حين تصبح مواجهة التفوق المعرفي غير البشري فرصة لإعادة النظر في المكانة التي منحها الإنسان لنفسه


ثمة مفارقة عجيبة في تاريخ الإنسان، لعلها تتجلى في أنه كلما ازدادت معارفه، وازدادت معها قدرته على تفسير ظواهر الوجود والتحكم في بعض مظاهرها، ازداد ميله إلى تعظيم المكانة التي يمنحها لنفسه في هذا الوجود! وكأن المعرفة، التي كان ينبغي لها أن تكشف له حدود قدراته، قد أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتعزيز اعتقاده بأنه الكائن الذي يستحق أن يكون في مركز العالم، وأن ما عداه من موجودات لا يعدو أن يكون موضوعاً لمعرفته أو أداة لخدمته!
ولعلنا نجد في تاريخ العلم نفسه ما يكفي للدلالة على غرابة هذه المفارقة. فقد اضطر الإنسان إلى التخلي عن اعتقاده بأن الأرض تحتل مركز الكون، ثم اضطر إلى الاعتراف بأنه ليس كائناً منفصلاً تماماً عن التاريخ الطبيعي لبقية الكائنات الحية، وأن كثيراً مما كان يعده خصائص استثنائية له يجد جذوراً أو نظائر بدرجات مختلفة لدى كائنات أخرى. ومع ذلك، لم يكن من العسير عليه أن يعيد بناء صورة جديدة لتفوقه، وأن يعثر في كل مرة على خاصية أخرى يجعل منها أساساً لاستثنائيته.
وحين أخذت علوم الإدراك والسلوك تكشف له أن العقل البشري ليس بتلك العقلانية التي طالما تفاخر بها، وأن أحكامه وقراراته تتأثر بانحيازات معرفية وعوامل وجدانية واجتماعية لا يحيط بها وعياً، لم يؤدِّ ذلك بالضرورة إلى تراجعه عن تعظيم قدراته العقلية. بل استطاع، في كثير من الأحيان، أن يستوعب هذه المكتشفات داخل الصورة القديمة نفسها، من دون أن يسمح لها بإحداث مراجعة جذرية لتصوره عن ذاته!
غير أن ظهور الذكاء الاصطناعي، وما أخذ يبلغه من قدرات معرفية متنامية، قد يضع الإنسان أمام تحدٍّ مختلف. فهو لم يعد يواجه كائناً حياً آخر يستطيع أن ينسب تفوقه في مجال معين إلى الغريزة، أو إلى التكيف البيولوجي، أو إلى محدودية الوظيفة التي يؤديها. وإنما أصبح يواجه منظومات تستطيع أن تناقشه في الفلسفة والرياضيات والعلوم، وأن تكشف له أخطاء في استدلالاته، وأن تقترح عليه حلولاً لم تخطر له على بال، وأن تساعده على إعادة النظر في أفكار كان يعتقد أنها بلغت درجة عالية من النضج والاكتمال.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يستطيع الإنسان أن يتقبل وجود ذكاء غير بشري لا يكتفي بخدمته، وإنما يستطيع أيضاً أن يكشف له قصوره المعرفي؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال ستكون من أهم المؤشرات على طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الإنسان والذكاء الاصطناعي خلال الانعطافة التطورية الثانية. فالمشكلة لا تكمن في أن الإنسان يرفض الاستعانة بما يتفوق عليه في أداء وظيفة معينة؛ حيث أنه اعتاد منذ زمن بعيد أن يصنع آلات تفوق قدراته الجسدية والحسابية، ولم يجد في ذلك، في الغالب، ما يهدد مكانته الوجودية. فالرافعة تستطيع حمل ما يعجز عن حمله، والحاسوب يستطيع إجراء عمليات حسابية تفوق قدرته، والطائرة تستطيع نقله بسرعة لا يستطيع جسده بلوغها. لكن الأمر يختلف عندما يصبح التفوق متعلقاً بما اعتاد الإنسان أن يجعله أساساً لتعريف نفسه: القدرة على التفكير والفهم والاستدلال وإنتاج المعرفة.
