائناً سوياً أصابته اعتلالات كثيرة، وإنما كائناً جعلته انعطافة تطورية استثنائية حاملاً لمنظومة من الفوائض التي أصبح اجتماعها وتفاعلها جزءاً من تعريفه التطوري ذاته.
وعندئذ يغدو السؤال الأكثر إلحاحاً هو ليس: ما الذي اعتلّ في الإنسان؟ بل: ماذا لو كان ما نسميه الطبيعة البشرية هو نفسه الأثر الأكثر شمولاً واستمراراً لذلك الوباء التطوري الذي أعقب الانعطافة التطورية الأولى؟