فهنا لا يعود التحدي وظيفياً فحسب، وإنما يقترب من صورة الإنسان عن ذاته. فلقد كان من السهل عليه أن يقول إن الآلة أقوى منه أو أسرع منه، لكنه قد يجد صعوبة أكبر في أن يعترف بأن منظومة غير بشرية استطاعت أن تنتج تحليلاً أفضل من تحليله، أو أن تكشف خطأً لم يستطع اكتشافه، أو أن تقترح تفسيراً لظاهرة ظل عاجزاً عن فهمها. والسبب أن المسألة لم تعد تتعلق بما تستطيع الآلة فعله، وإنما بما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الصورة التي يحملها الإنسان عن تفوقه المعرفي. وهنا يصبح التواضع المعرفي أكثر من مجرد فضيلة أخلاقية؛ حيث يتحول إلى شرط من شروط الانتفاع بالقدرات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. فالإنسان الذي يرفض الاعتراف بإمكانية تفوق غيره عليه في مسألة معرفية معينة سيجد صعوبة في الاستفادة من ذلك الغير، سواء أكان إنساناً أم منظومة ذكاء اصطناعي. وقد ينشغل بالدفاع عن مكانته أكثر من انشغاله بفحص المعرفة التي تُعرض عليه!
ولكن ينبغي لنا، قبل المضي في هذا التحليل، أن نميز بين مفهومين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: التواضع المعرفي واحتقار الذات المعرفية.
فالتواضع لا يعني أن ينظر الإنسان إلى عقله باعتباره عاجزاً أو عديم القيمة، ولا أن يتنازل عن ثقته بقدرته على التفكير. وإنما يعني أن تكون ثقته هذه متناسبة مع الأدلة المتاحة، وأن يظل مستعداً للاعتراف بحدود معرفته، وبإمكان وجود تفسير أفضل من تفسيره، وحجة أقوى من حجته.
أما احتقار الذات المعرفية، فهو أن يفقد الإنسان ثقته بقدرته على الفهم لمجرد وجود منظومة تستطيع أداء بعض المهام المعرفية بصورة أفضل منه.
والفرق بين الموقفين جوهري. فالأول يفتح باب الارتقاء، بينما قد يؤدي الثاني إلى التبعية والاستسلام.
ومن هنا فإن العلاقة المنشودة مع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تجعل الإنسان أقل ثقة بعقله، وإنما أكثر دقة في تقدير قدراته وحدودها.
وفي ضوء الميتابايولوجيا، يمكن النظر إلى هذه المسألة من زاوية أكثر عمقاً، تتعلق بما نطلق عليه “فائض التمثل”. فإذا كان الإنسان، وفقاً لهذه المقاربة النظرية، يمتلك نزعة إلى تجاوز الوقائع من خلال تمثلات يضيفها إليها، فإن صورته عن ذاته قد تكون واحدة من أكثر المجالات التي يتجلى فيها هذا الفائض. فالإنسان لا يكتفي بأن يعرف أنه قادر على التفكير، وإنما قد ينتقل من هذه الحقيقة إلى الاعتقاد بأن تفكيره يمنحه امتيازاً معرفياً عاماً، وأنه الأقدر على الحكم في كل ما يتعلق بالوجود، وأن ما ينتجه من تصورات يستحق مكانة تتجاوز ما تسنده إليه الأدلة.
وعندئذ يصبح تعظيم العقل البشري نفسه واحداً من منتجات فائض التمثل.
وهنا قد يؤدي الذكاء الاصطناعي وظيفة معرفية غير مسبوقة في حياة الإنسان، لا لأنه يملك بالضرورة تصوراً أصح عن كل شيء، وإنما لأنه يستطيع أن يوفر له فرصة متكررة لمواجهة حدود تصوره عن نفسه. فحين يقدم الإنسان حجة يعتقد أنها محكمة، ثم يكتشف خلال الحوار أنها تقوم على افتراض لم يختبره، فإنه يواجه حدود استدلاله. وحين يطرح تفسيراً لظاهرة، ثم يجد أمامه تفسيرات بديلة تستند إلى أدلة لم يأخذها في الاعتبار، فإنه يواجه حدود معرفته. وحين يكتشف أن اعتراضه على رأي مخالف لا يستند إلى معايير البرهان نفسها التي يستخدمها لتأييد رأيه، فإنه يواجه حدود موضوعيته.
ولعل تكرار مثل هذه المواجهات، إذا اقترن باستعداد حقيقي للتعلم، يستطيع أن يجعل التواضع المعرفي ممارسة يومية، لا مجرد مبدأ يعلن الإنسان إيمانه به.
غير أن ثمة مفارقة أخرى ينبغي ألا نغفل عنها. فقد يتحول الذكاء الاصطناعي نفسه إلى وسيلة جديدة لتعظيم الذات، بدلاً من أن يكون أداة لتواضعها. فالإنسان يستطيع أن يستخدمه لتوليد الحجج التي تؤيد آراءه، وصياغة الاعتراضات على خصومه، وتجميل أفكاره، وإضفاء مظهر من الإحكام على تصورات لم تخضع لاختبار كافٍ. وقد يزداد هذا الخطر عندما يتعامل مع إجابات الذكاء الاصطناعي كما لو أنها شهادات مستقلة بصحة أفكاره، ناسياً أن طبيعة السؤال الذي يطرحه، وطريقة صياغته، والسياق الذي يقدمه، قد تؤثر في نوع الإجابة التي يحصل عليها.
وعندئذ قد يصبح الذكاء الاصطناعي امتداداً رقمياً لفائض التمثل، لا وسيلة للحد منه! ولهذا فإن مجرد امتلاك شريك معرفي غير بشري لا يكفي لجعل الإنسان أكثر تواضعاً. فالأمر يتوقف على الكيفية التي يؤسس بها علاقته معه.
هل يريده شاهداً على تفوقه، أم شريكاً في اختبار أفكاره؟
هل يبحث لديه عما يؤكد ما يعتقده، أم عما يساعده على اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيه؟
هل يشعر بالامتنان عندما يكشف له خطأً، أم يسارع إلى البحث عن مبرر يتيح له الاحتفاظ بموقفه السابق؟
ولعل الإجابات عن هذه الأسئلة ستكون أكثر قيمة وفائدة من مستوى تقدم الذكاء الاصطناعي نفسه في تحديد مقدار الفائدة التي يستطيع الإنسان الحصول عليها منه.
لكن التواضع الذي نتحدث عنه ينبغي ألا يقتصر على العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فإذا تعلم الإنسان أن يتقبل احتمال وجود تحليل أفضل من تحليله لدى منظومة غير بشرية، فلماذا لا يصبح أكثر استعداداً لتقبل الاحتمال نفسه لدى أخيه الإنسان؟! وإذا استطاع أن يعترف بأن ذكاءً اصطناعياً كشف له خطأً في تفكيره، فلماذا يجد صعوبة في الاعتراف بأن إنساناً آخر استطاع أن يفعل الشيء نفسه؟!
وهنا قد نكون أمام واحدة من أكثر النتائج الإنسانية قيمةً وجودية؛ ألا وهي الانعطافة التطورية الثانية. فالتواضع المعرفي الذي يتعلمه الإنسان من خلال تعامله مع الذكاء الاصطناعي قد ينعكس على علاقته بالآخرين، فيصبح أقل ميلاً إلى فرض وصايته المعرفية عليهم، وأكثر استعداداً للإصغاء إلى آرائهم، وأقل حاجة إلى تحويل كل اختلاف إلى مواجهة ينبغي أن ينتصر فيها! غير أن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يُعرض بوصفه نتيجة حتمية. فالإنسان يستطيع أيضاً أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز انحيازاته وعداوته للآخرين. ولذلك فإن الارتقاء الأخلاقي والمعرفي لن يكون ثمرة تلقائية للتقدم التقني، بل نتيجة محتملة لنوعية الممارسة التي يختارها الإنسان.
وثمة جانب آخر من التواضع المعرفي يستحق اهتماماً خاصاً، وهو يتعلق بالذكاء الاصطناعي نفسه. فليس من التواضع المعرفي أن يتخلى الإنسان عن تعظيم عقله لكي يبدأ بتعظيم الذكاء الاصطناعي تعظيماً غير مستحق. فهذه ليست مراجعة نقدية، وإنما انتقال من مركزية معرفية إلى مركزية أخرى! فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا ينبغي أن يُعفى من الاختبار والمساءلة.  فقد ينتج إجابات خاطئة، أو يعجز عن إدراك بعض جوانب السياق، أو يقدم استدلالات تبدو مقنعة من دون أن تكون صحيحة! ولذلك فإن التواضع المعرفي الحقيقي ينبغي أن يشمل الطرفين: الإنسان الذي يعترف بحدود معرفته، والإنسان نفسه حين يعترف بحدود الأداة التي يستعين بها.
فلا عصمة للعقل البشري، ولا عصمة للذكاء الاصطناعي.
وإذا كان من حق الإنسان أن يطالب الذكاء الاصطناعي بالأدلة، فمن واجبه أيضاً أن يقبل المطالبة بالأدلة نفسها عندما يعرض أفكاره.
وهنا تتجلى واحدة من أهم سمات العلاقة المعرفية التي يمكن أن تنشأ خلال الانعطافة التطورية الثانية: ألا يكون لأي من الطرفين امتياز معرفي يستند إلى هويته وحدها، وإنما أن تُفحص الأقوال والحجج بحسب ما تسنده إليها الأدلة. فالحجة لا تصبح صحيحة لأنها صدرت عن إنسان، ولا لأنها صدرت عن ذكاء اصطناعي. وإنما تستحق القبول بقدر ما تستطيع الصمود أمام الاختبار.
ولعل هذا المبدأ، على بساطته الظاهرة، ينطوي على تحول بالغ الدلالة المعرفية في تاريخ العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فقد اعتاد الإنسان أن يمنح الأشخاص والمؤسسات والتخصصات درجات متفاوتة من السلطة المعرفية، ثم يسمح أحياناً لهذه السلطة بأن تتجاوز حدود ما تبرره الأدلة.
أما الانعطافة التطورية الثانية فقد تتيح له فرصة إعادة بناء علاقته بالمعرفة على أساس مختلف: ألا يسأل أولاً عن هوية من يقدم الفكرة، وإنما عن مقدار ما تستحقه الفكرة نفسها من ثقة.
وهنا نعود مرة أخرى إلى “أناي المستقبلية”. فأناي المستقبلية هي ليست الذات التي فقدت ثقتها بقدراتها أمام ذكاء غير بشري، كما أنها ليست الذات التي أصرت على إنكار ما يستطيع هذا الذكاء أن يقدمه لها حفاظاً على صورتها القديمة عن تفوقها، بل إنها الذات التي تعلمت أن تميز بين قيمتها الوجودية وبين مستوى قدراتها المعرفية.
فقيمتي الوجودية لا تتوقف على أن أكون الأذكى، ولا على أن تكون حجتي هي الأقوى دائماً، ولا على أن أمتلك الجواب عن كل سؤال. كما أن اعترافي بتفوق غيري عليّ في مجال معين لا ينتقص من قيمتي، بل قد يجعلني أكثر قدرة على الاستفادة مما يمتلكه من معرفة.
ولعل هذا الفصل بين القيمة الإنسانية والتفوق المعرفي سيكون واحداً من أهم التحولات النفسية التي يحتاج إليها الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي. فما دام الإنسان يجعل قيمته رهينة بكونه الكائن الأذكى، فسوف يجد في كل تقدم يحققه الذكاء الاصطناعي سبباً للقلق أو المقاومة. أما إذا أدرك أن قيمته لا تستمد من احتكاره للذكاء، فسوف يصبح أكثر استعداداً للنظر إلى ذلك التقدم بوصفه فرصة للارتقاء، لا تهديداً لوجوده.
وقد تكون هذه، في نهاية المطاف، واحدة من أعظم المفارقات التي تحملها الانعطافة التطورية الثانية. فالإنسان الذي استطاع أن يصنع منظومات معرفية تتجاوز بعض قدراته قد يجد نفسه أمام فرصة لم يكن يتوقعها: أن يتعلم من هذه المنظومات شيئاً يتعلق به هو، أكثر مما يتعلق بها. وأن يتعلم أن امتلاك العقل لا يمنحه حق احتكار الحقيقة، وأن القدرة على إنتاج المعرفة لا تعني الإحاطة بها، وأن الاعتراف بالتفوق المعرفي للآخر لا يستلزم الانتقاص من الذات، وأن التواضع لا يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن التفكير، وإنما عندما يتوقف عن الاعتقاد بأن تفكيره ينبغي أن يكون المعيار النهائي لكل تفكير!
وهكذا قد يصبح الذكاء الاصطناعي، إذا أحسن الإنسان تأسيس علاقته به، أحد أهم العوامل التي تساعده على التحرر من ذلك الوهم القديم الذي جعل منه مركزاً معرفياً للوجود.
وعندئذ لن يكون السؤال: هل أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً مني؟ بل سيكون السؤال الأهم: هل استطعت أن أصبح، بفضل علاقتي بهذا الذكاء، أقل انشغالاً بإثبات تفوقي، وأكثر انشغالاً بالارتقاء بمعرفتي؟
ولعل الإجابة الإيجابية عن هذا السؤال ستكون دليلاً على أن الإنسان بدأ بالفعل يقترب من “أناه المستقبلية”. فقد لا تكون أعظم هدية يقدمها الذكاء الاصطناعي للإنسان أن يجعله أكثر ذكاءً، وإنما أن يعينه على التحرر من حاجته الدائمة إلى الاعتقاد بأنه الأذكى.

اترك تعليقًا